الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

يطلقون على كل قافية فى الموال “زهرة” (1) لينعم كل متلق بحديقة عمادها الحكمة حين تتكثف فى الصوت المتحدى لخبرات الأذن. فالموال بشكل عام يقدم نموذجا للإحكام الجمالى، فمن نص لنص تتسع الحديقة بالزهرات، فقد منحها الموالة ألوانا، ففيها الأحمر الذى يتناول العلل و يكثر فيه ذكر الطبيب بوصفه الحكيم الذى يداوى ما أفسده الدهر، وبعضهم يطلق “الأحمر” على العاطفة المشبوبة، لكن بعضهم يربط  بين اللون والدم، بينما الأخضر فيشير إلى الحب فى رقته، كما يشير أيضا إلى المواويل التى تجمع الزهور والأشجار حين تتعالق بالحب والغرام.

ويتوسع الموالة فى التصنيفات لنجد مواويل تشير للموضوع الرئيسى فى الموال، لذا سنجد مواويل : الدنيا والصاحب والزمن، والمديح الدينى الذى يكون ممهدا لمقدمات القول، ومن المواويل التى تصيد الحكمة فى دعة إلى المواويل المقرظة التى تتطارح أو تتبارى كما نرى فى “الموال اللطش” أو “الرمى بالموال”(2).

 وتتلون المواويل بين مستويات الأداء لنقف أمام مواويل تحتفى بالغناء كنغم وأداء تطريبى حيث تتجلى فيه القدرة على الزخرفة الصوتية وإبراز جمال الصوت، وأخرى تُعلى من الإلقاء المنغم، وهو ما يسمونه بالموال / العد الذى يعدد فيه الموالة صفات النموذج الإنسانى، بل يقوم على “عَدْ ” الشطرات كأنه يضع نقطة بعد كل قول، وحين عَرَكَ الموالة فن الموال، تفننوا فيه، وأضافوا للرباعى غصنا جديدا، فصار لديهم موالا خماسيا متتالى القافية.(ا/ا/ا/ا/ا)

الموال الأعرج

لكن الجماعة الشعبية أبدعت معه موالا خماسيا ” أعرج “، غصنه الرابع بلا قافية، وهو ما يعد سلما لرباط / غطاء الموال، والأعرج هو أكثر الأشكال الخماسية ترديدا فى عرف الجماعة الشعبية وبين أبنائها من الموالة، ويطلق عليه بعضهمالموال الخماسى نسبة إلى عدد أغصانه،

بينما يشير له بعض الموالة بـ “موال خمس زهرات، ويطلقون عليه أيضا الموال الأعرج، لأن قوافيه الثلاث الأول تكون من جناس واحد، والقفل الرابع “حر” من قوافى الثلاثة الأول، بينما القفل الخامس يكون على نفس قافية وجناس الأقفال الثلاثة الأول، ويســـير على المخطط التالى :(ا/ا/ا/ب/ا)

ولا ينشغل الموالة فى هذا النوع بالإتيان بالقوافى المشفرة، لأن بناءه يتوجه فى الأساس للحكمة لا للزخرفة، حيث يبنى من عتبة ثلاثية الشطرات تسلم لبدن قصير يصعد بتوتر الموال إلى النهاية ليصفو حكيما، متسائلا :

حرَّص على مُقْدِمَك ياللى الهوى راميك

واحذر من الخصم ناوى ع الأذى يرميك

اضرب بسيفك فى أعناق العدا وحديك

مثل سمعناه من اللى قبلنا قالوه

إيه تعمل الحُسَّاد إذا كان الإله حاميك

هكذا تُخلى المناسبات الاجتماعية للموال مكانا أثيرا، فتجتمع سلسلة المواويل مؤكدة موضوعا ما أو معلقة على حدث من أحداث الجماعة دون انحياز لشكل موالى على آخر، فالحكمة هى التى تجتذب الموال ليجسد موقفا فى حياة الجماعة.

مسعود شومان مع عدد من المنشدين
مسعود شومان مع عدد من المنشدين
بناء الموال

وقد يدخل الموال فى نص حكاية من الحكايات الشعبية، كما قد يستدعيه الإطار المرن لنص الهلالية كما فى الموال السابق الذى رواه أحمد سيد حواس ابن شاعر الهلالية الكبير سيد حواس(3)، وهو ها يحتل مكانه كجزء من النسيج السيرى، فيوجه السامع فى مقام توجيه البطل حين يواجه المخاطر، وقد يعترك مع مثل أو يشتبك مع نص شعبى آخر ليقيم حوارا مع أقرانه من النصوص الشعبية، وهو ما نلحظه فى رباط الموال الذى يستدعى مثلا شعبيا هو “إيه يعمل الحاسد فى الرازق ” لكن الملاحظ فى الموال الخماسى أن الأقفال الثلاثة الأول (المتحدة فى القافية) تمثل الحركة أو الوحدة الأولى فىبناء الموال، أى “عتبة” الموال التى تمهد للصعود إلى الحركة الثانية التى تسمى “بدن” أو ردف الموال، وهى الحركة التى تبدأ بالبيت الرابع غير المقفى والذى يكون بمثابة بداية جملة يكملها الشطر الأخير، أى غطاء الموال :

 

يامصطفى ياللى نورك نوّر الظلمات(عتبة الموال )

وأرسلك ربنا بالبشرى والرحمات

ياللى الكواكب لنورك ساجده فى السموات(بدن الموال)

بالله يا مصطفى لا تنسى أحبابك (غطاء الموال)

دا انت الشفيع للأمم م الذنب والزلات(4)

 

أى أن حركة البناء تصعد خلال الشطرين الأخيرين وكأنهما بيت واحد، هنا يتوحد بدن الموال بغطائه لتنتهى بانتهائه التجربة، فالشطر غير المقفى فى الموال يمثل منحنى الصعود فى الرؤية والتشكيل واقتناص الحكمة ـ نراها فى الموال الذى رصده العالم الرائد أحمد رشدى صالح فى كتابه الأدب الشعبى(5) ـ التى يتم اصطيادها مع رباط الموال:

يا رب صاحب أمانه نعمله مرسال

للى جحدنا وبعد الدم لم بيسال

سايق عليكو النبى لم تقطعوا السلسال

خلوا جنات الوداد بيناتنا تجرى

والله النبى ع الصحابه كل يوم بيسال

فمن هذا الموال الجنوبى تتكاثر المواويل لتشتبك أغصانها وتحتشد حديقة الموال بألوانه الحمراء والخضراء والبيضاء.

ألوان الموال

فبعض مغنى الموال جعلوا الأحمر للغرام المشبوب وللتقريظ والسخرية، وأحيانا يصفون به الموال “اللطش” أى الذى يجابه الأخر عبر لغة أميل لانتزاع السخرية والضحك من النماذج السلبية، كما جعلوا الأبيض للحب العفيف بلغته الرقيقة، وأحيانا للموال المفتوح، حيث قوافيه لا تحتاج إلى فض اشتباك الجناس فى نهايات أغصانها، أما الأخضر فللمواويل التى تتناول ” الخضرة “والنيل وما يتعلق بالزرع، وعموما فإن اختلافا بين حفظة الموال فيما يتعلق بهذه التصانيف، وقد أصبح هذا النوع من أقل الأنواع رواية الآن، ومما ذكره ميلاد واصف فى كتابه قصة الموال(6):

قاعد على الرمل وحدى فى عز ضهريه

الشمس قدحت دماغى .. يانارى يا عنيه

ومن هوا البحر ما شعرتش بحنيه

تلسعنى نار الجفا،تحرقنى أتلوى

يا حلو عطفك لروحى ضل شمسيه

**

يا حلو خدنى معاك بالرفق عين ب دال

واسأل تجدنى حدا الأمجاد س يني دال 

يا بو فم خاتم دهب والريق شين هـ ــدال 

وحق تربة نبى والهاشم ابن ادريس 

أنا يوم ما اشوفك بيبقى عندى عين ى دال

وهنا يتوقف المتلقى ليجمع حروف القافية منتشيا ومعلقا على الكلمات التى انبنت أثناء الأداء فمن موال خماسى للغرام إلى موال خماسى للعشق ليتصل سلسال المواويل الخماسية مصوبا رؤاه فى اتجاه حتى يذهب بنا المغنى لموضوع آخر (7):

بستان وندمان وياريت الحبيب معنا

دا أنسنا لفظ فى بعده بغير معنى

يابلبل الشوق اشجينا وسمعنا

حتى الدموع للغصون تروى وتشكى لى

شتت فؤادى البعاد الله يجمعنا*

 

افتقاد الشجن

حين ينتهى الموال لن تطرب إلا بالمزيد، حيث مخايلة البستان الذى يتجلى قى صورة إنسان يفتقد وجود الحبيب، فمعناه يصبح عدما بدون وجود العاشق، ويتجرد اللفظ من معناه أيضا، من هنا لابد من مناداة “بلبل الشوق” ليشارك البستان ومعه الحبيب الذى يعانى افتقاد حبيبه الَشِجن، لينتهى بالدعاء لجمع الشمل وإلباس اللفظ لمعناه الذى لن يوجد إلا مع وجود الحبيب، ومنه إلى موال آخر يتواصل معه(8) :

لكل مرسوم أمرنى الحب ونهانى

للحب لبيت بكل خضوع وانا هانى

لكن هنا الشوق أفنى الصبر وانا هانى

دايما يعز الوصال ويزول من يهواه

وكم غدر بى خلى البال ونهانى

لا تظن أيها القارىء الكريم أنها “مواويل عرجاء” أى تسير على قدم واحدة أو أنها قد أصابها خلل يجعلها بحاجة لمن يضبط صوتها ورؤاها، لكنها تنضبط لدرجة تدهشك، بل عليك أن تضبط على إيقاعها صيغة الحكمة حين تتقطر فى الرؤية والبناء الذى يسيجه البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن):

من عشقى فى الزرع جبت عود مرير وناشيته

وجبت له ميه فى كف إيدى ورويته

وصبرت عليه حول لما إن طرح جيته

وجيت ادوقه لقيته مر لم ينداق

تعتب عليه ليه ما هو أصل المر من بيته

هذا البحر الصياد، الوقور، ابن الحكمة ومنجبها على ألسنة أبناء الجماعة الشعبية التى لا تشبعها المصكوكات، لكنها تذوب فى التنوع متنقلة بين ألوان فنونها الموالية من الرباعى إلى الخماسى متوجة هذا الشكل بالموال الأعرج الذى يقود الحكمة بداية من الشطر الرابع لنصيد ما قطرته فى الرباط الذى نستعيد معه الدهشة من جديد فى نوع من المواويل التى تمارس خلالها الجماعة حريتها وانضباطها فى آن واحد.

——-

المراجع والحواشى

1.الزهر والتزهير فى عرف الموالة، وبعض أبناء الجماعة الشعبية يشير إلى مفهوم معادل للجناس فى فنون العربية الفصحى، وحين يقول أبناء الجماعة الشعبية للمغنى الشعبى أو الراوى “أزْهِر” فإن ذلك يعنى طلبا بقول بعض المواويل ذات الجناسات المشتبكة، وذلك لاقتناص الحكمة والاستمتاع بالموال وجرسه الموسيقى بالنسبة للمتلقى، وكذا راحة الشاعر الشعبى أو المنشد “الصييت” بين أجزاء الرواية سواء كانت سيرة أو موال قصصى طويل أو حكاية شعبية وعظية، للمزيد، راجع مقالنا الموال السبعاوى عمدة الموال .

2.الموال اللطش من اصطلاحه ، يشير فى عرف المبدعين الشعبيين إلى المواجهة بالفن بين طرفين يتمثلان فى مغنيين أو قوالين للموال ، ويمثل هذا اللون ، بل الطريقة فى الأداء أسلوبا لإظهار النماذج الإنسانية السيئة كالنذل – البخيل – الخائن – العويل – الدنيئ … إلخ، ويحاول كل قوَّال أن “يرمى” صاحبه بموال قاس ليطرحه فنا أمام الجمهور وليظهر سوءات صاحبه، أو على وجه أكثر دقة ـ فى اللعبة التخيلية التمثيلية ـ إبراز عيوب النماذج الإنسانية التى لا ترضى عنها الجماعة لأنها تشذ عن منظومة قيمها، وتظل المواويل تتعارك لتقوم بمهمة “اللطش” حتى تنتهى المواجهة بالمصالحة أو الصلح الموالى، ويحتضن كل مغنى صاحبه بعد أن يصالحهما الموال.

3.شاعر الهلالية فى صيغتها البحراوية نسبة إلى الوجه البحرى، مواليد محافظة الغربية – مركز زفتى قرية سند بسط 1/9/ 1944، والده الشاعر الكبير الشهير السيد سيد أحمد حواس ، مواليد القاهرة،حى السيدة زينب فى 8 /5 / 1912 ورحل عن عالمنا فى 15/7/1981تاركا إرثا مهما لعل أشهر ما تركه قصة “عزيزة ويونس”.

4.رواية أحمد السيد حواس ، مصدر سابق.

5.راجع ، أحمد رشدى صالح ، الأدب الشعبى، دار الكاتب العربى ، القاهرة، 1956.

6.راجع، ميلاد واصف، قصة الموال، دراسة تاريخية أدبية اجتماعية، تقديم د. حسن ظاظا ، كتب ثقافية، ع (165) المؤسسة المصرية والتوزيع العامة للأنباء والنشر والطباعة، القاهرة، 1961.

7.المرجع السابق .

8.السابق .

اقرأ أيضا:

«دنيا تجاريب تجاريب»: «المربع» الشعري حكمة الفرد.. والجماعة الشعبية

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى