الشيخ أمين الدشناوي.. ومحنة «المستريح»

لم تتوقف آثار ظاهرة “المستريح” عند بُعدها الاقتصادي. بل تركت في الواقع الجنوبي ما يمكن اعتباره صدمة ثقافية كبيرة. صدمة مازالت تثير الجدل بين الناس، وتطرح الأسئلة الخاصة بهويتهم الجنوبية، وأحوالهم العامة، وتصوراتهم  عن مشايخ الطرق الصوفية، وأصحاب الساحات، ورجال الإنشاد الديني، وغيرها من الأسئلة الثقافية التي ترتبط بعملية النصب الكبرى.

لقد قامت الدنيا على الشيخ أمين الدشناوي بعد إلقاء القبض على “المستريح” مصطفى البنك. حيث ارتفعت أصوات كثيرة ضده، وراحت تهاجمه وتعتبره شريكا في عملية النصب الكبرى، وسببا في خراب البيوت. وذلك بسبب المكانة العظيمة التي يحتلها الدشناوي في وجدان الناس كواحد من أهم المداحين الذين تركوا علامة قوية في الذاكرة الشعبية خلال العقود الماضية.

***

لم يكن الهجوم المؤلم صادرا عن أعداء التصوف، فهؤلاء يتواجدون دائما ولا يؤثرون كثيرا في ثقافة الجنوب، بل كان الهجوم صادرا عن القطاع المغرم بالدشناوي نفسه، عن أنصاره الذين رأوا في اتصاله بالنصاب علامةً على سقوطه، أو دليلا على انقطاع حبل المدد الذي يربطه بالصالحين، ويمنحه الكشف، أو الفراسة، أو الكياسة والقدرة على التمييز بين الصادق والدجال.

كانت ليلة الدشناوي واحدة من مظاهر توظيف التصوف الشعبي في عملية النصب الكبرى. وقد ظهر المداح الكبير في تلك الليلة وهو يمسك بساعد “مصطفى البنك” ويحكي عن الصحابة وأحب الأعمال. وقد تحولت تلك اللحظات إلى لعنة تطارد الرجل، وكأنها تعبر عن عهد لا انفصال له بين يد البنك ويد المداح، وما إن قامت الشرطة بهدم عملية النصب الكبرى، حتى بدأ الهجوم على الدشناوي وغيره من المشايخ وأبناء المشايخ وأصحاب الساحات.

***

كل ما فعله الدشناوي هو تلبية طلب المستريح بإحياء إحدى الحفلات. وفي بداية الحفلة قام بالدعاء له بشكل خاطف لم يستغرق سوى جملة واحدة، وهذا أمر طبيعي تماما بالنسبة لمداح محترف.  لكنه تحول إلى خطيئة بعد انكشاف أمر المستريح. الأمر الذي دفع الدشناوي نفسه إلى تقديم اعتذار، والحديث عن ظروف الليلة، وهو حديث كاشف لمظاهر توظيف “البنك” للدين، يقول الدشناوي:

قبْل الليلة، اتصلْ بيَّ واحد من إسنا، قال لي أنت صُحْ بكرة عند فلان، وبَعَتْ لي لقاء معاه في التليفزيون. فأنا قلت يعني ليلتنا هتكون عند الراجل دا، أُمَّال كيف قلتوا دي لله وعاملينها ناس فقرا، وقلنا ناخدها لله وخلاص. ومن العصر لغاية ما مسِكْتْ المايك في الليل، والناس تتصل بيا، وتقول: (مصطفى البنك) بيبْني جوامع، وبيودي عجول الساحات، وبيدِّي لله، وعامل مرتَّبات للناس اليتامى والمساكين، وواحدة جات له قالت له: عايزة أجوِّز بنتي، وخُدْ العِجْلة دي وهات تمنتلاف جنيه، راح مديها ميت ألف.

كلام كلام كلام، لغاية ما مسكت المايك. وقعدت أمدح ومدحنا، وبعد كده جوني ناس، وكتِر الهرج، وقالوا لي إحنا عايزين نودي عجول.  فقلت لهم أهو قدامكم عايزين تودوا ودوا، لكن ما تدخلونيش أنا في أي حاجة، أنا ماليش صالح. وبعد كده هو طلب مني ليلة القدر ورفضت، وطلب مني ليلة العيد رفضت، وطلب مني ليلة أسبوع العيد رفضت، وطلب حاجة تانية برضوا رفضتها، ليه رفضتها، لإنِّي متربي في حِجْر مشايخ صالحين، سمعت منهم إن للرجال رجال من الرجال يحرِّمون بعض الحلال خشية أن يقعوا في الحرام. أما بخصوص الحديث اللي قلته على المسرح، فكيف أنا أشبه أحد من عامة الناس بأحد الخلفاء الراشدين، أما الناس اللي فهموني غلط وغلطوا فيَّ أنا مسامحهم”.

***

يتحدث الرجل هنا عن نيته هو بمعزل عن نية مصطفى البنك. فقد خدعوه بقولهم (عاملينها ناس فقرا)، ورغم اكتشاف الخدعة إلا أنه وافق على المشاركة. لأنه في النهاية مداح محترف، وهذا حقه. وقد شارك في مئات المناسبات لعائلات مختلفة، وكل عائلة فيها الصالح والطالح كما هو معروف، ومهما كان ارتباطها بأحد الأولياء.

كلمة فقراء هنا لا تعبر عن الفقر المادي. لأن ليلة الدشناوي مكلفة جدا، وقد ذكر البعض مبلغا ماليا كبيرا حصل عليه، يتجاوز الأجر المعتاد. وهو باختصار رجل عادي لا يعلم الغيب، والاعتذار لا يبدو ـ في ظني ـ موجها للناس بقدر ما هو موجه للمشايخ الذين تربى في حجرهم، أو لأبنائهم. والدشناوي هنا يتكلم بنفس المنطق الشعبي الذي كان اساسا في الهجوم عليه، وكأن اتصاله بالمشايخ الذين تربى في حجرهم يمنع من الوقوع في شباك النصاب، أو كأن وقوعه في شباك النصاب يدينهم، حيث “لا تزر وازرة وزر أخرى”

الهجوم على الدشناوي قام على أساس خرافي. وهو والنظر إلى اتصاله بالمستريح كعلاقة أبدية، تضعهما في قارب واحد. ولهذا فهو شريكه في عملية النصب الكبرى، وهذا الأساس خاطئ،  لكنه منتشر في الثقافة الشعبية، ويرجع أصله إلى السحر الاتصالي الذي يقوم على أن الأشياء التي كانت متلامسة ومتصلة تبقى على علاقة اتصالية باستمرار، ولا ينفصل ذلك الأصل عن الشعور بعدم الأمان، وطلبه فيما وراء الواقع نتيجة العجز عن تحقيقه عبر الوسائل الواقعية المتاحة.

هذا المبدأ الذي تسبب للدشناوي في هجوم لا يستحقه، وأدى إلى وضعه مع المستريح في قارب واحد. هو نفسه الذي يتسبب في مديح الدشناوي لدرجة وضعه مع الذين يمدحهم في قارب واحد، واعتباره رجلا مباركا لا يمكن أن يتعرض للخداع. لأنه من أهل المدد وبالتالي من أهل الكشف أو البصيرة، وهذا خطأ ينبع من التفكير السحري أو الخرافي.

***

يعتمد السحر على مبادئ  غير عقلانية  منها ما يُعرف بمبدأ الاتصال. والذي يقوم على  أن الأشياء التي كانت متصلة ببعضها في وقت ما، تستمر في التأثير ببعضها البعض حتى بعد انفصالها. ولهذا يطلب أصحاب الأعمال السحرية أثرا من الشخص المطلوب سحره، كقطعة من ثيابه، أو ظفره، أو حتى شعرةً من رأسه. وهذا هو السحر الاتصالي الذي يقوم على أن الأشياء التي كانت متلامسة ومتصلة ستبقى على علاقة اتصالية باستمرار.

يظهر هذا المبدأ الخاطئ  في نظرة الجماعة الشعبية لكل الأشخاص الذين  يتصلون بالمقدس بحكم أدوارهم في الحياة. مثل القارئ الذي يكتسب قيمته من اتصاله بالقرآن الكريم، أو الفقيه الذي يكتسب قيمته من اتصاله بالعلوم الدينية، أو المداح الذي يكتسب قيمته من مديح آل البيت. والنظرة الخرافية هي التي تجعلنا نربط هؤلاء الأشخاص  بالمقدس ربطا ميكانيكيا، وتجعلهم بالضرورة أتقياء وأنقياء ويتجاوزون الوضع العادي للبشر، وهذا الربط خاطئ، ولا علاقة له بالدين أو التصوف الإسلامي.

النظر إلى المداح بوصفه متصلا يعتمد  بشكل أساسي على مشهده أثناء المديح، حيث نراه فوق المسرح متوحدا مع الكلمات، ونشعر بإحساسه الشديد بالمحبة والهيام. وتلك الحالة فنية بالدرجة الأولى، ولا تستمر مع المداح إلى الأبد، أي أنه فوق المسرح شيء، وقبل  وبعد صعوده شيء آخر.

***

المداح فوق المسرح فنان تأخذه الجلالة على حسب تعبير يوسف وهبي، وقد يصل بفضل اندماجه الشديد إلى حالة روحية متميزة، لكن تلك الحالة لا تستمر معه، وعندما ينزل من سماء الإنشاد يصبح شخصا عاديا تماما.

الحديث عن بصيرة خاصة للمداح ينتمي إلى التصوف الشعبي الذي لا يقوم على سند من الدين، بل ويتعارض مع بعض النصوص، كما هو الحال مع الحديث النبوي الذي روته أم سلمه رضي الله عنها، وأخرجه البخاري، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ”

لا ذنب للشيخ أمين الدشناوي في إحياء ليلة مصطفى البنك. والهجوم الحاد الذي يتعرض له لن يؤثر على مسيرته، لأنها تقوم على صوته الجميل، وأدائه المتميز، وعمله الاحترافي، وحاجة الناس إلى الإنشاد الديني كفن يلبي حاجات روحية واجتماعية أيضا.

***

لقد تسبب لقاء الدشناوي بالمستريح  في  خلق حالة من الحوار الثقافي حول الأفكار الخاصة بالأشخاص الذين يتصلون بالمقدس بحكم أدوارهم في الحياة، مثل الواعظ أو المقرئ أو المداح، والاعتقاد في تجاوزوهم للحدود البشرية العادية، واعتبارهم  لهذا السبب وحده من أصحاب البصيرة، أو الكشف.

لقد كشف الجدل الثقافي حول “المستريح” عن انتشار التصوف الشعبي في الجنوب، بشكل كبير وعميق. كما كشف عن مظهر من مظاهر المحنة المصرية والعربية الخاصة بتقهقر التفكير العقلاني أمام التفكير الخرافي.

الحوار الثقافي مفيد بالطبع. لكنه يتم بشكل عشوائي، وبترفع كبير من المثقفين، أو علماء الاجتماع وغيرهم من المختصين. الأمر الذي يتسبب في وقف الحوار عند القشور الخارجية، أو عند حد الهجوم على بعض الشخصيات، دون النظر إلى أمور أخرى تستحق المراجعة مثل الأخطاء الموجودة في كلمات المديح نفسها، أو دور القصائد والمواويل الدينية لا في مساعدة “المستريح” بل في تكوينه. وظهور نموذج النصاب المناسب للثقافة التي خرج منها، ولنا وقفة أخرى مع نصوص المديح ودورها في عملية النصب الكبرى.

اقرأ أيضا:

المستريح وليلة القدر: السرقة وحبل المدد

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى