ادب وفن

الفنان إبراهيم صلاح: فن من حديد الخردة

من حديد الخردة يصنع إبراهيم صلاح إبراهيم، 28 عاما، ابن قرية نواي التابعة لمركز ملوي بالمنيا، منحوتات ومجسمات عملاقة لرموز فرعونية مختلفة. إذ يجوب الورش بحثا عن قطع الخردة التي يريدها لتنفيذ أعماله.

لم يدرس صلاح الفن أكاديميا، بل سعى لتعليم نفسه بنفسه عبر الإنترنت، إلا أن ذاع صيته مؤخرا في صناعة التماثيل من الخردة..«باب مصر» يتعرف على رحلته.

الفنان إبراهيم صلاح

يقول إبراهيم صلاح إبراهيم لـ«باب مصر»: “أحب الرسم منذ صغري، فقد كنت أشكل من الطين منحوتات وأنا صغير أثناء لعبي بالقرية، لكن التحول الحقيقي كان بعد زيارتي لمنطقة تونة الجبل الأثرية بمحافظة المنيا عندما شاهدت الرسومات على جدران المعابد، شعرت أني انتمي لتلك الحضارة وأن بداخلي شئ كبير منها، وبمجرد وصولي للمنزل وفي محاولة لتقليد أجدادي الفراعنة، بدأت في عمل جدارية على حائط المنزل من الجبس والطين، كانت عبارة عن منظر طبيعي أشجار ونخيل”.

وتابع: التحقت بالمدرسة الثانوية الصناعية، وأنهيت دراستي والتحقت بالخدمة العسكرية، التي كانت بمثابة محطة أخرى في مشواري الفني، لم أرد أن تمر فترة الجيش دون عملي بالفن الذي أعشقه، لذا عرضت على القيادات في المعسكر تنفيذ بعض الجداريات على السور الخاص بالمعسكر، ولاقى اقتراحي قبول القيادات هناك، ومن ثم زودوني ببعض الرسومات الخاصة بالحروب المختلفة، وقمت باستخدام خامة الجبس في تشكيل الجداريات التي لا تزال إلى الآن تزين الأسوار هناك، ولم اكتف بذلك فقد قمت بتزيين قاعة أطلقوا عليها اسم “قاعة الحروب” وهي عبارة عن الحروب التي خاضها الجيش المصري، وقمت بتنفيذ جميع رسومات القاعة وتزيين جدرانها وهو ما أشبع موهبتي وزادني خبرة كبيرة، وبعدها عملت في الكثير من المجالات ومنها النقاشة ومع بعض مكاتب الديكور في عمل أعمال الجبس والنحت وصناعة التماثيل من الحجر وغيرها.

تعليم ذاتي

ويضيف إبراهيم، قدمت للدراسة بقسم الدراسات الحرة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ولكن لم استطع الدراسة سوى ثلاثة شهور فقط هي مدة الكورس الأول لظروفي المادية، فقد كانت الكورسات مكلفة بالنسبة لي، لذا بدأت في البحث عن وسيلة أخرى أتعلم من خلالها النسب والتشريح وخلافه ولم يكن أمامي وسيلة أفضل تتناسب مع وضعي المالي سوى الإنترنت، بعد انتقال أسرتي من محافظة المنيا إلى القاهرة.

ويقول: عالم الإنترنت عالم كبير كان له الفضل في تعليمي، وكانت البداية عندما شاهدت صور لإعادة التدوير من خلال استخدام مواد من البيئة لتنفيذ أشياء وتحف فنية، في البداية بدأت في استخدام مواسير المياه في عمل وحدات إضاءة مثل الأباجورة ولكن بشكل مبتكر، وبالفعل قمت بعمل بعض النماذج وعرضتها على مكاتب الديكور التي كنت أعمل بها لتسويقها، والتي تحمس لها الكثير منهم ثم أسست صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وبدأت في عرض منتجاتي ولاقت استحسان وإعجاب الكثير وبدأت في بيع العديد منها.

الحديد الخردة

يصمم صلاح من الخردة مجسمات بأشكال كبيرة الحجم قد يصل ارتفاعها إلى 6 أمتار وتزن نصف طن حديد، ويقول: من خلال الإنترنت أيضًا تعرفت على فن النحت باستخدام حديد الخردة، وهو ما جذبني وبدأت في التعرف عليه بشكل أكبر، وخاصة أني استخدمت الكثير من الخامات في النحت مثل الجبس والأحجار والأسمنت والجرانيت والرخام والطين، لكن لم أتخيل عمل منحوتات من الحديد، وعرفت أنه فن عالمي وهناك فنانين مصريين يعملون فيه ومنهم الراحل الدكتور الفنان الكبير صلاح عبدالكريم، فذهبت إلى متحف الفن الحديث بدار الأوبرا لمشاهدة أعماله من الخردة الحديد، ومن هنا بدأت الفكرة تدور في رأسي.

ويكمل صلاح: بدأت رحلة البحث عن الخردة، وبالطبع علمت أن هناك أماكن لتجميع المخلفات الصلبة، وهناك يقسمون المخلفات إلى خردة ورش الميكانيا، وخردة الورش، لكن أكثر ما شدني هو ركن خردة الميكانيا الذي يحتوى على جنازير وتروس ودوائر وغيرها، في البداية نفذت بعض الأشكال الصغيرة، حيث لم يكن لدي المكان المناسب لتصميم منحوتات من أحجام وأشكال كبيرة، لكن بعد فترة تعرفت على صديق اقتنع كثيرًا بما أعمله وعرض علي توفير مكان كي أنفذ ما أريد من أشكال ومن هنا كانت البداية.

تماثيل فرعونية عملاقة 

لم ينس صلاح رحلته المدرسية وانبهاره بالحضارة الفرعونية حضارة أجداده، وعندما أتيحت له الفرصة لعمل أولى مجسماته من الخردة كبيرة الحجم لم يتردد في أن يكون أول أعماله أحد رموز تلك الحضارة وهو تمثال “القط الفرعوني” والذي يقول عنه: عندما توفر لدي المكان كان أول ما قررت تنفيذه بالحجم الكبير أحد رموز الحضارة المصرية القديمة التي تلفت الأنظار من كل دول العالم، والشهيرة بتماثيلها ومنحوتاتها الضخمة، في محاولة أن أكون امتداد لها لكن بخامات مختلفة، ووقع اختياري على القط المصري الفرعوني، الذي يمثل رمز المرح والسعادة عند المصريين، ومن خلال بحثي عنه لم أجد له تماثيل بالحجم الكبير، وكافة تماثيل القط التي عثر عليها بالمقابر ذات حجم صغير لذا قررت أن أنفذها.

ويوضح خطوات العمل في أي مجسم، فيقول: تبدأ خطوات العمل بالبحث عن معلومات حول أي شكل فرعوني، ومشاهدة الصور الخاص به، ثم أقوم برسمه على الورق، وتحديد أبعاده، وعمل تمثال صغير له من الطين لمعرفة النسب المختلفة، ثم بعد ذلك أقوم بجولة على الورش والأسواق لتجميع الخردة من مناطق مختلفة التي تتناسب والشكل الذي أريد تنفيذه، بعد ذلك أقوم بعمل وبناء هيكل من أسياخ الحديد يشبه الشكل المراد تنفيذه للبناء ووضع قطع الخردة عليه، ومن خلال مكواة اللحام وشريط اللحام أقوم بتشبيك القطع بعضها ببعض.

ويقول: عندما اخترت أن يكون أول عمل لي بالحجم الكبير، قررت أن يكون ارتفاعه 6 أمتار، ولوجود منحنيات كثيرة استخدمت الدوائر والتروس، وبشكل يومي كنت أبحث في داخل أماكن تجميع الخردة عن تلك الأشكال في مناطق الطالبية والمنيب والمريوطية والسبتية والوكالة وغيرها، وبالرغم من أنها رحلة شاقة، إلا أن السعادة تغمرني عند العثور على ما أريد من أشكال وسط أكوام الخردة، ووصل وزن الخردة التي قمت بتجميعها لتنفيذ القط نصف طن، وانتهيت منه خلال شهر وهو زمن قياسي حيث كنت أعمل ليلًا ونهارًا، وكانت الخطوة الأصعب هي تسويقه وتعريف الناس به، وقمت بوضع صوره على السوشيال ميديا، ولم أتخيل أن يكون رد الفعل إيجابيا لهذه الدرجة، بالرغم من أنه كان في بداية عام 2020 ووجود جائحة كورونا، إلا أن الكثير تواصل معي يريد رؤية التمثال وكان المكان يستقبل زائرين بشكل يومي وبعض السائحين الأجانب لمشاهدة القط والتصوير معه، لدرجة أن المكان الذي كانت توجد فيه الورشة بالمريوطية عرف باسم “القطة”.

وتابع: كان يتساءل الكثير وأنا أجمع الخردة في البداية ماذا سأعمل بها، فكنت أشرح لهم أني سأستخدمها في عمل أشكال وتماثيل فنية كبيرة الحجم، اعترض الكثير منهم وحاول البعض إحباطي وأن ما أقوم به ما هو إلا تضييع وقت، لكنى تخطيت هذه الطاقة السلبية ولم التفت لهم لإيماني بقدراتي وأكملت، وأتذكر جيدا بعد أن انتهيت من عملي كيف أن هؤلاء الأشخاص الذين حاولوا إحباطي في البداية هم من يتصورن الآن بجواره.

حلم وهدف

بعد رد الفعل الإيجابي الذي حصده صلاح من وراء تصميم تمثال القط الفرعوني، بدأ في تصميم بعض القطع الفرعونية والتماثيل الأخرى صغيرة الحجم لتسويقها، مثل تماثيل لحورس وقناع توت عنخ آمون، ويقول: بالرغم من أن التعامل مع خامة الحديد صعب للغاية في عملية تطويعه وتشكيله والبحث على القطع المناسبة للتشكيل، إلا أنى سعدت كثيرا خاصة أن هناك العديد يريدون اقتناء تلك القطع وأنهم تقبلوا فكرة أن يكون في منازلهم قطعة فنية مصنوعة من الخردة، فهذا تغيير في الوعي من وجهة نظري، وبدأت في إدخال بعض الأدوات المنزلية في تماثيلي مثل الشوك والملاعق وغيرها وقمت بتنفيذ جدارية بارزة لوجه الملكة كيلوباترا من الجنازير والمعالق والشوك والتروس، وأسعدني جدا نظرة الأطفال ورد فعلهم لتلك الأشكال.

اشتهر صلاح بأعماله وذاع صيته في المنطقة، وهو ما جعل جهاز مدينة 6 أكتوبر يتواصل معه ومن خلاله قام بعمل مجسم لطائرة حربية من الحديد الخردة ومخلفات المدينة الصلبة من عمدان النور والبراميل والأسياخ الحديدية، والتي وصل ارتفاعها إلى 9 أمتار توجد الآن بميدان الحصري بمدينة 6 أكتوبر بمناسبة العيد القومي للمدينة وعيد نصر أكتوبر.

ثم قام صلاح بتصميم شعار بطولة العالم التي نظمتها مصر مؤخرا لكرة اليد وهو “مفتاح الحياة” من خامة الصاج الحديد وكان أكبر مجسم للبطولة على ارتفاع 7 أمتار ويوجد الآن أمام الإستاد الرياضي بالمدينة، وكان أخر أعماله منذ أيام قليلة وهو تمثال “حورس” الذي قام بتنفيذه من خامة الصاج المستعمل، والذي بلغ ارتفاعه  6 أمتار ونصف، ووصل وزنه إلى 550 كيلو، وتواصلت معه محافظة أسوان كي يكون التمثال في أحد ميادينها بمنطقة إدفو.

ويختتم إبراهيم صلاح حديثه: قررت أن يكون فن الخردة الحديد طريقي الذي أسير عليه وهدفي الآن الوصول لرقم قياسي عالمي في تصنيع وتصميم التماثيل العملاقة من خردة الحديد على مستوى العالم، والحصول على مكان لائق ليكون بمثابة معرض مفتوح يضم تلك التماثيل كبيرة الحجم، والتي ستكون جميعها للحضارة الفرعونية من خردة الحديد، والآن أعمل في تصميم تمثالين لأسدي قصر النيل، والذي يتمنى أن تكون لديه منصة قوية لتعريف الناس بهذا الفن وأن يكون له دور في ترويجه.

اقرأ أيضا

الفنان «أنس الآلوسي»: رحلة الخمسين بين الفرات والنيل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى