حكاوي

«الدوبيت» جسر الجمال بين مصر والسودان

«الدوبيت» فن شعرى غير معرب، وقد ذكره الصفى الحلى ضمن مجموع فنون النظم، وهى سبعة عند أهل الغرب ومصر والشام: الشعر القريض، الموشح، الدوبيت، الزجل، المواليا، الكان وكان، الحماق. وهو من اصطلاحه الدال عليه يتكون من بيتين، أى أربع شطرات، ويأخذ كل سطر شكل البيت الشعرى، واصطلاحه مكون من جزأين “دو” الفارسية، وهى بمعنى “اثنين”، وبيت الدالة على البيت الشعرى، وهو”من وضع المتأخرين من شعراء المشرق يعرف بالرباعى؛ لأنه مؤلف من أربعة مصاريع، يراعى فى الأول والثانى والرابع منها على الأقل قافية واحدة(1).وتنطق قبائل “البجا” وفروعها فى حلايب وشلاتين وأبو رماد الاصطلاح الدال على هذا النوع الشعرى “ها بيت” و”دوباى”، والبعض– خاصة بعض العبابدة – ينطقونه “دوبيت”، وكما يقال – عند قبائل أولاد على – لمنشد وشاعر “غناوة العلم الغنّاى”، ولشاعر الشتاوة؛ شتاى، ولمؤدى المجرودة؛ مجراد؛ فإن قبائل العبابدة تطلق على من يقول الدوبيت “دوباى”، أى شاعر الدوبيت.

الشعر البجاوي

ويرى بعض الرواة “أن الشعر البجاوي يتشكل من  نوعين هما: القصائد الطويلة والرباعيات التي تتكون من أربعة أبيات، والمتمثلة في فن الدوبيت أو ما يعرف عند البجا بالفريقت قرميت، وكلمة دوبيت عندهم كلمة بجاوية؛ فكلمة دوبا بمعنى عريس ودوبات بمعنى عروس ودوباني بمعنى حفل زواج، ودوبيت – في هذا السياق، وفى ضوء الاشتقاق اللغوى – بمعنى الأغاني التي تغنى في مناسبة الزواج، وذلك عكس ما يقول به البعض من أن كلمة دوبيت كلمة فارسية(2) ومن نماذج الدوبيت عند العبابدة:

لونك برتقـان (3) شَتلـة جناين النـيـل
أنتـى أميره لكـل الـبنات والـجيـل
فيكى مْكَمَّلا تخِلَقِ السماح والرِّيْلْ
(4)
 راسيه أديبه يا الدابله الْــــ مشيكى وَحيْل(5)

 

ومن النماذج المترجمة من لغة توبداويت:

اللوم والشكر واحد    على الغَبْيَان

والليل والنهار واحد    على العَمْيَان(6)

وقد ذكر العرضيون والمصنفون العرب أن وزن الدوبيت فعلن متفاعلن فعولن فعلن

دوبيت لنظم فارس ميزان
ما خصهم بكسبه الإمكان
فعلن متفاعلن فعولن فعلن
(بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا)

 

ساذج ومرصع

وتنقسم  أشكال الدوبيت إلى نوعين:ساذج ومرصع. والساذج صنفان: موافق ومخالف، أما الموافق أو التام أو السليم فهو ما اتفقت مصاريعه الأربعة فى قافية، وقد يكون تام التجنيس أو مزدوج التجنيس، بينما المخالف أو الأعرج، وهو ما كان مصراعه الثالث مرسل دون تصريع، وتأتى بعض أشكاله دون تصريع للبيت الأول. أما المرصع فهو على ثلاثة أنواع، الأول:  مستزاد أو مذيل، وهو الذى يتضمن رباعية كاملة المصاريع تامة المعنى وإلى جانب كل مصراع  فقرة توشيحية – غالبا – على وزن (فعلن فعلن)، الثانى: مرفل، وهو الذى يتضمن رباعية تامة المعنى، وإلى جانب كل مصراع منها فقرتان، الثالث: مرفل مذيل، وهو الذى يتضمن رباعية تامة المعنى على أربعة أشطر، أتبع كل واحدة منها بثلاث فقرات توشيحية(7) ، وتختلف النماذج المجموعة ميدانيا عن النماذج التراثية التى ورد ذكرها في كتب التراث.

أوزان الدوبيت

ونظن أن ما جمع ميدانيا يؤكد على الاشتراك في اسم الفن والاختلاف كلية في الأوزان والحمولات الثقافية التى سوف تعاينها في تحليلنا لنصوص الدوبيت المجموعة من منطقة البحث، “فلا صلة إطلاقا بين الورن الذى كتب به الدوبيت في العصر العباسى، فمعظم أوزان الدوبيت الذى قمنا بجمعه يعتمد وزن الرجز الذى عرفه العرب الآوائل في بواديهم، وهو(مستفعلن- مستفعلن-مستفعلن) مرتين، غير أن أوزان الدوبيت عند قبائل المنطقة يبدأ بمقطع أو مقطعين في كل شطرة، ثم تجرى بقية الأوزان على وحدة مستفعلن، وقد تأتى متفاعلن بدلا من مستفعلن، لهذا نرى أن هذا البحر يختلط ببحر الكامل، ويتقدمه هذا الخزم الذى عرفه العرضيون، وإذا عرفنا أن الوزن العروضى من حيث هو ليس إلا أبعادا زمنية ممتدة ذات نسب متساوية أو متجاوبة، وليس مجرد كم من المقاطع اللغوية(8).

المسدار

فن شعرى شعبى منتشر فى السودان وفى بعض مناطق جنوب مصر، وإن كان لا يأخذ هذا  المسمى، ويطلق البعض عليه “الحاردلو“(9) واصطلاح مسدار مشتق من الفعل “سدر” بمعنى ذهب لا ينثنى، وإذا قلنا سدر الرجل فى البادية؛ فالمقصود أنه ذهب لا ينثنى، والمسدار يعنى عندهم المرعى أو المورد الذى تتجه إليه البهائم، ولفروع وبطون القبائل المختلفة مسادير معلومة تسدر إليها، فالمسدار والجمع مسادير يمثل نوعا من القصائد الشعبية التى تسير على نمط الرجز الرباعى، وتعنى بسرد ومتابعة رحلة الشاعر إلى ديار محبوبته، أو إحدى صديقاته من الغوانى، وهو يسير فى بنائه على هذا النمط (أ00أ00أ00أ) (10).

الشاعر الشعبى على حسين حسب النبى يغنى الدوبيت على أوتار ألة البستكوب ، الألة الرئيسية فى الجنوب الشرقى
الشاعر الشعبى على حسين حسب النبى يغنى الدوبيت على أوتار ألة البستكوب ، الألة الرئيسية فى الجنوب الشرقى
النوع الرباعى

إن الخبرة الميدانية تدلنا على أن عددا من الأشكال الشعرية الشعبية تتواتر في المنطقة، وتتشابك النصوص معلنة عن علاقات مستمرة بين النصوص وحامليها، وكما نرى؛ فإن مجموعة من المصطلحات تلقى بنا في قلب نوع شعرى أثير هو الدوبيت أو الدوباى أو الهابيت، وجميعها اصطلاحات تدل على النوع الرباعى. ويشتبك بهذا النوع مجموعة من الأشكال الشعرية الرباعية الشبيهة به على مستوى الشكل، هذه الفنون هى الموال الرباعى، المربع، النميم، نعناع الجنينة، المسدار، الحاردلو، والملاحظ أن هذه الفنون تنتشر بين أبناء الجماعة الشعبية في الجنوب والجنوب الشرقى لمصر، وكذا في المناطق المتاخمة لمصر مع السودان، فالمنطقة من مناطق الالتقاء الثقافى، لكن كل جماعة إثنية تضع لنصوصها اصطلاحا دالا على منتجها الشعرى ويتجلى كل اصطلاح مرتبطا بجذره اللغوى وثقافة المكان ومجمل العادات والتقاليد الأدائية، ومن الأشكال/ الأنواع التى تتماس مع شبكة الفنون القولية في المنطفة – معظمها تكتسب اصطلاحاتها من القبائل السودانية – التى تشتبك مع الثقافات المتاخمة للحدود المصرية منها: الربق – البوباى- الشوشاى – الجابودى – الجرارى (11) ويمكن أن نجد أكثر من نوع في الاحتفالية الواحدة، حيث نجد تجاورا لهذه الأنواع، وهناك مساحة زمنية في احتفالات البجا تسمى “فترة الدوبيت”، وتقتصر على قول الدوبيت وحده، أما الحاردلو؛ فيقتصر على قبائل الجعليين(12).

الابن الجمالي للتزواج

إن من صور التجلي اللغوي والفني الذي يمكن معاينته في شرق السودان ومصر؛ فن الدوبيت بوصفه الابن الجمالي للتزواج بين اللغة العربية وفنونها ولغة البجا، والدوبيت/ الدوباي/ هابيت، وهو في جوهره رجز عربي قديم، ويعد من أشهر فنون الشعر الشعبي في الجنوب الشرقي لمصر، وشرق السودان، ولقبائل البجا ينظمون فيه بلغتهم الخاصة، وبعضهم يقرنون هذا الفن باسم الحاردلو، وهو شاعر يعدونه أمير الشعر الشعبي عندهم، والحردلو لقب لقبه به أهله، واسمه محمد أحمد أبوسن، من أسرة أبي سن العربية التي كان في يدها زعامة قبيلة الشكرية منذ زمن طويل، ونورد هنا نصًا لشعر الدوبيت؛ حيث يقول الشاعر الشعبي:

يا خالق الوجــــــود أنا قلبي كاتم سرو
ما لقيت من يدرك المعنى بيهو أبرو
بهمت منصــــح الـــــوادى المخـــدر دره
قعدت قلبى تطــــــوي وكل ساعة تفرو

 

القلب والسر

والمتأمل لألفاظ هذا الدوبيت سيجد لها نظائر في اللغة الفصحى؛ الأمر الذي يعكس عمق الاتصال الثقافي بين فن الدوبيت عند قبائل البجا وتفرعاتها واللغة العربية وفنونها، ففي الشطر الأول يناجي الشاعر خالق الوجود سبحانه، لأنه وحده الذي يعلم السر وأخفى، فيقول: إن قلبى يكتم سره، وما ذلك السر إلا الحب الذي طواه في قلبه، أما الشطر الثاني؛ فيصور عظم هذا الحب في نفسه، وجسامة السر الذي يحمله بين جوانحه، فالشاعر لم يجد أحد من الناس يدرك خطورة هذا السر، ولم يجد الشخص المختار الجدير بان يمنحه الشاعر هذا السر (أي يبره به) أما الشطر الثالث، فيصف حبيبته مشبها إياها ببهمة منصح الوادي المخضر دره، والمعنى هنا يشير إلى حيوان صغير وديع في بقعة من الوادي ينصحها الغيث أي يجودها حتى يتصل نباتها ويخضر خيرها، وهذا الشطر يتألف من خمس كلمات كل منها له ما يطابقها في لفظه ومعناه في اللغة الفصحى؛ فالبهمة: ولد البقر أو الضأن أو الماعز، والمنصح: اسم مكان من قولهم نصح الغيث الودى أي سقاه حتى اتصل نبته، والمخدر: هو المخضر، والدر هو الخير والكثرة ومنه قولهم: لله دره، أي لله ما خرج منه من خير، وقولهم في اللعن: لا در فلان، أي لا كثر خيره، وقد لوحظ أن لفظ خضر وبعض مشتقاتها تنطق بالدل بدلا من الضاد، وهو إبدال نجده منتشرًا عند قبائل البجا، خاصة العبابدة (13).

مراجع:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • راجع، عهدى إبراهيم السيسى، صلة ديوان الدوبيت، كلية الأداب، جامعة طنطا، 2001، ص، 53.
  • راجع، جعفر بامكار محمد، الشعر في حياة البجا،sudanile.com في 2 يناير2010 .
  • برتقال
  • حيوان يصاد فى المنطقة وهو الظبى ويجمعونها على أرايل، وهو من الرموز التى تشبه بها المرأة الجميلة فى المنطقة.
  • أديبه، أى مؤدبة، والدابلة أى التى تتدبل، أى تتثنى أو تمشى فى دلال، يقصد أنها تمشى بدلال كأنها تمشى فى وحل، وهذا الدوبيت يذكرنا بمطلع قصيدة الأعشى الشهيرة: وَدّعْ هُـرَيْرَةَ إنّ الــرَّكْــبَ مــرْتَــحِــلُ.. وَهَـلْ تُـطِــيـقُ وَداعـاً أَيُّـهَـا الـرَّجُــلُ؟ .. غَـرَّاءُ فَـرْعَـاءُ مَـصـْقُـولٌ عَـوَارِضُـهَا .. تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ.
  • جمعه الباحث، وقام بترجمته من لغة البجا: محمد نعيم، قبائل البشارية، مدينة الشلاتين، 2001.
  • عهدى إبراهيم السيسى، صلة ديوان الدوبيت، مرجع سابق.
  • عبد المجيد عابدين، صور من وحدة الفكر العربى فى إفريقية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1970، ، ص، 48.
  • نسبة إلى شاعر شعبى اشتهر بالحاردلو، أبو سن، وهو أحد أفراد قبيلة الشكرية، توفى عام 1917، وشهرته تتجاوز حدود قبيلته، حتى أن اسمه صار لصيقا بنوع من الفن، لكن الغالب على هذا الفن اسم المسدار، راجع، عبد المجيد عابدين، صور من وحدة الفكر العربي في إفريقية،مرجع سابق.
  • راجع، سيد حامد حريز، فن المسدار، دار التأليف والترجمة والنشر، الخرطوم 1976، ص، 16.
  • جمال محمد وهبى (إعداد)، فن النميم فى محافظة أسوان، مرجع سابق، ص، 16.
  • رواية: محمد طاهر عمر، وقد نطق الحاردلو هكذا “الحاردلج”، وأشار إلى أن العبابدة يسمون الدوبيت”النميمة”، خاصة ممن يعيشون فى كوم امبو ودراو وأسوان، أما فى الشلاتين فنحن نطلق عليه اسم “الدوبيت”.
  • انظر، عبد المجيد عابدين، صور من وحدة الفكر العربي في إفريقية، مرجع سابق.

اقرأ أيضا:

من صغر سني وحب البنات ميراثي: النميم وسواس همس الكلام الجنوبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى