الموال السباعى: عمدة المواويل

يقول المثل الشعبى “أقل موال ينزه صاحبه”، فما بالنا بـ الموال السباعى الشكل، يتنوع بين قواف جلية وأخرى غامضة، وبين طرق أداء تراوح بين التطريب والتنغيم والعد.  والعد هنا يعنى الأداء الشعرى / الإلقاء، كأن صاحب الموال يعد الشطرات، وما بالنا بموال سباعى تتشاكل فيه الجناسات فتحتاج لمن يفك شفراتها، وكيف نقف على التنوع فى طرق الأداء والصياغات التى يقف وراءه وعيا بالبناء ولبناته التى تشكل الموال عبر ثلاثة أبنية صغرى هى :

  • العتبة
  • البدن /البطن / الردف
  • الرباط / الغطاء / نهاية الموال / القفل / طاقية الموال.

وفى الغطاء تجتمع قوافى العتبة والبدن، فالرباط يحكم قبضته على رؤية الموال وصياغاته الجمالية، لكن السؤال لماذا صاغت الجماعة الشعبية مواويلها السباعية وهى تمتلك حصة كبيرة من المواويل الرباعية متتالية القافية (1)

إن كنت عاقل وربك بالتقى برَّك
ارفع أذاك وهات خيرك ودع شرَّك
وان تعدَّى حسودك والحسد ضرَّك
ناديه : يا أيها الإنسان ما غرَّك

ياما بنوح عليك يا حلو وبناني
لو كنت زغلول بنيت لك برج وبناني
والبين قد هدني يا حلو وبنـــاني
ومن دموعي خضبت الكف وبناني
(2)

 

فضلا عن المواويل الرباعية العرجاء التى تسبقها الليالى ، وتنهيها الليالى بكل ما فيها من شجن (3):

عاشق رأى مبتلى قال له انت رايح فين
وقف قرا قصته بَكُم سوا الاتنين
راحُم لقاضى الهوى الاتنين سوا يشكُم
بكوا التلاته وقالوا حبنا راح فين

الليل … الليل

كما أنتجت الجماعة مواويل خماسية / عرجاء صائدة للحكمة فى ذروتها عند السطر الأعرج (بدون قافية) ليرتفع بها مع نهاية الموال. ومن يتتبع ما يفيض به الميدان سيجد أن المبرر الفنى وراء وجود هذا الشكل من أشكال الموال هو حاجة الجماعة إلى شكل يتسع لما يحمله وعيها وما اكتسبته خبرتها من حكمة وما وعته ذاكرتها من تراكيب وأساليب جمالية.  إضافة إلى الحاجة إلى شكل أكثر اتساعاً يعانق الأغراض المختلفة فى حياة الجماعة، كما أن الشكلين الرباعى والخماسى قد مهدا الطريق للجماعة كى تجود على أبنائها بشكل جديد يكفى لرغباتها الجمالية ويتسع لخبرتها الحياتية.

كذلك فقد أصبح للشعراء ذاكرة من المواويل الرباعية والخماسية تمنحهم الرغبة فى الولوج إلى شكل جديد، وهو الشكل السباعى، أو كما يطلق عليه عند بعض المغنين الشعبيين ” السبعاوى ” أو النعمانى فى مصر، أو الزهيرى فى العراق والكويت، وكذلك “المزهَّر” أو “موال سبع زهرات” فى مصر.

تكوين الموال

والسباعى يتكون من سبعة أغصان، ثلاثة منها بقافية واحدة، وبجناس واحد، وثلاثة أخر أيضاً بقافية واحدة، وتكون مغايرة للأغصان التى قبلها من حيث الجناس، أما الغصن السابع فعلى جناس وروى الثلاثة أغصان الأول . أما عن تسميته بالسباعى أو ” السبعاوى ” فإن ذلك يرجع  إلى عدد الأغصان، التى ينبنى عليها شكل الموال، فهو فى ذلك كالرباعى والخماسى. أما بالنسبة إلى التسميات المختلفة كالنعمانى ” المربوط ” / المزهَّر فى مصر أو الزهيرى فى العراق والكويت، فحولها جدل كبير، فهناك تبريرات لتسمية هذا الشكل السباعى بالزهيرى،” فيذهب معظم الباحثين إلى أن هذا الشكل السباعى للموال، قد سمى – فى الكويت والعراق – بفن الزهيرى والجمع (زهيريات) نسبة إلى شاعر عراقى حديث اشتهر بنظم هذا اللون من الشعر اسمه ” ملا جادر الزهيرى ” من عشيرة الزهيرات المنتشرة فى ربوع العراق، ولا سيما قرية الزهيرات التى تنسب إليهم”.

خلاف بين الباحثين

وهذا التعليل نرفضه ـ رفضه العالم الجليل الراحل د. محمد رجب النجار(4)ـ على الرغم من ذيوعه لعدة أسباب، الأول: ليس لأن الشاعر ملا جادر الزهيرى شاعر حديث – عاش فى القرن التاسع عشر الميلادى – فحسب، بل لأن المجتمع الشعبى نفسه ليس من طبيعته الاحتفاء باسم المبدع الفرد أساساً مهما كانت عبقريته، فضلاً عن أن فنون الأدب الشعبى- على اختلاف أنماطها وتنوعها – لم يحدث قط أن استمدت اصطلاحاتها الفنية من أسماء مبدعيها، كالأمثال والأغانى والحكايات والأساطير والسير والملاحم والنوادر والغطاوى والمعاظلات اللسانية إلخ، فهى على اختلاف أشكالها كلها اصطلاحات فنية شائعة بين أبناء الجماعة الشعبية، ولم يقل – أو يقم – أحد بنسبة أى منها إلى مبدع بعينه، ويرجع د. محمد رجب النجار وجود هذا الاصطلاح ” الزهيرى” إلى نسيان أبناء المنطقة معنى المصطلح العامى على حد تعبيره بمرور الأيام، فنشأ الخلاف بين الباحثين فى تفسيره، وبعض الرواة يشيرون إلى عدد الأغصان بالزهرات، فيقولون “موال سبع زهرات”، ويتأكد ذلك من خلال الميدان (5):

 

بات العليل بات يتسلى على قولتاه
حيلة العليل إيه غير نوحه وقولتاه
جولوا طبيبين من البدر على قولتاه

جربوا على الجراح برياشهم جربوا
دكموا الدما سال بل الفرش والجربوا
اتلموا أهله وناسه ع العليل جربوا
باتوم عطاشى ولم جربوا على قولتاه
 (قولة  .. آه )

(قولته)

(اسمان : على  وقلته)

(من التجريب)

(القربة / الجربة)
(قربوا)

(من القلة: إناء للشرب  قلته)

الاصطلاح مع السياق

        يقول د. النجار إنه عندما كان يسجل بعض المواويل لأحد الرواة بحضور أحد أقاربه الذى كان يستحث الراوية على أن يكون الموال مزهراً وفسر له المقصود بالزهر بأن شرح له شيئاً قريباً جداً من المفهوم البلاغى للجناس، وكأن “الزهر” عندهم مصطلح مرادف لمصطلح  “الجناس” المعروف بلاغياً، وأن التزهير فى عرفهم مرادف ” للتجنيس “، وعلى الرغم من وجاهة الرأى السابق، ومع انحيازى التام إلى تسميات الجماعة الشعبية لأشكال إبداعاتها، لا التبريرات اللغوية المعللة، أو التبريرات التاريخية للمصطلح ؛ فإن رجب النجار، على الرغم من وجاهة ملاحظته، وهى أن نسيان أبناء المنطقة هو الذى أدى إلى هذا الخلاف فى تفسير الاصطلاح؛ لكن السؤال الذى يطرح نفسه ما المقصود بالمنطقة، إذ إنه من المعروف أن الاصطلاحات التى تطلق على الأشكال الفنية الشعبية- على الرغم من عدم اختلافها- اصطلاحات خاصة بأبناء كل منطقة محلية، ويتواءم هذا الاصطلاح مع السياق الذى تبدع فيه الجماعة أشكالها الفنية .

موال سبع زهرات

وإذا كان مصطلح الزهيرى غير منتشر فى مصر الذى بنى مجمل رأيه على قول بعض من رواتها، وإن كان عد أغصان الموال بالزهرات قائم حتى الآن، كما أن خصيصة الجناس ليست لصيقة بالموال الزهيرى فقط، وإنما بأشكال الموال الأخرى مثل الرباعى والخماسى “الأعرج” وبعض أشكال الموال الطويلة.

كما أن خصيصة الجناس ليست قاصرة على الموال، وإنما هى خصيصة لصيقة بمعظم أشكال الشعر الشعبى الأخرى، وكيف نستطيع تبرير تسمية (الموال السباعى) بالنعمانى على الرغم من انتشار هذا الاصطلاح بين عدد من الموالة فى مصر؟ ، لكن ما نراه أقرب إلى الصحة هو ربط الموال وقوافيه بالزهرات، حيث يقول الموالة “موال سبع زهرات”، والزهر هنا هو زينة الموال، الصوت الذى يمنح الموال معناه وصوته وشفراته وعلاقة المتلقى بالنص، فيشتم الأريج / المعنى المتكشف عبر الصوت المكثف فى التجنيس، وتتراوح المواويل السباعية بين المواويل المفتوحة / مكشوفة القافية والمواويل المشفرة، وهى التى يبرع فيها المصريون، ولها رواتها المهرة وتلقى هوى ومحبة أبناء الجماعة الشعبية لأنهم يشاركون الرواى فى صناعتها وكشف ما غمض من قوافيها، ومن أبدع ما رواه عز الدين نصر الدين شاعر الهلالية الراحل (6) فى هذا النوع :

 

 

مدحت الحبيب النبى ما خلق الإله مثال شكليه
ومن معجزات النبى راح له البعير شكليه
نبى عاش من العمر لم داق الحرام شكليه

وعاشق سهر ليل وقلبه للحبيب رامه
عمل مثال بحر إذا هيَّج وزاد رامه

نبى عدَّى ع البحر لا مركب ولا رامه  عشان جمال ابن رامه فتَّح الشكليه   
(شكله، على مثاله)

(شكى له )

(شكله إيه)
(يروم، أى يروم عشقه)

(من الريم)

(المرمه : المركب الكبير)
(الشوك له)

 

فين العَدل فين لكنى فض فاتحينه
وبعينى شايف ناس بالألوفات فاتحينه
وفى عز الضيق وهم عايشين فاتحينه
وتديهم ما يخدوش حتى لو كفوف مندار
ومن غيرهم حد غير رب العباد مندار
ويا هلترى المرء راسه من الهموم مندار
وبرضه لهم دار من الإكرام فاتحينه
(7) 
فات حينه

فاتحه حانه

متحنيين

متدارى

من يدرى بهم

منداره

مفتوح بكرهم

عمدة المواويل

 إن الجمع الميدانى الأولى يشير إلى أن الموال السباعى أكثر أشكال الموال انتشارا فى مصر(8)، وأكثرها قدرة على الاحتفال بالجناسات الكثيقة. بل أصبح من الرسوخ الذى يجعله عمدة المواويل والبنية التى تتسع لينبنى منها المواويل الطويلة التى يطلق عليها البعض المواويل القصصية .

 

المراجع والحواشى

  1. راجع، ميلاد واصف، قصة الموال، دراسة تاريخية أدبية اجتماعية، تقديم د. حسن ظاظا ، كتب ثقافية،ع (165) المؤسسة المصرية والتوزيع العامة للأنباء والنشر والطباعة،القاهرة، 1961.
  2. راجع ، أحمد رشدى صالح ، الأدب الشعبى، دار الكاتب العربى ، القاهرة، 1956.
  3. ميلاد واصف، قصة الموال ، مرجع سابق .
  4. راجع، د. محمد رجب النجار، الموال الزهيرى، رابطة كلية الآداب، جامعة الكويت . 
  5. رواية عزت الدين نصر الدين، قرية بر خيل، مركز البلينا، محافظة سوهاج، جمع : مسعود شومان، 2009.
  6. رواية عز الدين نصر الدين، قرية بر خيل، مركز البلينا، محافظة سوهاج، وقد جمعت بمدينة سوهاج فى شهر رمضان ، جمع : مسعود شومان، سبتمبر 2008. رحل عن عالمنا إثر حادث أليم أثناء عودته من ليلة كان يصطحب فيها الهلالية إلى مركز أبو تشت بمحافظة قنا، رحل مودعا نصا كبيرا وأحبة كانوا يتحلقون حول روايته وطريقته الخاصة فى الأداء، لقد كان عز أصغر رواة الهلالية سنا حيث كان يحفظها كاملة، ويؤمن بما أودع فيها المصرى من فنون، رحل عن عمر لم يتجاوز الثانية والأربعين فجر 19 من يوليو 2009 تاركا فراغا كبيرا وحزنا أكبر فى نفوس وأرواح محبيه من متابعيه من الباحثين والمهتمين والجمهور.
  7.   رواية عبد الباسط السيد نوح ، البلينا ، سوهاج ، مكان الجمع بنى سويف ، جمع مسعود شومان فى 16 مارس 2010 بحضور الراوة عزت نصر الدين ، فاوى القناوى ، زناتى عز الدين ، محمد عزت نصر الدين.
  8. لمزيد من التعرف على المواويل السباعية يمكن قراءة : مسعود شومان، الخطاب الشعرى فى الموال، دراسة تحليلية فى تشكيل النماذج الإنسانية، سلسلة مكتبة الشباب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1994، القاهرة . د. مصطفى رجب، الموال السبعاوى فى قرية مصرية، سلسلة الدراسات الشعبية، ع (107) الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2006.

 

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى