بدرية السيد وحميدة موسى في معرض «سلام إسكندراني»

في معرض «سلام إسكندراني» تستعرض الكاتبة والمترجمة نرمين نزار، أول أرشيف للتاريخ الشفهي عن موسيقى الإسكندرية، عبر رحلة بحث استمرت ثلاث سنوات، عن قاعدة مهمة وشديدة الخصوصية كونتها إذاعة الإسكندرية من الفنانين مثل الفنانة بدرية السيد وإبراهيم عبدالشفيع وعزت عوض الله وحميدة موسى.

المعرض أساسه سمعي، يضم شهادات الفنانين وشهادات الذين كانوا جزءا من إذاعة الإسكندرية وشهادة الذين كانوا حاضرين في هذا المشهد الفني، بجانب مقاطع من المواويل وأغاني من التراث السكندري.

إذاعة إسكندرية

بدأت إذاعة الإسكندرية عام 1954 في شارع شريف في شقة صغيرة، ثم انتقلت إلى قصر طوسون باشا. كانت الإذاعة نافذة للفنون واكتشاف المواهب السكندرية عبر تجوال حافظ عبدالوهاب، مؤسس ومدير إذاعة الإسكندرية، في الشوارع والأفراح والجامعات واستقطابه للفنانين.

لاحظت نرمين – من أب فلسطيني وأم من أصول قوقازية- أن المروي عن الإسكندرية يخص الكوزموبوليتان أو الوافدين، لكن المروي عن تاريخ ولاد البلد نادر جدا.

وتقول: “حينما بحثت عن تاريخ عائلتي عرفت تفاصيل دقيقة عن حياتهم. لكن في المقابل لم أجد نفس هذه التفاصيل الدقيقة عن تاريخ ولاد البلد في الإسكندرية. في مرة قرأت كتاب كان عبارة عن مقالات متفرقة عن الفرق بين خيالنا عن الإسكندرية وعن الواقع السكندري. لكن رغم ثراء الكتاب لفت نظري أنه لا يوجد فيه شيء عن ولاد البلد”.

وتابعت: أتفهم أن هذا يمكن أن يحدث في مدينة تعتبر ميناء، لكن يضحكني ذلك. يمكن روايات إدوار الخراط وإبراهيم عبدالمجيد أو علاء خالد تتحدث عن التاريخ الذي أبحث عنه. لكن كل منهم كتب عن مجتمع يعرفه. أنا أبحث عن مجتمع لا أعرفه وأريد معرفة نتيجة هذا البحث.

وأيضا كان لدي سؤال متكرر حول لماذا لا يشتهر المغنيين السكندريين خارج الإسكندرية؟

مروية واحدة

تخبرنا نرمين أن التهميش الذي تعرضت له الموسيقى المُنتجة من الإسكندرية يمكن أن يكون سببه طبقي. فتقول: “حكت لي سيدة تعيش من منطقة ثرية في إسكندرية أنه لا أحد كان يسمع موسيقى عربية في الإسكندرية في الثمانينات!”.

وتابعت: تصور أن هذا الأشيك، كأنه حينما يقولون إننا نسمع نوع موسيقى أجنبية إذن هم جزء من هذا المجتمع. بالتأكيد هناك جماليات مغرية وجاذبة في فكرة الاندماج مع الأجانب. لكنه همش الجزء الأخر من الواقع.

كانت نرمين واعية بأن التاريخ الاجتماعي لولاد البلد مجال واسع. وأنه عليها أن تركز على نقطة معينة للبحث فيها، لذلك اختارت الموسيقى لأنها مهتمة بها ومهتمة بالأرشفة فكانت فكرة البحث عن موسيقى ولاد البلد في الإسكندرية الرسمية عبر إذاعة إسكندرية وغير الرسمية عبر أفراح الشارع هو البداية.

اقرأ أيضا| «لاتليه الإسكندرية»: جنود بولنديون في مصر ممسكين بفرشاة

نافذة على المشهد الموسيقي

عازف الكمان أيمن عصفور، من الذين غيروا مسار بحث “نرمين”. إذ ساعدها بشهادته كطفل وموسيقي عاش في بحري.

يقول عصفور: “موسيقيين كتير طلعوا من بحري ومعندهمش خوف من البيرفورمانس/ الأداء. بحري كانت مسرح 24 ساعة، طوال أوقات اليوم الناس بيتفرجوا من الشباك على اللي بيحصل في الشارع”.

ويضيف، كان البحر أبوجريشة مفضل لشريحة كبيرة من بحري مع أداء الشرب. أيضا عبده الإسكندراني وبدرية السيد.

“بعض الناس كانت تسمع الشيخ أمين، لكن هذه الشريحة تعتبر الأقدم أو الواعرة شوية، كانت تسمع الشيخ أمين وتحفظ مواويله وأيضا أنور العسكري”. هكذا يوضح عصفور.

بلوز نوبي

الموسيقي وليد فتحي عرّف “نرمين” على أحد الراقصين في فرقة البحر أبوجريشة. فيقول: “في المعرض كان هناك تسجيل لـ”نرمين” تحدثت فيه مع أحد الراقصين في فرقة البحر أبوجريشة الذي يسرد فيه ذكرياته مع اختيار البحر أبوجريشة له من الشارع في بحري. وكيف كان يألف الرقصات عبر التجربة وتقليد الرقص الذي كان يشاهده في السينما”.

أيضا مع الدكتور “محمد حسني” حكا في تسجيل آخر عن رؤيته لعالم أبوجريشة. فيقول: “كنت بميل له وأنا صغير لأن موسيقته والفرقة مختلفة عن أي فرق عوالم في الإسكندرية. يعني كان معاه طقم نحاس. لأن معظم الفرق أورج وطبلة وكمنجاتي وعواد وخلاص. لكن فكرة إني أشوف تلاتة ولا أربعة بيلعبوا بآلات نحاسية حاجة شبة الجاز.. شكل الفرقة الغربي، كان بيقدم أنواع الموسيقى بالنسبالي كان جديد.. لكن مع التدقيق اكتشفت إنه عمل صيغة بين الفن الإسكندراني والفن النوبي”.

وتابع: “إحساسي إن البحر تأثر أوي بمغني شعبي إسكندراني اسمه “الشيخ أمين” ولما نسمع بحة “الشيخ أمين” وبعدها نسمع “البحر أبوجريشة” هنفهم الفكرة دي لأن “البحر أبوجريشة” كان بيميل مش للمدرسة الطربية أو الغنى الشعبي التقليدي اللي محتاج حد صوته حلو. هو كان يعتمد على صوته القوي وبشرته السمرا وتكوينه الجسدي كان مخلي صوته فيه عمق وضخامة”.

رحابة الـ12 تون

الشيخ أمين عبدالقادر أو الشيخ أمين الإسكندراني، كان حاضرا أيضا في المعرض. تخبرنا “نرمين” أن لـ”الشيخ أمين” أكثر من تسجيل موجود، وأن تسجيلاته مثيرة، لأنها بها الـ12 تون الذي يعد أصل الموسيقى الشرقية.

وتستطرد: الموسيقى الشرقية تحددت سنة 1932 في مؤتمر الموسيقى، بأربع تونات، وهو ما نعرفه اليوم بالربع تون. لكن تلك ليست الموسيقى التي تخصنا، موسيقتنا أوسع وبها مساحة ارتجال كبيرة.

من أرشيف أسامة حلمي
من أرشيف أسامة حلمي
إذاعة متنقلة

في إحدى الشهادات المعروضة بجانب صورة بدرية السيد، يحكي “كريم السيد” عن شركة فنار فون الذي أنشأها والده “مصطفى محروس”، لدعم الغناء الشعبي السكندري.

فيقول: “فنار فون شركة إنتاج وتوزيع وبيع اسطوانات بدأت في أوائل الستينات، كانت في البداية شركة اسطوانات للفنانين السكندريين، شوفت اسطوانة لبدرية السيد والشيخ أمين وعوض المالكي دي الاسطوانات اللي شوفتها بعيني.

بابا هو اللي كان مهتم بالمزاج السكندري علشان كدة كان ينتج حاجات للمزاج السكندري الصرف، زى بدرية السيد والمزاج الصعيدي لحفني أحمد حسن وأبوالوفا السوهاجي”.

ويستطرد: ” بالنسبة له واحدة ست زى بدرية السيد كان عندها إمكانيات صوتية رهيبة. فتعاقد لها مع شركة صوت القاهرة علشان تنتج لها اسطوانات بعد كدة.. مكنش عنده مشكلة يزق الناس دول”.

ويضيف السيد: “كان يتم التسجيل في استوديو سمير عوض الحديث اللي جايبه من يوغسلافيا، وكان في سيدي بشر. أو يتم التسجيل في المخزن بيقفلوه أو حاجات بتتاخد لايف. وشريط الحفلات دي كانت مطلوبة أكتر من الاستديو”.

ويقول: “كان له إستراتيجية في التسويق بالذات بعد مرحلة الاسطوانات أنه يسوق الشريط في الأماكن غير الاعتيادية لبيع الشرايط  محل بابا زبن والبوليطي وصوت القاهرة. وأنه يعمل كاست بألوان ويحطها في الأماكن اللي بينتظر فيها الجمهور الحلاقين والكوافيرات والمطاعم.. بغرض أنه يخلق زبون جديد لسوق الشرايط ويسمع الناس”.

إمبراطورة الأغنية الشعبية

تقول محاسن محفوظ، من إذاعة الإسكندرية: “بدرية السيد من أشهر السيدات المغنيات في الإسكندرية، كان يطلب من بدرية السيد أن ترجع متر بعيدا عن الميكروفون. كان عندها طريقة في ارتجال المواويل والارتجال على طريقتها”. سمت محاسن هذه القدرة بـ”الطريقة البدراوية”.

وتذكر نرمين، أن الأوراق الرسمية لـ”بدرية السيد” مصنفة كمغنية ريفية وليست مغنية شعبية.

من أرشيف أسامة حلمي
من أرشيف أسامة حلمي
عميد الأغنية البدوية

“حميدة موسى” أو كما ينطق بـ”إحميدة موسى” هو مطرب بدوي. كان حاضرا في معرض سلام إسكندراني.

تقول نرمين: “على عكس الشائع أن بدو مصر موجودين في قلب مصر من محافظة البحيرة حتى ليبيا. وأنهم موجودون في قلب المدينة وليس على أطرافها. “إحميدة موسى” غنى أغنيات ملحنة بإيقاعات بدوية لكنها ملحنة بألحان جديدة وكان هذا تأثير الاختلاط بغير البدو بحضر الإسكندرية”.

بجانب صورة حميدة موسى هناك شهادة مسجلة لـ”هشام العقاري” يقول فيها: “يكفي تعرفي أن لغاية 1892 كان حصر العربان في مصر، كانت الإسكندرية تضم قسمين قسم محرم بك وقسم رأس التين من أول رأس التين وإنتي ماشية لغرب الإسكندرية دة كان قسم حصر العربان. ومن محرم بك لأخر الإسكندرية ملاصقة للبحيرة دة قسم آخر. حصر العربان، حصر القبائل وعددهم والرحل وغير رحل وشبه الرحل والمستقرين بأسمائهم وعمادهم وأشياخهم.. القبائل هم جزء من تاريخ الإسكندرية سواء التاريخ السياسي أو العسكري أو التاريخ الفني”.

ويضيف: الإسكندرية هي عاصمة الفن البدوي في مصر، الكل يعتقد أن مطروح عاصمة الفن البدوي وسيناء. لكن المفاجأة أنها الإسكندرية. ساعد ذلك على أن يتواصلوا مع العازفين السكندرين”.

من أرشيف أسامة حلمي
من أرشيف أسامة حلمي
الكف والمقرونة

ويستطرد العقاري: الفن البدوي فن بسيط جدا يعتمد على الحاجات البدائية مثل عود/ خشبة ينقر به الرباع على أي حاجة مثل طرابيزة أو طبلية أو قطعة نحاس. أيضا الاعتماد على الكف أو آلة المقرونة، عبارة عن بوصتين مقرونين ببعض ينفخ فيهم.

ويقول: “عندنا الأغاني بقوالب موسيقية مثل أغنية المجرودة جاية من كلمة جرد، وجرد عندنا هي وصف الحكاية من أولها لأخرها. المجرودة بتتكلم بأربع شطرات عندنا نوع اسمه شتاوة من كلمة شتاء، وفيه عندنا حاجة اسمها المجلم على صوت المقص وكمان أغاني الرحى.

تبحث “نرمين نزار” عن كل أشكال الموسيقى التي أنتجت في المدينة من سنة 1882 ويعتبر هذا الأرشيف حفظ لهذا التاريخ المهمش. تهدف “نرمين” إلى تعريف المهتمين بما تفعله ليضيفوا لبحثها.

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى