الشعر واللعب: عبير عبدالعزيز وليدو الشعراء

تتحرك الشاعرة عبير عبدالعزيز في مسارين للتعبير عن إيمانها العميق بالشعر، كقيمة في حد ذاته، ورسالة تتمحور حياتها حولها. المسار الأول هو الكتابة الشعرية، والآخر هو مشروعها الخاص: “ادعم شعر”.

أصدرت الشاعرة عددا من الأعمال التي تتراوح بين شعر الفصحى، والكتابة للفتيات والفتيان، والتي اشتملت على القصة والمسرح والشعر، وتلك الأعمال هي: “يوميات تختة” عام 2003. “المدينة البرتقالية” عام 2005، “عرائس دنيا” عام 2007، “عندما قابلت حجازي” عام 2007، “مشنقة في فيلم كرتون” عام 2009، “هروب علم” عام 2012، “بيننا سمكة” عام  2013، “يوم آخر من النعيم” عام 2017، “ما قبل البطيخ” عام 2020.

تجربة عبير عبدالعزيز ثرية وتستحق اهتماما نقديا كبيرا، وقد حصلت على عدد من الجوائز التي تشير إلى قيمة كتاباتها، مثل جائزة الشارقة في مسرح الطفل سنة 2007، ووصول ديوانها “بيننا سمكة” للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2013، كما فازت بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عن أفضل ديوان فصحى عام 2017.

**

بخلاف تجربتها الشعرية المتميزة، تقدم شاعرتنا نموذجا فريدا في دعم الشعر، من خلال تقديم أفكار جديدة للخروج بعلاقة الشعر والجمهور إلى آفاق غير مسبوقة، وهو انشغال يعبر عن صفة تكاد تكون نادرة في واقعنا الثقافي، وهي إخلاص الشاعر للشعر بشكل عام، لا لشعره هو فقط.

نموذج الشاعر المعلق بشعره فقط صار هو الشائع في حياتنا الثقافية، وهو نموذج ضار جدا، حيث تصبح شخصية الشاعر هي محور الشعر، وما أكثر ما نلتقي بالشاعر الذي يتحدث عن نفسه باعتباره الأعظم، والأفضل، والأهم، إلى آخر تلك الصفات التي تعبر عن تضخم الذات، وعجزها عن رؤية الآخرين، ودعوة الجميع للحفاوة بشعره، أو بما يكتب، ولا يخفى على أحد أن الكثير من أصحاب الذوات المتورمة من أصحاب التجارب الضعيفة والبائسة.

تعلق الشاعر بشعره فقط مرض خبيث، يجب أن يتعلق الشاعر بالشعر أينما كان، وأن يحتفي بصاحبه مهما كان، يجب أن يكون الشعر فوق الجميع، وهذا ما تجسده شاعرتنا من خلال ممارسات كثيرة، تؤديها بأمانة وتعفف.

 

لقد قدمت الشاعرة أفكارا كثيرة، في محاولة منها لخلق علاقة جديدة بين الشاعر والجمهور، علاقة لا تقوم على إلقاء الشعر، أو تلقيه كتابة، كما هو معتاد، بل تستفيد من كل الوسائل المتاحة.

تجربة “طوابع شعر”، تعتبر من أبرز التجارب التي حاولت الاستفادة من القيمة الرمزية والوجدانية لطابع البريد، وقامت التجربة على اختيار مقطع شعري صغير مع لوحة مناسبة، ويتم تصميم الطابع من خلال الجمع بين المقطع واللوحة.

قدمت عبير عبدالعزيز أكثر من أربعمائة طابع بريد شعري، ولنا أن نتخيل حجم المجهود الذي بذلته، في اختيار اللوحات المناسبة للمقاطع الشعرية، بحيث يتحقق التناغم بين الشعري والتشكيلي.

طابع البريد أحد الرموز التقليدية للتواصل، لكنه يعتمد هنا على وسائل التواصل الحديثة، حيث يتم تداوله على  صفحات الفيس بوك بشكلٍ واسع.

**

في تجربة “تِتْرو قصيدة” حاولت عبير عبدالعزيز الاستفادة من المقدمات الموسيقية الخاصة بالأفلام، من أجل دعم الشعر، وذلك عن طريق تقديم تسجيل صوتي للقصيدة مع تتر الفيلم.

لقد احتاجت التجربة إلى مجهودات كبيرة، بسبب ضرورة وجود مشتركٍ ما،بين الفيلم والقصيدة، حتى تحقق أكبر فاعلية ممكنة للتر، ولا يبدو مجرد خلفية مجانية، ولا شك أن العثور على  القصيدة المناسبة يتطلب جهدا بحثيا كبيرا، بخلاف جهود تسجيل القصيدة، ورفعها على شبكة الإنترنت.

آخر تجارب عبير عبدالعزيز قامت على الجمع بين الشعر واللعب، في تجربة حملت عنوان “ليدو الشعراء”، وهي تعتمد على توظيف لعبة”ليدو” أو “لودو”، في محاولة لفتح أفق جديد لعلاقة الشاعر بإلقاء الشعر.

تتكون اللعبة من لوح يحتوي على عدد من المربعات الملونة، ذات المسارات والزوايا المختلفة، وتحتاج إلى شخصين، أو أربعة أو ستة أشخاص، ولكل لاعب زاوية خاصة به، وأربعة أحجار/ “قواشيط”، وعلى كل لاعب أن يحرك القواشيط الخاصة به، وفق رمية النرد (الزهر)، باتجاه حركة الساعة، حتى يصل بها إلى منطقة ملونة بنفس لون القواشيط في منتصف اللوح. وينتصر اللاعب الذي يصل إلى مكان معين قبل الآخرين، واللعبة لها قواعدها التي تجعل الفوز مثيرا.

**

في اليوم التجريبي الأول لعبة “ليدو الشعراء” اختارت عبير عبدالعزيز مجموعة من الشعراء هم غادة خليفة، ومحمد أبوزيد، وعزة حسين، وأحمد سعيد للمشاركة بنصوصهم في اللعبة، وقد اعتذر الأخير في اللحظات الأخيرة بسبب ظروف طارئة، وقرأت نصوصه الكاتبة الصحفية رشا حسني.

المعيار في اختيار النصوص يقوم على سببين، الأول هو علاقتها باللعب علاقة مباشرة، تظهر في المضمون حيث يتحدث الشاعر مثلا عن الطفولة وعلاقته بلعبة ما، والسبب الآخر هو استخدام الشاعر لأساليب فنية، تحيلنا على مفهوم اللعب بشكل غير مباشر.

أقيمت اللعبة في بيت جلال الخاص بالفنان التشكيلي جلال جمعة. وساهم في عمل التصميمات الفنان سمير عبدالغني. كما قام الفنان محمود أسعد بعمل قطع لوحات “خيامية” تجسد لعبة ليدو.

في عرضها التجريبي الأول كشفت اللعبة عن عدة أمور، منها تحرير الشعراء من جديتهم المعتادة عند إلقاء الشعر، والتي تصل إلى التجهم والعبوس عند كثير من الشعراء وهم يقرأون شعرهم. وهنا نجد الشاعر يلقي بكل أريحية، يلقي وهو يلعب بشكل مباشر.

**

كشفت اللعبة، ويمكن أن تكشف بشكل أكبر في المرات القادمة، عن أواصر القربى التي تجمع بين الشعر واللعب. وتساهم في تجميع مادة شعرية كبيرة تساعد النقاد في تحليل علاقة الشعر باللعب.

كشفت اللعبة عن أمور أخرى، منها تعطِّش الشعراء لوسائل جديدة تستقطب الجمهور، وسعادتهم الشخصية باللعب. وقد ظهر ذلك في اندماجهم في اللعبة، وفرحة الشاعر محمد أبوزيد بالفوز بالهدية الرمزية. وهي فرحة شعرية في المقام الأول، تعبر عن تجاوز قيمة الفوز لحدودها المادية، وأولوية قيمتها المعنوي.

تثير اللعبة عددا من الأسئلة، ومنها ربط إلقاء الشعر بحركة الزهر. وهو ما يؤدي إلى عدم تساوي الشعراء في وقت أو مرات الإلقاء، ومنها ما يرتبط بحضور الجمهور. حيث أقيمت اللعبة بدون جمهور باستثناء الروائي طاهر شرقاوي، على اعتبار استهداف الجمهور من خلال وضع نصوص الشعراء بصوتهم على شبكة الإنترنت.

**

التجربة مجرد بداية تجريبية وهي تحتاج إلى شهادات من الشعراء المشاركين فيها. كما أنها مجرد فقرة في برنامج متجدد بعنوان “ادعم شعر”، والذي يسعى بدأب للجمع بين الشعر والفنون بصرية المختلفة، وتمنحه الشاعرة عبير عبدالعزيز كل طاقتها، أو تتحرك فيه كمسار مواز لإبداعها الشعري، يكمل إيمانها بالشعر كقيمة ورسالة حياة.

كل هذه المجهودات  التي تقوم بها عبير عبد العزيز، تكشف عن طاقة هائلة، وشغف كبير بالشعر، وكان يمكنها الاكتفاء بشعرها هي، وقصر أفكارها على خدمة تجربتها الخاصة، لكن إيمانها بالشعر أكبر من إيمانها وإخلاصها لشعرها.

الشعر في حاجة إلينا جميعا، لا كشعراء فقط، ولكن كأنصارٍ له، خاصة ونحن نعيش  لحظة مادية عصيبة. هذا هو الشعار الذي ترفعه الشاعرة، لا من الخلال الكلمات، ولكن من خلال الممارسات المستمرة منذ عام 2013 حتى الآن، وتتحمل في سبيلها ضغوطا مادية ونفسية كثيرة، ودون أن تجد دعما من الشعراء الذين تدافع عنهم بكل جدية ونقاء.

اقرأ أيضا

سعيد رفيع والرشندي الذي تحول إلى سمكة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى