ادب وفنمتابعات وتغطيات

الخمسينيات.. يوميات المعلمات المغتربات في بيت «القابض» بنجع حمادي

المكان قرية بهجورة، بمدينة نجع حمادي، شمالي قنا، تحديدًا على بعد أمتار قليلة من ثاني مدرسة بنيت في قنامدرسة داود تكلا“، الزمن أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، رجلين ذو بنية جسمانية شامخة، أزياء أنيقة تليق بالصفوة من هذا الزمن جلباب وطربوش مجارة لملك هذا العصر، يحادث أحدهما الآخر حول ضرورة إقامة المعلمات المغتربات القادمات للقرية لديه بمنزله كأمانة لابد من الحفاظ عليها، ومعاملتهن كبناته.. للوهلة الأولى تعتقد أن ما تقرأه مشهد في سينما الخمسينيات ولكن الحقيقة هذا ما دار بين إبراهيم بربري، ناظر مدرسة داود تكلا، وصراف القرية المقدس عزمي الصراف قبل أكثر من 58 عامًا.


هذه التفاصيل وأكثر تقفز في مخيلتك دون استئذان مستمعًا لكلام المقدس فتحي عزمي الصراف، طالب مدرسة دواد تكلا منذ أكثر من 60 عامًا وعميد عائلة الصراف.
يقول المقدس فتحي: “كنت طفلا حينها يذهب المدرسة بالمريلة والطربوش، وكانت المعلمات اللاتي تقمن لدينا أغلبهن من محافظات وجه بحري “القاهرة، بني سويف، دمياط، المنيا، المنوفية، وفي السنوات الأخيرة مدرسة من قوص”، أتذكر منهم ناظرة مدرسة البنات ووكيلتها ذكية وفهيمة، اختارت لهن والدتي شقة منفصلة عن المعلمات، مراعاة لطريقة التعامل فيما بعد بينهما في العمل، حيث سكنتا الدور الأرضي وشقتين في الدورين الثاني والثالث لباقي المعلمات.

منزل القابض

يتكون من 3 طوابق علوية إضافة إلى الدور الأرضي، تحديدًا على بعد أمتار قليلة من ثاني مدرسة بنيت في قنا “مدرسة داود تكلا” بالقرية، بني في الخمسينيات، يجاوره جزء آخر من المنزل مبني قديم بالطوب اللبن يتخطى عمره الـ100 عام، مازال يسمى بمهنة صاحبه بيت “القابض”، الذي تحول فيما بعد للصراف، ويصبح اسم الشارع بأكمله.


يوضح المقدس فتحي، أسباب اختيار إبراهيم بربري أفندي، ناظر المدرسة لمنزلهم كمقر للمعلمات المغتربات، قائلًا إن والده كان صراف أب عن جد؛ وهي مهنة متوارثة في العائلة؛ فأبيه عزمي وأجداده فهمي والجندي أيضًا كانوا صرافين، وكان الصراف من صفوة وأعيان القرية، والذي كان منوطًا به جمع الضرائب، وأموال ربط الأراضي الزراعية، وقيد المواليد والوفيات، وكانت الداخلية تخصص له حراسة خاصة خفير أساسي وآخر درك للشارع، لتأمين أموال الدولة التي كان يحتفظ بها في خزينة منزله.

6 جنيهات الإيجار

ويضيف كانت إدارة التربية والتعليم تدفع لنا إيجار 6 جنيهات شهريًا، وكان مبلغًا كبير حينها يأتي عن طريق البريد، لافتًا إلى أن المنزل ظل مفتوحًا للمعلمات المغتربات من الخمسينيات وحتى السبعينيات.

حياة المغتربات بالقرية

كانوا يقبلن متخوفات من الحياة في بيئة الصعيد، التي كان يروج لها الصعوبة والقسوة والعنف أكثر من هذه الأيام، ولكن مرغمات على تنفيذ أوامر التكليف التربوي.
“كانوا فاكرين الصعيد وناسه بيعضوا” هكذا قال المقدس فتحي، مضيفًا: “كانت كل معلمة جديدة تظل تبكي أول يومين، ولكن والدتي كانت تحتضنهم هي وشقيقاتي الثلاثة”، متذكرًا “كان في معلمة من دمياط أتت ومعها والدتها وكلتاهما كانوا يبكون كأن عزيزًا عليهن مات، ولكن طمأنتهن والدتي وشقيقاتي الـ 3 وأعطت أمي لها رقم الهاتف المنزلي، حينها لم يكن بالقرية سوى 4 هواتف، أحدهم في منزلنا”.
ويتابع: “كانت شقيقاتي يشرفن عليهن ويحددن لهن مواعيد الخروج والعودة إلى المنزل حسب العادات والتقاليد في القرية، وكن يرحلن عن القرية في الإجازات الصيفية”.
شارع الصراف أو القابض قديمًا كان يمر به مصرفين زراعيين بتقاطع، والخضرة في كل مكان.
ويكمل: “كان والدي الصراف عزمي يضع الدكك “الكنب” للجلوس خارج المنزل، خاصة في ليالي الصيف ليطمئن المغتربات بأن الأجواء آمنة والجميع يجلس ويتسامر”.
ويقول: “كما كانت الفرن البلدي الطينية والعجانية ووقيد الفرن “مصاص القصب الناشف مخلفات زراعة قصب السكر”، الذي يستخدم في إشعال نار الفرن لعملية خبز العيش الشمسي من عجائب الدنيا الـ7 بالنسبة لهن، يراقبنها عن كثب بعد الاستيقاظ مبكرًا، منتظرات الخبز من الفرن فرحات كالأطفال”.
الروابط الإنسانية تنشأ دون استئذان، طالما كان للود مكانًا بين البشر، أسرة الصراف امتزجت مع المغتربات حتى كانت زوجة الصراف عزمي والدتي ترعاهن طول الليل في حال مرض أحدهن، وترسل إلى الدكتور توما درياس شقيقها لطلب العلاج”.

مازال بعضهم على تواصل

أكد محسن فتحي عزمي، حفيد الصراف، أن تواصل بعض المعلمات المغتربات ظل قائم لفترة قريبة، إذ فوجئت منذ سنوات قليلة بسؤال إحدى السيدات المسنات عن منزلنا يحملها ابنتيها، جاءت خصيصًا لزيارة أبي وعمتي قبل وفاتها، وتساءلت عن كل شخص كانت تعرفه بالقرية، مقاطعًا له المقدس عزمي “العشرة ما تهنش، والله كانت أيام حلوة ياريتها تعود”.

مقالات متعلقة:

سلسلة رجعوا التلامذة| صور نادرة في أسوان للدفعات الأولى لمعهد «الفنون المسرحية»
سلسلة رجعوا التلامذة| «همام» قصة كفاح معلم صباحًا وبائع «غزل البنات» مساءً
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى