«المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم
هذه حكاية فطيرة اسمها «المنجأونة»، لا تتوقف عند كونها مجرد فطيرة، بل تعد تلخيصا لحكاية مدينة. قطعة من ذاكرة البحر، ومن طقوس شم النسيم التي لا تكتمل في بورسعيد إلا برائحتها وهي تخرج ساخنة من الفرن، كأنها أول بشائر الربيع. ومع انتظارها يقف الناس حول الفرن، تتشابك الأحاديث، وتتصاعد رائحة العجين، فتتحول الفطيرة البسيطة إلى موعد جماعي مع البهجة.
دعوة مفتوحة للمشاركة في الطعام
تجمع المصادر على أن المنجأونة بدأت إيطالية، حملها بائع جوال وزوجته في شوارع بورسعيد، فاستقرت هنا كما ترسو السفن بعد رحلة طويلة. ويقال إن ترجمتها في الإيطالية تعني: “خذ واحدة”، أو “كُل واحدة”، كأن الاسم نفسه دعوة مفتوحة للمشاركة.
لم يكن ذلك غريبا على مدينة استقبلت الإيطاليين منذ افتتاحها عام 1869، حين نزحوا إليها مدفوعين بالمغامرة وبعشق الفندقة والمطاعم. تركوا بصمتهم في تفاصيل الحياة اليومية، كما تركوا أسماء في الذاكرة، مثل سيليفيو سيمونيني، ملك المطاعم والفندقة في بورسعيد، الذي أدار لفترة طويلة كازينو بالاس، وحول البيت الحديدي إلى فندق بعد تعديلات أجراها في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تؤول ملكيته إلى عبد الرحمن باشا لطفي، أشهر باشاوات بورسعيد طوال تاريخها، أو لطفي شبارة كما يحلو لأبناء بورسعيد أن ينادوه.
اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

حضور إيطالي بنكهة وتحبيشة المصريين
كان الإيطاليون ثاني أبناء المتوسط حضورا بعد اليونانيين، لكنهم تفرغوا للمطاعم والفنادق، ومن بينهم ذلك البائع الجوال الذي أهدى المدينة شيئا من روح إيطاليا. روح امتدت عبر البحر، واختلطت بطعم الشوارع، حتى وصلت إلى يد محمد عبد اللطيف، الذي عرفه الجميع باسم “عم صدام.”
منذ عام 1965 احترف عم صدام صناعة المنجأونة، وذهب بها إلى العراق، حيث وقعوا في غرامها، لكنهم أضافوا إليها العسل، فصارت أكثر حلاوة. وهناك أيضا اكتسب لقبه الذي لازمه، إذ قضى سنوات طويلة أثناء حكم الرئيس صدام حسين، فعاد إلى بورسعيد حاملا اسما جديدا، لكنه لم يتخل عن روحه القديمة.
ارتبطت حياة عم صدام بالمنجأونة كما يرتبط البحر بالميناء. لعقود طويلة صنعها في فرن عرفة، المجاور لمحل خضير الخطاط. وكان الشارع هناك يتحول منذ السبعينيات إلى قبلة لأبناء بورسعيد في شم النسيم، حيث يلتقي الخط العربي بالإلمبي، والاحتفال بالذاكرة البورسعيدية.
عائلة خضير، التي برعت في الخط العربي، من مسعد خضير إلى مصطفى خضير ثم محسن خضير، كانت تصنع الإلمبي الذي صار حرقه طقسا بورسعيديا منذ عام 1921، حين خرج أبناء المدينة لوداع سعد زغلول بعد نفيه، واستشهد سبعة في المظاهرات. ومن يومها صار حرق الإلمبي رمزا للاحتجاج، وتزامن مع شم النسيم حتى امتزج الاثنان في طقس واحد.

ليالي بورسعيد الكرنفالية
في تلك الليالي الكرنفالية، كان الناس يحرقون الإلمبي حتى ساعات الصباح الأولى، ثم يبحثون عن طعم يعيدهم إلى الحياة. وهنا كانت المنجأونة: عجين رقيق ووجه ذهبي، تؤكل واقفا أو في الطريق، كأنها طعام المدينة المتحركة. ومع الوقت صارت علامة اجتماعية؛ يعرف الناس بعضهم عند الفرن، ويتبادلون التحية، وتولد صداقات عابرة حول فطيرة ساخنة.
ومن هذا الطقس استمد عم صدام شهرته، إذ صار شراء المنجأونة من فرن عرفة جزءا من الاحتفال نفسه. لم تعد مجرد فطيرة، بل خاتمة ليلة طويلة وبداية صباح شم النسيم. ثم انفصل عم صدام مؤخرا بفرن يحمل اسمه، فازدادت الحكاية وضوحا. صارت المنجأونة تقترن باسمه، حتى كأن بورسعيد كلها تعرفها به، أو تعرفه بها.
هكذا بقيت المنجأونة أكثر من فطيرة. بدأت ايطالية، وعبرت البحر، واستقرت في يد عم صدام، ثم صارت طقسا من طقوس شم النسيم. ذاكرة قابلة للأكل، وحكاية مدينة لا تزال تبتسم كل ربيع.
اقرأ أيضا: الكنيسة الأرثوذكسية بدمياط.. سجل حي لتاريخ الجاليات الأجنبية وتحولات المدينة



