«المقام» لأحمد صابر: أولياء ومجاذيب في عالم سريالي

«المقام» معرض جديد للفنان التشكيلي أحمد صابر، المدرس المساعد بكلية الفنون الجميلة جامعة الأقصر. إذ يوثق فيه مظاهر الاحتفال بمولد أبي الحجاج الأقصري التي اندثر بعض منها باستخدام طابعه السريالي المعروف. ويستمر المعرض الذي يضم نحو 24 لوحة فنية بالأبيض والأسود في تداخل مع اللون الذهبي حتى 8 ديسمبر المقبل.. «باب مصر» يتعرف على تفاصيل المعرض.

الهودج أو المحمل

«المقام» هو المعرض الشخصي الثاني لصابر، الذي شارك في العديد من المعارض الجماعية، داخل مصر وخارجها. وحمل معرضه الأول عنوان “تياترو”، وصور خلاله العديد من المظاهر التي انطلق في تصويرها محملا بمقولة “وما الحياة إلا مسرح كبير”.

ويقول الفنان أحمد صابر عن فكرة معرضه: “يدور المعرض حول المقام أو الضريح، والحالة الشعبية التي توجد داخل المولد واحتفالاته، ولم تشغلني تيمة المجاذيب النمطية داخل المولد. لكن أكثر ما كان يشغلني “الهودج” أو المحمل الذي يسير في المولد، وما يحمله من دلالات وزينات تميزه، وارتباط الناس داخل المولد به. وهو ما جعل المحمل يستحوذ على الكثير من لوحاتي”.

من لوحات معرض المقام
من لوحات معرض المقام

وتابع: توجد رمزية كبيرة للمحمل لدى زائري المولد. فعند زيارتي لمولد أبي الحجاج، لاحظت أن هناك أكثر من محمل بجانب محمل أو هودج أبوالحجاج. حيث يسير في المولد أكثر من هودج، لبعض المشايخ والأولياء الموجودين بالمكان، ولكل محمل اسم شيخ أو ولى، وكأنهم يشاركون في الاحتفالية.

وبالرغم من أن المحمل عبارة عن صندوق من الخشب مزين بالقماش. إلا أن دلالته كبيرة في وجدان زائري المولد. فهم يتمسحون به، ويتقربون منه حصولا على بركته في حالة تجلي عظيمة. وقد شدتني رمزيته وإيمان الناس به. فقد كانت المحامل التي تحملها الجمال تسير في موكب مهيب. وكأنها مسكونة بالفعل بأجساد المشايخ والأولياء، وليست مجرد صناديق خشبية فارغة.

مظاهر اندثرت

«شدتني كثيرًا حالة الروحانية الشديدة التي توجد داخل المولد، لذا اخترت المقام كرمز لها، وبالتحديد مقام أبوالحجاج، ذلك المقام الفريد من نوعه، والذي يوجد أعلى معبد فرعوني، حيث يصلى الناس داخل المسجد، وأمامهم الأعمدة الفرعونية في القبلة».

هكذا يشير صابر إلى أنه عند زيارته للمقام منذ عدة سنوات، كان يرى الكثير من المظاهر والطقوس التي بدأ بعضها يختفي، لذا سارع في توثيقها كما كان يراها في السابق. ويذكر أن شكل موكب المحمل كانت تتقدمه الخيول. ثم يتبعها أكابر عائلات الأقصر من الرجال الذين ينتمون بالنسب لأبي الحجاج وأصحاب طريقته، وهم يرتدون الملابس البيضاء، ثم موكب المراكب.

موكب المراكب

يضيف الفنان، أكثر ما يميز مولد أبوالحجاج، هو موكب المراكب. وهو طقس يعود إلى احتفال الأوبت الفرعوني، الذي احتفلنا به مؤخرًا في الأقصر، إذ كانت المراكب قديمًا تسير في النيل وهي ترمز للآلهة. أما في مولد أبوالحجاج، فإن المراكب تحمل على عربات كارو يجرها الناس بواسطة الحبال، وعليها أطفال صغار رمزًا  للمستقبل.

ويتبع موكب المراكب، موكب الجمال التي تحمل في المقدمة الهودج الخاص بأبوالحجاج، والهوادج الأخرى التي تزور المولد وتشارك به. ثم تأتي العربات التي تحمل أغاني المنشدين عبر سماعات كبيرة، وأخيرًا العربات التي تحمل أنواع الفاكهة المختلفة، والتي يتم توزيعها على زوار المولد، الذين يصطفون واقفين على جانبي الطريق شاهدون الموكب.

يشير صابر، للأسف قديما كانت الطقوس تراثية للغاية ومتوارثة منذ القدم، حتى الملابس كانت عبارة عن الجلباب الأبيض للرجال. أما الآن ومع دخول المدنية والحداثة، باتت الطقوس القديمة تختفي رويدًا رويدًا، وأصبح الشباب يرتدون ملابسهم العادية، ويحملون الأعلام التي ليس لها علاقة بالمولد، مثل أعلام دول غربية على سبيل المثال، لذلك اهتممت بتسجيل الطقوس القديمة كما شاهدتها.

الصوفية ومراكب الروح

حاول صابر من خلال معرضه تسجيل الحالة الصوفية التي تسيطر على المكان، من خلال لوحاته ذات الطابع السريالي وأسلوبه الذي يميزه، وليس مظاهر المولد فقط.

يقول: “لم أتناول في لوحاتي تسجيل الناس أثناء سيرهم في المولد فقط. بل رسمت حالة السمو والصوفية. فقد رسمت في بعض اللوحات، شكل الموكب ومن أعلى رسمت الفاكهة التي ترمز إلى الجنة، في إشارة إلى أن من يسير في هذا الموكب، ومن يتقرب لهذا الولي يريد التقرب إلى الله وأن يصل إلى فردوسه الأعلى بعشم كبير”.

تنوع اللوحات

وتابع: حاولت أيضًا التنوع في نقل حالة الصوفية. ليس من خلال اللوحات فقط، فقد قمت بعمل مجسم داخل المعرض عبارة عن مجموعة من المراكب، رسمت عليها الفاكهة التي توجد في الجنة كما ذكرت في القرآن الكريم، وزينت بالرسوم الشعبية، وتخرج منها بعد الأيادي والأرجل. وسميت هذا العمل “مراكب الروح”. حيث أرى أن من يصلون لحالة الصوفية تلك، يجب أن يعبروا إلى العالم الثاني، وهو عالم الروح ويتخلون عما هو دنيوي.

يردف صابر: تقوم فكرة المعرض في الأساس على ترجمة الحالة الصوفية للناس البسيطة داخل المولد. فقد رسمت على سبيل المثال صورة “السقا”، وهو يدور على الناس داخل المولد حاملًا قربته، ليوزع الماء على الناس دون مقابل، وهو آخر سقا في مصر. والذي يدور على كافة موالد مصر ليسقى الناس، وهو فرحان يرتدي ملابس خضراء، وقام بتزيين قربته بالنقوش والزخارف الإسلامية، والابتسامة التي تعلو وجهه في حالة وجد صوفي نادرة. جذبتني لترجمتها على لوحة ضمن معرضي.

العروسة والمحمل

مزج الفنان في لوحاته بين الهودج الذي كان يحمل العروسة قديما أثناء العرس إلى منزل زوجها، وهودج الأولياء. في إشارة منه للترابط فيما بينهما. فقد تناول في لوحاته مظاهر الفرح أو العرس، وتجلس العروسة وعلى ذراعها أو كتفها وشم للمحمل.

ويقول: “بالفعل أجد أن الهودج أو المحمل الذي يحمل رمزية المشايخ. يأتي في الأصل من هودج العروسة، ولم يأت من فراغ. وقد مزجت ما بين العرس واحتفالاته والهودج الذي يحمل الشيخ. وشدتني أيضًا الحالة التي يذهب بها الشخص للمولد. حيث يغتسل، ويحلق، ويلبس ثيابًا نظيفه، ويحمل الفاكهة. وهو يذهب إلى المولد أو المقام، ليقدم ما بيده تقربًا وتبركًا”.

لا يوجد مقام أو ضريح أو مولد في مصر يخلو من النساء، وخاصة في صعيد مصر. لذا صور صابر وسجل العديد من الحالات النسائية بشكل أكثر حداثة. يقول: “حاولت أن أخرج من جو المولد التقليدي للمولد، وبشكل أكثر حداثة من خلال النساء، فأنا أرى أن أكثر من يؤمنون بالأولياء وزيارة الأضرحة ومقامات المشايخ من النساء، فهم يعتقدون في التبرك بهم”.

عناصر غنية

يرى صابر أن مظاهر الاحتفال بالأولياء، من خلال الموالد تحمل الكثير من العناصر الغنية – حسبما يرى-. فقد تناولها من قبل فنانين أمثال: عبدالهادي الجزار، حامد ندا وغيرهم من فنانيين. لكن لم يعمل عليه أحد من الفنانين في الفترة الأخيرة.

ويقول: فكرت في المعرض وتناولت المقام، وما تتم ممارسته من طقوس شعبية بجواره. حيث سيطرت على تفكيري لسنوات. إذ كنت أرى أنها تجربة كبيرة تستحق الدراسة والتركيز. كي استطيع توصيل حالته إلى الناس بشكل سليم. وبعد أن اختمرت الفكرة وكل تفاصيلها في رأسي، بدأت في تنفيذ ورسم اللوحات. واستغرق العمل في اللوحات، مدة عامين بشكل يومي متواصل.

وتابع: استعنت في رسم اللوحات بذاكرتي البصرية من خلال مشاهدتي للمولد منذ طفولتي وإلى الآن. بداية من سوهاج مكان مولدي، وبعد أن انتقلت إلى الأقصر أيضًا. كما ساعدتني بعض الصور الفوتوغرافية التي التقطها قديما.

الأبيض والأسود

يضم المعرض 24 لوحة، استخدم من خلالها صابر رسم الأكريليك، والأقلام الملونة الخشبية وورق الذهب، ويستحوذ على أغلب اللوحات اللونين الأبيض والأسود، في تداخل مع اللون الذهبي.

يقول صابر عن استخدامه الأبيض والأسود، إنهم اللونين اللذان يصفان الحالة التي يريد إيصالها للمتفرج. فهو يرى أنه بالرغم من أن استخدام الأبيض والأسود والرمادي صعب. ولا يفضله الكثير من الفنانين، إلا أنه يراه أفضل في تسجيل تلك الحالة، حيث يعطي ثقل للوحات الفنية وصبغة تراثية أفضل.

واختتم حديثه: استخدمت الموضوع بشكل تراثي حتى في الألوان. وأرى أن اللونين يعبران أكثر عن تلك الحالة. إلا أني مزجت معه العناصر بشكل أكثر حداثة. واستخدمت ألوان الورق العادية، كخلفية للرسومات. كما أني فضلت الأبيض والأسود كنوع من التحدي، وتغير النمط السائد في استخدام الألوان التقليدي. إضافة إلى حالة الحنين إلى هذين اللونين حيث استخدمتهما في بداية مشواري الفني.

اقرأ أيضا

الفنان التشكيلي «علاء عوض» يفوز بجائزة تصميم «ملحمة مصر الرياضية»

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى