الشاعر لا يكذب أبدا: خرافة السراب الجميل

أعْذبُ الشِعر أكذبه، أو أحسنُ الشعر أكذبه، عبارةٌ تراثية شهيرة أطلقها أحدهم ووجدت تربةً خصبةً، فصارت مثل الوسم في جبين الشعراء، وكانت سببا في ظلم الشعر.

العبارة خاطئة رغم بريقها، لأن الشاعرَ لا يَكْذِب أبدا، وحين يَكذبُ لا يصبح شاعرا.

دخول مصطلح الكذب في الممارسة الشعرية خطأ ضارٌ. وقد ارتكبه البعض بحسن نية في الغالب، أو نتيجة للخلط البريء بين مفهوم الخيال ومفهوم الكذب. وهذا الخطأ لم يجد من يتصدى له بحسم، وهناك من وجد فيه فرصة للحد من سلطة الشعر، أو الحط من قيمته والتقليل من شأنه، وهكذا تم التكريس للخطأ، حتى صار الكذب علامة من علامات الشعر الجيِّدِ على وجه الخوص لا الشعر الرديء.

يقول الإمام الرازي: “كل شاعر ترك الكذب، والتزم الصدق؛ نزل شعره ولم يكن جيداً” {1}

**

الكذب في السياق الثقافي واحد من أكبر الشرور، وهو يهدي إلى الفجور، ويوم القيامة نفسه يعتبر يوم الصادقين أهل الجنة، ويوم الكاذبين أهل النار، ووضْعُ الشعر مع الكذب في صياغة واحدة جعل الصورة القبيحة للكذب تتداخل مع الصورة الجميلة للشعر، وتندمج بها في الوجدان العام، وهكذا تم التكريس للشعر باعتباره باطلا بليغا، أو باعتباره سرابا عذْبَا. فالشعر جميلٌ ويبهجُ النفسَ الظمآنة لكنه ليس ماء، الشعر جميل لكنه “لا يُسْمن ولا يغني من جوع”، وهذا خطأ منتشر في ثقافتنا الحالية.

التكريس لأكاذيب الشعراء كثيرا ما كان يأتي في سياق المقابلة بين الشعر والقرآن الكريم. والمقابلة في حد ذاتها تجعل الشعر خصما في نظر الكثيرين. وقد تم تفنيد تلك المقابلة بحجج كثيرة منها ثنائية الصدق الكذب. يقول الرازي: “أن المولى عز وجل راعى في القرآن الكريم طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه، وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن وقد بلغ النهاية في الفصاحة” {2}

ولأن الميل إلى ربط الشعر بالكذب يصب عند البعض في إطار تنزيه القرآن الكريم. كان التصالح مع الخطأ مرغوبا، على اعتبار أن القرآن الكريم كما يقول السيوطي “منبعُ الحقِّ ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل بتصوير الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق. ولهذا نزه الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية ـ في أكثر الأمرـ إلى البطلان والكذبِ شعريةٌ” {3}

**

لقد انقسم الناس بسبب ما اعتبروه أكاذيب الشعراء إلى عدة أقسام. وصار الأمر قضية من القضايا النقدية التي يتجدد حولها النقاش، وتلك القضية قامت على خطأ، وكان يجب أن تسقط منذ قرون، لكنها استمرت حتى الآن، لتلعب دورا في تشويه الشعر والشعراء.

ربط الشعر بالكذب ساهم في بناء الشقاق بين الشعر والمتدينين، وجعله مجالا للحيطة والحذر، وهو ما يؤدي إلى قمع الإبداع في مهده، لأن الشعر يقوم أساسا على الانفعال الحر والحدس المفاجئ والتدفق الحار والعفوية الخلاقة، وغيرها من الأمور التي لا يصح عرقلتها بالحسابات المنطقية الدقيقة. كما ساهم في التكريس لصورة الشعراء الممتازين باعتبارهم من المنحرفين دينيا أو أخلاقيا. ولا أدل على وجود نوع من الخصام بين الشعر والمتدينين من العبارة الشهيرة التي ترد كثيرا في الكتب الدينية وغيرها، والتي تقول: “لم ير متدين صادق اللهجة مُفلق في شعره”. {4}

والشاعر المفلق هو الذي يأتي بالعجب، أو الشاعر المجيد المصنف من الطبقة الأولى.

أي أن المتدين الصادق لا يكون بالضرورة شاعرا مجيدا من الطبقة الأولى. والشاعر الرائع بالضرورة لا يكون متدينا صادق اللهجة، وتلك النتيجة خاطئة، لأن الشعر نشاط إنساني عابر لكل التصنيفات. ويمكن أن يكون الشاعر متدينا ومتمكنا من أدواته وماهرا في طرح عالمه الداخلي طرحا فنيا مدهشا.

**

فلنراجع إذن تلك المقولة التراثية، ولنتساءل عن معنى الكذب. ومدى إمكانية قبوله في نسيج الممارسة الشعرية.

الكذب ببساطة هو إدعاء وقائع على خلاف الحقيقة، من أجل خداع الآخرين، بقصد تحقيق مكسب أو إحداث ضرر.

مجرد إدعاء وقائع على خلاف الحقيقة لا يعد كذبا، لابد من توافر شروط أخرى ومنها نجاح الإدعاء في خداع الآخرين، وتلك الشروط تجعل دخول الكذب في نسيج الممارسة الشعرية أمرا قسريا يخالف المجرى الطبيعي للأمور. لأن الشاعر لا يخدع أحدا عندما يكون عليلا ضعيفا ـ مثلاـ ويكتب شعرا عن قوته وبأسه وفروسيته.

من قصيدة أمل دنقل- خطوط الفنان الراحل حامد العويضي
من قصيدة أمل دنقل- خطوط الفنان الراحل حامد العويضي

يظهر مفهوم الكذب بوضوح في المعالجة القانونية لجريمة التزوير. حيث استقر الوعي القضائي على أن التزوير إذا كان ظاهرا مفضوحا بحيث لا يمكن أن يُخدع به أحد فلا عقاب عليه، أي يفقد هويته كتزوير.

ينطبق المبدأ على القول الشعري الذي يعتبر مفضوحا من حيث الأساس. فلا أحد يعتقد أن الرجل أسدٌ بالفعل أو أن المرأة  قمرٌ بالفعل عندما يسمع مثل هذه الأوصاف في الشعر. ولو فسرنا الصور الشعرية تفسيرا حرفيا لقتلناها، نحن أمام لعبة مكشوفة بين الشاعر والمتلقي، ولا يصح ربطها بالكذب.

**

في الوعي القضائي لا يعتبر التزوير تزويرا إلا إذا ارتبط بقصد عام وقصد خاص. والقصد العام هو علم المزور بأنه يغير الحقيقة، وأن من شأن هذا التزوير إحداث ضرر، أو تحقيق منفعة بدون وجه حق. أما القصد الخاص فيعني نية استخدام المحرر المزور فيها زور من أجله. فالقانون لا يعاقب على التزوير في حد ذاته وإنما يعاقب على نية استخدام المحرر المزور فيما زور من أجله.

لا يوجد في الشعر كذبٌ، لأن الآخر وهو يتلقى الشعر يعلم تماما أنه لا يتلقى معلومات بل يتلقى مشاعر وأحاسيس وصورا خيالية من شأنها تعميق وعيه أو إحساسه الجمالي بالموضوع أو الحدث الذي يطرحه الشاعر.

لا يوجد في الشعر كذبٌ لأن الشاعر لا يُبيِّت النية على الكذب. بل يستخدم الخيال من أجل الوصول إلى أفكارٍ جديدة أو توضيح أفكار غامضةٍ، أو تبسيط حالات معقدة، أو بناء عالم فني خاص وهذا هو الصدق بالنسبة للشاعر.

لا يوجد في الشعر كذبٌ لأننا نطلب من الشاعر أن يكتب قصيدةً لا تتطابق مع قصيدةٍ أخرى تتناول نفس الحدث أو غيره. وإن فعلها نعتبرها سرقة، بخلاف ما يحدث في مجال العلم. فعندما نطلب من مائة شخص تناول حدث معين بشكلٍ علمي، سوف نسعد عندما تتطابق أقوال الجميع. أي على العكس تماما من الحدث الشعري. وهكذا يصبح الشاعر كاذبا عندما لا يُخْلِص لكينونته الشعرية، أي عندما يفشل في طرح عالمه الداخلي طرحا فنيا خاصا، يكذب عندما نجد اضطرابا في إبداعه يعبر عن كسل أو قصور في امتلاك الأدوات الضرورية لتحقق هويته الشعرية. أي أن الشاعر يكذب فقط، عندما يكون ركيكا أو عاديا لا يطرح مدهشا أو مثيرا أو جديدا.

هوامش:

1ـ  فخر الدين الرازي ـ تفسير الفخر الرازي المشهر بالتفسير الكبير، ومفاتيح الغيب، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت / لبنان  الطبعة الأولي 1401 هـ، 1981م، الجزء الثاني، ص126.

2ـ المصدر السابق ص126.

3ـ جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف سنة النشر: 1426 هـ، الجزء الخامس، ص1898

4ـ الزبيدي، تاج العروس، مادة شعر، وراجع السيوطي، المصدر السابق، ص1898.

اقرأ أيضا

برقيات دعم الثأر في الصعيد

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى