الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (2/4)

يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح حديثه عن حرية الدين والاعتقاد. إذ تطرق في الجزء الأول إلى المدارس الفقهية وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية والتطورات التاريخية والسياسية للدولة. فضلا عن أسباب التحول الديني الفردي من الإسلام إلى الأديان الأخرى أو إلى حالة عدم التدين بشكل عام.

نظرة على تاريخ الصراع التأويلي بين الفقهاء من المذاهب الإسلامية المختلفة حول التكفير وحد الردة، تشير إلى أنها صراعات ذات طبيعة سياسية واجتماعية ومذهبية وفقهية. لها ارتباطات بصراعات وسياقات وجماعات وغالبا على الشأن السياسي، والسلطاني، وبه على الدين وتأويله لصالح كل طرف متصارع من أجل الوثوب إلى السلطة الرمزية والسياسية.

كل طرف من المتصارعين يؤسس شرعيته الرمزية وإسلاميته التمامية على تأويله للنص المقدس أو السنة النبوية الشريفة.

**

إن نظرة على التراث الفقهي حول حرية العقيدة والتكفير والردة، تشير إلى سياقات وأسباب الصراعات التأويلية، وأهدافها، وذلك من خلال قراءة النصوص، وفق مصالح وأهواء كل طرف متصارع على الساحتين السياسية والفقهية. شكلت قراءة النصوص وتفسيرها وتأويلها استراتيجية لغوية وفقهية ترمى إلى استخلاص كل فقيه وجماعة السند الشرعي الذي يبرر مواقفه السياسية/ الدينية إزاء الخصم السياسي أو الجماعة التي يتنازع أو يتصارع معها.

وبالنظر إلى تاريخ هذا الصراع التأويلى حول شرعية الحرية الدينية. ومن ثم حرية الضمير الإنساني، تشير إلى أن الموروث الفقهي حول التكفير والردة لا يعدو أن يكون وضعيا وبشريا بامتياز، وتأويل للنصوص التي لا يوجد بها نص يحرم حرية الضمير أو التدين أو الردة عن الإسلام، وذلك على النحو التالى:

1- القرآن الكريم –النص المؤسس للإيمان والاعتقاد الإسلامى المقدس- وردت به نصوص صريحة تؤكد على الحرية الدينية، وحرية الضمير، وذلك في عديد السور والآيات([1]). عديد السور القرآنية التي كرست للحرية الدينية. ومنها (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة: 256).

2- (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون:117)

3- يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله –صلى الله عليم وسلم0-(لست عليهم بمُصَيطر) (الغاشية:22).

4-(وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40).

5- (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (يونس:99).

**

في هذا الصدد يذهب ثقاة الفقهاء “على أن حرية العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في إطار حرية اختيار المعتقد. وأن الحساب عليها خاص بالله –جل شأنه- لا يجاوزه إلى سواه([2]). هذه الآيات لاسيما أية “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى” محكمات لا لبس فيها ولا تشابه ولا نسخ التي يحتج بها بعض دعاة حق الردة، ورد الطبرى على هذا الرأى بالقول: “وأنكروا أن يكون شئ منها منسوخا. (2000). ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالأذن بالمحاربة”([3]) ويذهب بعض الدعاة إلى القول: “أما في الردة فلم تأت آيات تنص على عقوبة هذه الجريمة والارتداد عن الدين بأى شكل من أشكالها. سواء بتبديل الدين، أو ارتكاب فعل أو قول يدل على الخروج من الدين”.([4])

يأخذ بهذا الاتجاه عديد من الإصلاحيين الإسلاميين المحدثين والمعاصرين ومنهم الأساتذة والمشايخ عبد المتعال الصعيدى، ومحمود شلتوت، من علماء الأزهر. ومن تونس الأساتذة الباحثين محمد الطالبى([5])، ومحمد الشرفى([6])، وعبدالمجيد الشرفى([7])، وآمال قرامى([8]) وعمار بن حمودة([9])، وعديد من الباحثين الآخرين ومن مقاربات فقهية وتأويلية. أو من خلال المقاربات التاريخية والتحليلية واللسانية/ اللغوية للنصوص القرآنية وأسباب النزول، والمقارنات بين التأويلات المختلفة التي وردت في كتابات الفقهاء والمفسرين والمؤرخين التي تعتمد عليهم أيديولوجيات الجماعات الإسلامية الراديكالية والجماعات السلفية والسلفيات الجهادية وبعض المتشددين من رجال الدين والدعاة. الذين يعتمدون على بعض هذه الآراء، لتبرير العنف والإرهاب. أو أشكال العنف اللفظي والمادى وتكفير المخالفين لهم في الدين أو المذهب أو الرأي السياسي أو الفقهي.

**

2- لم يثبت لدى بعض الفقهاء الكبار أن الرسول (صلعم) أنه قتل مرتدا في حياته أو أنه عاقب على الردة بالقتل. حيث ذهب الإمام الشوكانى (ت 1250 ه) في موسوعته نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، إلى أن الأحاديث التي تنسب للرسول كلها ضعيفة السند([10]) أو إلى حديث الأحاد”.

3- أن تاريخ الفقه والمذاهب الإسلامية السنية حول الحرية الدينية والردة، والتحول الديني، هو تاريخ صراعات سياسية ومذهبية. ومن ثم كان الجدل الفقهي، في الغالب هو الوجه الآخر للصراعات السياسية، وللمذاهب، والفقهاء في علاقاتهم بالسلطة السياسية. من هنا كان استخدام التكفير للمخالفين في الرأي أحد الأسلحة الرمزية في المنازعات السياسية بين الجماعات المختلفة.

**

ومن ثم يرى بعض الباحثين “أن التكفير ظاهرة تاريخية اعتمدها “أصحابها لفرض” “سلطتهم الرمزية على الآخرين، موظفين قوة المقدس الذي مكنهم من أن يجعلوا لآرائهم رافدا” “سماويًّ وحكمًا إلهيًّا لا اعتراض عليه. وذلك كان التكفير سلطة رمزية من أجل فرض الشرعية”. “وهو خطاب يعتمد آليات أيديولوجية للفرز والتصنيف، قد يقوى السلطتين الدينية والسياسية”. “ولكنه يمكنه أن يتحول إلى آلية تكفيك وتفريق. إذ أنّ الأطراف المتنازعة على الشرعية يمكن أن توظف التكفير لتستأثر بالمقدس وتحتكر خيراته” العقدية، لتقصى المختلفين عنها. وإن كان ذلك على أساس تبريرات دينية لخلافات” سياسية. والفرقة التي تعد نفسها ناجية تقوم باحتكار الشرعية الدينية والتأويل الرسمىّ للنصوص الدينية، وتتسم الفرق الأخرى بالكفر والإلحاد”.([11])

4- شكل الصراع على السلطة الرمزية ومحاولة السيطرة عليها، جزءا من بعض التقاليد الفقهية الموروثة في تاريخ بعض المدارس الفقهية، وصولا إلى تاريخنا الحديث والمعاصر.

**

5- تم استخدام السلطة الرمزية والصراع السياسي عليها. واستخدام سلاح التكفير الديني من بعض الجماعات الإسلامية السياسية، بعد إلغاء كمال أتاتورك نظام الخلافة العثمانية. وتم اتهامه بالردة والكفر، وإزاء بعض كبار المفكرين الإصلاحيين والليبراليين في مصر، من أمثال طه حسين، وعلى عبدالرازق، واستمر هذا الاتجاه في ظل ظاهرة الإسلام السياسي الممتدة، منذ حرب التحرير الإسلامي، وجماعة المسلمون الشهيرة إعلاميا بالتكفير والهجرة التي قتلت العالم الأزهري الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف الأسبق، والجماعة الإسلامية وقتل المثقف المصري فرج فودة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ الروائي الكبير. واتهامات عديدة بردة عديد من المثقفين والمفكرين. في السودان تم إعدام المفكر السودانى محمود محمد طه في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميرى. وفي مصر تم تفريق نصر حامد أبو زيد عن زوجته بحكم قضائى لردته. وطالت الاتهامات عديدين مثل نوال السعداوى وسيد القمنى، وأسامة أنور عكاشة وآخرين.([12])

استخدمت الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، سلاح التكفير والردة كسلاح رمزي في مواجهة خصومها السياسيين، وبعض المثقفين. وشمل التكفير العلمانية، والحكم بغير ما أنزل الله من أحكام القوانين والهندسات القانونية الوضعية الغربية، وهو نمط من تكفير الدولة الحديثة والأنظمة السياسية والقانونية، بدعوى عدم تطبيقها شرع الله أو مخالفتها له.

**

تم استخدام العنف المادي والرمزي المؤسس على فقه التكفير، والردة لأداء عديد من الوظائف السياسية، يمكن رصد بعضها فيما يلى:

1- السيطرة على عمليات تفسير وتأويل النصوص الدينية من خلال استراتيجيات الانتقاء والاجتزاء لبعض الآراء والتأويلات واعتبارها هي العقيدة والإيمان والشريعة. والآراء الأخرى يتم تركها وإهمالها ورفضها، وخاصة في حرية الضمير والتدين والاعتقاد، والتحول الديني.

2- استخدام أداة / سلاح التكفير في التجنيد السياسي لعضوية هذه الجماعات.

3- التكفير أداة للتعبئة الدينية، والشحن الديني لأعضاء هذه الجماعات، ولدى بعض قواعدها الجماهيرية.

4- التشكيك في الشرعية الدينية والسياسية للدولة والنظام السياسي، والنخبة السياسية الحاكمة.

5- شرعنة وإضفاء الشرعية الدينية على عمليات العنف والإرهاب ضد الدولة والمخالفين للجماعات الإسلامية التكفيرية في الرأي والاتجاه.

**

6- إشاعة مفهوم الفرقة الناجية من بين الفرق الإسلامية المختلفة. وهو ما يساعد على بناء التضامنات التنظيمية بين أعضاء هذه الجماعات داخليا، وإزاء الآخرين من المسلمين.

7- انتزاع السلطة الدينية الرمزية من المؤسسة الدينية الرسمية –الأزهر الشريف ونظائره في الدول العربية الأخرى- والتشكيك في شرعية تمثيلها للإسلام بدعاوى أنها تمثل السلطة السياسية الحاكمة. وذلك في محاولة لإضعاف مصداقيتها لدى المواطنين المسلمين.

8- امتداد التكفير كظاهرة على الأديان والمذاهب الآخرى لدى بعض الغلاة. وذلك بهدف بناء الانقسامات، والحواجز على التفاعل الاجتماعى بين المواطنين ايا كانت دياناتهم.

9- تمدد التكفير وإسناده إلى بعض المذاهب الإسلامية كالمذهب الشيعى لدى بعض المتشددين من رجال الدين السنة. وذلك كجزء من عمليات الصراع السني/ الشيعي الذي شكل مظلة مذهبية وفقهية للصراع الإقليمى بين السعودية ودول الخليج النفطية إزاء تمدد النفوذ الأقليمي الإيراني في العراق، وسوريا، ولبنان واليمن، ودعمها في بعض الأوقات لجماعة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.

10- ساهمت الفضائيات الدينية العربية، ووسائل التواصل الاجتماعي في ظهور بعض الدعاة السلفيين والمتشددين الذين يستخدمون التكفير والتشدد. في إبداء آرائهم التأويلية حول بعض الوقائع الدينية الاجتماعية كالتحول الدينى أو الإلحاد، أو اللاأدرية.

هذا التشدد والتكفير إزاء ظواهر التحول الدينى أو الإلحاد واللا أدرية. يهدف إلى ذيوع وشهرة هؤلاء الدعاة في الأسواق الدينية الوطنية والإقليمية والعولمية. ساهم التنافس بين هؤلاء الدعاة في المزيد من العنف الرمزي واللفظي الديني.

المراجع

[1] – أنظر الآيات والأسانيد والآراء الفقهية التي أوردها الشيخ عبدالمتعال الصعيدى. الحرية الدينية في الإسلام من ص6 إلى 29. وإبطال دعوى النسخ في الآيات الواردة في الحرية الدينية من ص30 إلى54. الناشر دار المعارف 2001.

[2] – أنظر في ذلك د.طه جابر العلوانى لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم. من ص120 إلى ص121. الناشر المركز الثقافي العربي، ومؤمنون بلا حدود، بيروت 2014.

[3] – الطبرى، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ)، جامع البيان عن تأويل آى القرآن. تحقيق صدقى جميل العطار، بيروت، دار الفكر، ط 2005، ج3، ص 18 ومشار إليه في لويس صليبا. هل من حرية معتقد في ظل حد الردة. من125، 126، في أعمال مؤتمر حرية التفكير والاعتقاد المؤتمر الفلسفى الدولى 2-4 كانون الأول 2015- الناشر منشورات المركز العربى لعلوم الإنسان العربى (لبنان) 2016.

[4] –  أكرم رضا مرسى: الردة والحرية الدينية، ص42 الناشر دار الوفاق القاهرة، الطبقة الأولى 2006. ومشار إليه في لويس صليبا المرجع السابق.

[5] – محمد الطالبى، دليل المسلم القرآنى، ص83،84، طبع بمعامل فنزى للطباعة يناير 2016.

[6] – محمد الشرفى، الإسلام والحرية الالتباس التاريخى، من ص66 إلى ص85، الناشر دار الجنوب للنشر، تونس 2009.

[7] – عبدالمجيد الشرفي، تحديث الفكر الإسلامى، من ص13 إلى ص18 ط2 الناشر الدار الإسلامى، بيروت 2009.

[8] – آمال قرامي، قضية الردة في الفكر الإسلامي الحديث الطبعة الثانية، دار الجنوب للنشر تونس 2010.

[9] – عمار بين حمودة، التكفير في الخطاب الإسلامي القديم، سؤال الشرعية والعنف، الناشر مؤمنون بلا حدود، الطبقة الأولى 2019، الدار البيضاء المغرب.

[10] – الإمام محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشوكانى، نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، القاهرة، د.ت، ص 7/217. ومشار إليه في لويس صليبا، المرجع سابق الذكر، ص130.

[11] – عمار بن حمودة، التكفير في الخطاب الإسلامى القديم، سؤال الشرعية والعنف، ص488 المرجع سابق الذكر.

[12] – آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الإسلامى الحديث، المرجع السابق الذكر ص16.

اقرأ أيضا

الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (1/4)

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى