المخرج أيمن مكرم: «السوشيال ميديا» سوق سوداء تغتال الفن

من الفلسفة إلى الفن، سلك المخرج المصري أيمن مكرم طريقه الخاص خلف الكاميرا، ليحقق نجاحات عديدة على مدار السنوات الماضية كان آخرها حصول فيلمه الأحدث “يوم وليلة” على خمسة جوائز ضمن فعاليات الدورة الـ47 و 48 لمهرجان جمعية الفيلم السنوي. بطريقة أو أخرى تأثر بكل المخرجين بداية من كمال الشيخ وهنري بركات وصلاح أبو سيف. حتى انفرد بمسار إبداعي ورؤية خاصة به.

يوم وليلة

كشف أيمن مكرم، في حوار خاص مع «باب مصر» كواليس تكريمه الأخير في مهرجان “جمعية الفيلم” الذي يتميز بأنه من المهرجانات القديمة في مصر وله نظام مختلف. إذ يختار المهرجان الأعمال وليس بمشاركة أصحابها. ويقول: ” تم إلغاء الدورة الماضية بسبب جائحة كورونا. لذا تكريم هذا العام كان لدورتين، والأعمال الفائزة يكون من خلال تصويت بين النقاد وأعضاء الجمعية وبعض السينمائيين على أفضل أفلام عُرضت على مدار العام”.

عُرض فيلم “يوم وليلة” في عام 2020 وتم اختياره ضمن أفضل 5 أفلام في العام من بين حوالي 30 فيلما في العام نفسه. ناقش الفيلم قضية اجتماعية على خلاف الغالب للإنتاج التقليدي الكوميدي أو الأكشن الذي تتم معاملته باعتباره تجارة رابحة.

ويقول مكرم لـ«باب مصر»: “عندما ينتمى الفيلم للدراما الاجتماعية يكون من الصعب تمريره لشركات الإنتاج لضعف الشق التجاري. وعادة لا يغامر منتج بمال في أفلام تناقش قضايا  اجتماعية”.

الهدف الأساسي من “يوم وليلة” هو عرضه للجمهور، والإضافة للفيلم تتمثل في تقديره من خلال تكريمه في المهرجانات. وبدوره يدعم الفيلم والخط الذي اختاره المبدعين أو صناع الفيلم لتكريمه والترحيب به في المهرجانات. كما أوضح أن النجاح العالمي الذي شهده “يوم وليلة” يرجع إلى اختياره من قبل المهرجانات، ومنها العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان “مالمو” بالسويد، والمهرجان الدولي للسينما العربية، ومهرجان الدار البيضاء، والمهرجان القومي، ومهرجان “أونتاريو” في كندا، وأخيرا مهرجان جمعية الفيلم.

تكريم المخرج أيمن مكرم في مهرجان جمعية الفيلم السنوي
تكريم المخرج أيمن مكرم في مهرجان جمعية الفيلم السنوي  
صناعة وتجارة وفن

تحدث مكرم عن الفيلم بشكل عام بأنه «صناعة وتجارة وفن» بتغيير ترتيب الثلاثي بحسب كل فيلم، وعلى حد وصفه، فإن هذا الاتفاق العرفي يجعل أي فيلم مخصص للربح طالما أنه روائي طويل ويُعرض في دور السينما. ويتابع: “تاريخ السينما المصرية غني بالعديد من الأفلام الدرامية الاجتماعية التي تناقش قضايا وليست بالضرورة بطريقة مباشرة، وإنما تناقش قضايا أو ظواهر أو مشاعر معينة”.

من بين القضايا في فيلم “يوم وليلة”، تجسيد “متلازمة داون” كشخصية محورية من أزمة أحد أبطال العمل، والذي كان له تأثير قوي في نقل الواقع بمعاناة أبطاله للتعامل مع ظاهرة موجودة مع تقديمها في الإطار العام.

ويوضح: “تمت مناقشة متلازمة داون من فكرة وجودها في الأماكن العامة. وكيفية تعامل المحيطين معها خاصة لاحتياج طفل متلازمة داون إلى معاملة خاصة. ولكن الحاضنة الشعبية للمتلازمة في الواقع مُرحبة ومُطمئنة إلى حد ما”.

نقل الواقع بما فيه حياة “أمين شرطة” في منطقة شعبية. كان سببا في مواجهة الفيلم عدد من الأزمات منذ تمرير السيناريو إلى الرقابة، بدون أسباب واضحة. وبعد مناقشات طويلة مع الرقيب اتضح أن الاعتراض من قبل جهات أخري ما  أدى إلى توقف التصوير لفترة لحين الوصول إلى حل وسط.

رقابة غير ثقافية

“هل اعتراض الرقابة على عمل بشكل عام دليل على قوته؟”. أجاب المخرج المصري: “الفكرة ليست في قوة أو ضعف العمل. ولكن الفكرة في أن الرقابة تفرض محاذير على العمل. وفي بعض الأحيان تتغاضى عن أشياء لها علاقة بالذوق العام أو الابتذال كان من المفترض أن يتم الالتفات إليها، برغم أنني ضد ممارسة الرقابة على النص”.

وتابع: أزمات الرقابة على الأفلام ليست جديدة على السينما المصرية. وقديما طرح المخرج القدير داوود عبدالسيد فكرة أن الرقابة تكون على الشريط السينمائي فقط. لأن الرقابة تكون على النص والفيلم، مع وجود التصنيف العمري في دور السينما. وفي حالة مناقشة القضايا الاجتماعية تتعامل الرقابة مع العمل “بحساسية مفرطة” مع تدخل رقابة من جهات أخرى غير ثقافية.

يصف مكرم الوضع بـ”الخلل المؤسسي” خاصة أن جهاز الرقابة التي تَرأسه في يوم من الأيام نجيب محفوظ، شادي عبدالسلام ومدكور ثابت وغيرهم من صانعي تاريخ السينما المصرية. إذ يتطلب دور الرقابة الحالي القدرة على التعامل مع النص فنيا، تجاوزا برغم أن الزمن والتطور الحالي يُنبئ بأن فكرة الرقابة ستصبح “متحفية” قريبا خاصة في ظل وجود منصات جديدة وعالمية تعرض كل الفنون.

انسحاب أصحاب المواهب الحقيقية

افتقرت الساحة الفنية للعديد من أصحاب المواهب الحقيقية. كان آخرها انسحاب المخرج داوود عبدالسيد. وهذا يرجع إلى العديد من المشاكل تتمثل في السوق أولا، والوضع العام. إذ اتجه الكثير للعمل وفقا لمقاييس لها علاقة بالتوزيع الخارجي، بسبب تزايد أسعار دور العرض. وهذا ما عبر عنه “عبدالسيد” بنفسه، وقال: “السينما أصبحت في مقدرة أكبر من الطبقة المتوسطة”.

يستكمل مكرم: “بالتالي فإن الموزع الخارجي لا يهتم بنوعية الأفلام قدر اهتمامه بأنها تلبي ذوق المتفرج في الخليج. على سبيل المثال فيلم “الكيت كات” و”سواق الأتوبيس” و”موطن ومخبر وحرامي” قد تنال إعجاب مصري وليس مواطن خليجي. وهذه النوعية من الأفلام التي يصنعها داوود وجيل الثمانينات بحاجة إلى شروط لاستمرارها. دعم من الدولة أو انتعاش السوق الداخلي”.

ويرى أن توفير مناخ عام لحرية التعبير الذي يحتاجه المبدع الحقيقي والدعم الموجه بشكل صحيح لصناع السينما. من أحد العوامل الهامة لنقل الحالة الفنية من مرحلة إلى أخرى.

بالإضافة إلى أن أزمة استبعاد المخرجين المتميزين تكون أحيانا لحساب صناعة النجم. ويقول: “لا يمتلك كل النجوم في مصر رؤية تنفيذ رأي المخرج ذو الرؤية المتماسكة والمتكاملة. وفي النهاية يتم تهميش المخرجين من هذه الزاوية”. وعن دور الدولة يرى أن أي دولة تشعر بأهمية هذا النوع من الثقافة والفن تدعمه للوجود في أماكن أكبر من النظرة الضيقة للسوق المحلي، عبر الدعم الفني، مثل صندوق السينما في فرنسا.

سوق «السوشيال ميديا» السوداء!

لم يقتصر العرض في دور السينما فقط. حيث تمارس الرقابة دورها بمنتهى القوة. إذ يشهد التطور الحالي في العرض عبر المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي عدم الخضوع للسيطرة. من الممكن فرض كل القيود داخل مصر، “البعض لا يستطيع الخروج من الحالة البيوقراطية، نحتاج رقابة مرنة” كما قال.

وبالحديث عن منصات العرض الإلكترونية، تطرق إلى مواقع التواصل الاجتماعي ودورها المستحدث كبُعد رابع لتقييم الأعمال الفنية. إذ يدور العمل الفني عبر ثلاث مراحل هي “الفيلم، النقد، الجمهور”، لينضم إليها تأثير “السوشيال ميديا” التي دائما ما تكون مدفوعة.

ويقول: “التريند ومواقع التواصل تحولت إلى محاكم تفتيش وساحة لمطالب بالمنع والسجن وطلبات إحاطة. برغم أن ذلك ليس له علاقة بالعملية الفنية نفسها لأنه هجوم غير احترافي، ويمكن وصفه بـ”ركوب الموجة”.

يصف مكرم الترويج للأفلام عبر المواقع بـ”السوق السوداء” عبر شراء متابعين تقدر أعدادهم بالملايين إما لدعم أو الهجوم على عمل ما. وبالتالي أصبحت المنافسة غير شريفة. ويقول: “لا نستطيع منعه ولكن يجب توعية الجمهور بمعرفة مستويات تلقي الفن، فالجمهور هو صاحب المسألة الأساسية”.

العمل الجيد يحتاج إلى نص جيد، ولكن يعاني الكُتاب حاليا بزيادة المحاذير والتي حَوّلت الكتابات لنصوص متشابهة. ويقول مكرم: “الكُتاب موجودين ولكن بسبب كثرة الكتابات السهلة والتي طغت بدأ الجميع يفكر في الكتابة لدرجة ثانية. ولكن لا يوجد أزمة كتابة الأزمة الحقيقية هي غياب حرية التفكير”. وعادة لم يتم الاستعانة بالأدب في السينما منذ فترة طويلة ولكن شهدت السينما مؤخرا الاستعانة بالروايات خاصة الأحدث، والتي تعطي للكاتب فرصة وأفق أكثر اتساعا.

الدين والسينما

رؤيته الواسعة تحققت بعد مرور 14 عاما من محاربتها. إذ يُنسب للمخرج أيمن مكرم أنه صاحب الخطوة الإخراجية الجريئة الأولى في تاريخ المملكة العربية السعودية. لأنه أخرج أول فيلم سعودي تجاري وهو فيلم “مناحي” في عام 2008.

لم يستمر في العرض أكثر من 9 أيام فقط في مركز ثقافي في الطائف، الذي شهد حينها أول حضور عام للسيدات والرجال معا. ويقول لـ«باب مصر»:”التجربة كانت دراسة لأن الوليد بن طلال حينها أراد تدشين 500 دار عرض في المملكة لرواج السينما المصرية والسعودية، ولكن توقف بعد إصدار فتوى وفي 2021 الوضع اختلف تماما”.

“الضوابط الدينية لا تمنع عمل فني جيد”.. كان هذا رأي مكرم في تجربة السعودية للصناعة السينمائية في ظل الضوابط الدينية. بدليل نجاح السينما الإيرانية برغم كل ضوابطها. ويقول: “موجودة وبقوة على الساحة العالمية رغم تحريم السينما في إيران”.

ويرى أن السعودية تتمتع بفرصة لصنع تاريخ فني، عبر تناول العديد من الموضوعات الخاصة بالهوية تكون ذات بُعد ثقافي خاص بالدولة دون الاعتماد على قصص من ثقافات أخرى. وبالمقارنة فإن العديد من الموضوعات تم تناولها أكثر من مرة في السينما المصرية.

ويفضل أن يُبنى نجاح السعودية الفني بيد أبناءه. وبرغم تحقيق السينما المصرية نجاحا كبيرا بوجود ثقافات أخرى مثل بدر لاما، وتوجو مزراحي. إلا أن السينما المصرية قامت بشكل أساسي على السينمائيين المصريين. وفي البدايات دخلت السينما مصر بعد فرنسا بعام واحد فقط.

واختتم حديثه: “كان في مصر حينها أدب وروايات وحركة مسرح كبيرة. وقامت السينما على أكتاف المصريين الذين سافروا للتعلم مثل أحمد بدرخان ومحمد كريم وبيومي”.

اقرأ أيضا

تجارب من دول أخرى: كيف تحافظ الحكومات على تراث المدن؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى