بعد هدم مبانيها الأثرية.. خبراء: قلعة صلاح الدين تحولت لمدينة «ملاهي»

مطالبات كثيرة طرحها متخصصون بمحاسبة مدير عام منطقة آثار القلعة، لتسببها في هدم الكثير من المباني الأثرية المحيطة بمنطقة القلعة خلال الفترة الأخيرة، وكان آخرها قبة الشيخ عبدالله المسجلة في الآثار وتم هدمها قبل استكمال إجراءات شطبها الرسمية.

حادثة هدم القبة الأثرية لم تكن الواقعة الوحيدة، إذ تفاجأ المهتمين بالآثار خلال الفترة الأخيرة بانتشار فيديو لبلدوزر داخل حرم القلعة يهدم مبنى أثري مسجل وهو مبنى «الترميم»، والذي أنشأته لجنة حفظ الآثار العربية خلال القرن الـ19. وبعد أن أثبتت المستندات -سبق أن نشرها «باب مصر»- تعمد أماني توفيق، مدير عام القلعة «هدم المبنى» في غير المواعيد الرسمية والسماح بالحفار بالدخول للمنطقة المدرجة كتراث عالمي. وعلى وقع الانتقادات بررت أماني الهدم بأن هذه المباني «شوية عشوائيات»، وكانت في الأصل من بقايا «قشلاق الإنجليز»، وبنيت لخدمة الاحتلال البريطاني! كما أصرت على رأيها أن المبنى قد تم فكه، خلافًا للفيديو المتداول والذي يشير لهدم المبنى بواسطة البلدوزر.

مشروعات جارية

الدكتور محمد حمزة الحداد، العميد السابق لكلية الآثار بجامعة القاهرة وعضو مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار سابقًا- بعد هذه الواقعة مباشرة – ذكر أن عملية هدم المبنى الأثري الذي أنشأته لجنة حفظ الآثار العربية خلال القرن الـ19 مجرد «بداية». إذ اعتبر أن الهدف من القرار هو هدم المباني الملحقة بالمبنى المهدم لكونها تتعارض مع مشروعات جارية في محيط «محكى القلعة»!

وحصل «باب مصر» منذ أيام على مستند رسمي يفيد بموافقة اللجنة الدائمة على «فك» الطابق الثاني من مبنى «الترميم». بجانب موافقتها على هدم مباني أخرى ملحقة خلال الفترة المقبلة! ووفقًا للمستندات الرسمية فبداية الواقعة تعود عندما تقدم نائب رئيس مجلس إدارة كنوز مصر للنماذج الأثرية بطلب للموافقة على إزالة الطابق العلوي للمباني الثلاثة الواقعة بمحكى القلعة. وهنا أرسلت أماني لرئيس قطاع الآثار الإسلامية خطابًا بتاريخ 20 ديسمبر 2023 أكدت فيه أن المبنى الواقع داخل حرم قلعة صلاح الدين الأيوبي غير مسجل في عداد الآثار. وبدأت تشرح نية الهدم وأوضحت أن المنطقة في احتياج لإزالة الطابق العلوي للمباني الثلاثة غير المسجلة كآثار. وذلك لأنها تحجب الرؤية عن بانوراما جامع سليمان باشا الخادم!

وفي 27 ديسمبر ظهرت نتيجة لجنة المعاينة، فقد أوضحت أن الثلاثة مباني المزمع هدمهم بهم شروخ، رأسية، وأفقية، وأخرى مائلة بأماكن متفرقة بالواجهات الخارجية والحوائط الداخلية. ووجود تدعيم للأسقف بكمر جديد نتيجة تدهور حالة السقف الإنشائية. أما الدور الثاني بالمباني الثلاثة فقد ظهر عليهم طبقة من الدبش، والمحارة المتهالكة. بجانب تفكك وتحلل للمونة، الداخلية الرابطة لمداميك الدبش. مما أدى إلى ظهور الشروخ المذكورة؛ لذلك فهو معرض للانهيار في أي وقت مما يمثل خطورة على الأرواح والممتلكات إلى جانب أنه لا جدوى من ترميمه. حيث إنه لا يتماشى مع نسق البناء بالدور الأرضي وأنه يحجب الرؤية البصرية لمجموعة الآثار المحيطة بالمباني الثلاثة! لذلك فقد اقترحت اللجنة «فك وإزالة» الدور الثاني بالكامل للمباني الثلاثة.

بلدوزر الهدم

وبتاريخ 1يناير تقدمت أماني توفيق بمذكرة جديدة تفيد أن الدور الأرضي بالمباني الثلاثة يعود للقرن الـ19 وهو من الحجر الجيري. بينما الدور الثاني من الدقشوم وغير مسجلين في عداد الآثار الإسلامية خلافًا لجميع المباني الأثرية بالقلعة. وأن جميع المباني بالقلعة مسجلة بأرقام تسجيل؛ لذلك لا مانع من إزالة الدور الثاني للمباني الثلاثة حفاظًا على الأرواح والطابع الأثري لمنطقة المحكى!

وبناء عليه قررت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية بجلستها بتاريخ 9 يناير الموافقة على مقترح مدير عام القلعة بهدم المباني الثلاثة.

وبعد قرار اللجنة الدائمة بيوم واحد؛ أي في 10 يناير الماضي أرسلت أماني خطاب يفيد بالسماح لإنجاز المهمة -بعد المواعيد الرسمية- وذلك لإنجاز الأعمال بالمنطقة، مع السماح بدخول بلدوزر لتنفيذ عمليات الهدم!

هدف واضح

يقول الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس اتحاد الآثاريين العرب وأستاذ الآثار الإسلامية بعد اطلاعه على قرار اللجنة بالموافقة على فك المباني، إن “توفيق” ناقضت نفسها في خطابها المؤرخ في 20-12-2023.

وتابع: داخل الخطاب طالبت الموظفة بالهدم، ثم طالبت بإعادة توظيف المباني مرة أخرى. إذن فهي تعترف أن هذه المباني غير آيلة للسقوط. فالهدف من هذه الحكاية هو هدم المبنى الأثري بغض النظر عن حالته. ومن الضروري تقديم الخطاب للنيابة الإدارية. نظرًا لما جاء فيه من تجاوزات تعرض تراث مصر للمخاطر الجسيمة.

ويضيف الكحلاوي: مسؤولة القلعة مجرد «موظفة» تقول نعم. لذلك فقد طالبت في وقت سابق ألا يعول الأمين العام الجديد على موظفين الوزارة في مثل هذه القرارات. بل لابد من استشارة أساتذة الجامعات المتخصصين في الآثار، والهندسة. وأن يحددوا إذا ما كانت هذه المباني تصلح للترميم من عدمه. فأنا أرى أن منطقة آثار القلعة أصبحت أشبه بمدينة ملاهي لأن المطلوب هو تحويل القلعة لكافيتريات.

مطالبة بالإقالة

ويكمل الكحلاوي: قانون الآثار به جزأين، أحدهما خاص بالموقع الأثري، والآخر بحرم الموقع الأثري الخارجي، باستثناء القلعة لأن حرمها «وظيفي» أي مثله تمامًا مثل الأثر. لأن وظيفة القلعة الدفاعية تأتي من الخارج وليست من الداخل فوفقًا للتقاليد العسكرية فدخول القلعة يعني سقوطها؛ أما الجزء الخارجي فهو الأثر نفسه.

الأمر الثاني وهو خاص بهدم الطابق الثاني من مبنى الترميم، ففاروق حسني، وأحمد قدري حاربوا لتسجيل القلعة بكامل محيطها. لذلك ما يحدث عبارة عن «دجل». وهي أمور جديدة لا يمكن أن نتقبلها، فحرم القلعة الخارجي أثرًا. فما بالك بمبنى أثري يعود للقرن الـ19 يقع داخل حرم القلعة. وأنا من هنا أطالب بإقالة هذه المسؤولة من جانب قيادات القطاع الجديدة وتحويلها للنيابة الإدارية، لأنه من العار عليهم أن تستمر موظفة بهذه العقلية في إدارة أثر بحجم قلعة صلاح الدين الأيوبي.

رأي مضلل

وتعقيبًا على هذه المستندات صرح أيضًا مصدر بوزارة الآثار وقال: “قرار اللجنة الدائمة تضمن بداخله كلمة «فك» أي أن ما فعلته مدير المنطقة بالاستعانة ببلدوزر هدم أمر مخالف للقوانين، وبالتالي يجب محاسبتها”. وطالب المصدر قطاع الآثار الإسلامية بضرورة إلغاء موافقة اللجنة الدائمة على إزالة الدور الثاني من بقية المباني. نظرًا لأن قرار اللجنة استند على رأي مضلل خلافًا للحقيقية، بجانب أثرية المباني.

وأضاف المصدر: مدير عام منطقة آثار القلعة طالبت بفك المبنى اعتمادًا على أسباب هندسية لا دخل لها بها. وتساءل كيف يخرج قرار من اللجنة الدائمة بفك المبنى يدويًا وعند التنفيذ الفعلي نفاجئ بوجود بلدوزر هدم؟ فالمنطقة بالكامل أثرية وتحتها سراديب. والدليل على ذلك حدوث أكثر من هبوط أرضي داخلها لذلك فاستخدام المعدات الثقيلة أمر محظور. إذ ينتج عنها اهتزازات تؤثر على الأرض والمباني الأثرية. فمبنى الترميم يقع على بعد بضعة أمتار قليلة فقط من مسجد سليمان الخادم (سارية الجبل). أي أن الاهتزازات لابد أنها قد أثرت بصورة ما على الجدران الخارجية للمسجد.

وقارن المصدر بين هذه الواقعة وبين ما فعله وزير الثقافة السابق فاروق حسني. وأشار أن الوزير السابق أعاد توظيف مبانی القلعة، وترميمها ومنها مبنى القاهرة التاريخية، والتنسيق الحضاري، واتحاد الكتاب. إذ أعاد توظيفهم رغم أن حالتهم المعمارية كانت أسوأ من مبنى الترميم، ومبنى التسجيل، ومبنى المراكز العلمية.

ماذا تقول قوانين الآثار؟

جاء في المادة 19 من قانون حماية الآثار أن الأراضي الواقعة داخل حرم الأثر أو خطوط التجميل تعتبر أرضًا أثرية وتسري عليها أحكام القانون. فخلال عام 2007 صدر قرارا باعتماد خطوط التجميل كحرم لقلعة صلاح الدين الأيوبي. حيث سجلت القلعة بكافة مبانيها كأثر حمل رقم 556. إذ جاء في القرار نصًا أن قلعة صلاح الدين الأيوبي «قلعة الجبل» أثر وهي مسجلة في عداد الآثار الإسلامية بقرار رقم 10357 لسنة 1951. واعتمدت كلًا من اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية، وكذلك مجلس الإدارة أن يكون حرم القلعة كالآتي:

من الجهة الشمالية: شارع باب الوداع – حرم طبيعي، والجهة الجنوبية: شارع صلاح سالم – حرم طبيعي. أما من الجهة الشرقية: صلاح سالم – حرم طبيعي. والجهة الغربية: صلاح الدين – حرم طبيعي.

وبناء عليه فإن المباني الثلاثة هي جزءا من قلعة صلاح الدين الأيوبي منذ لحظة تسجيلها في عداد الآثار.

اقرأ أيضا:

بالمستندات: «بلدوزر» في قلعة صلاح الدين يهدم مبنى أثري

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر