دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«أوبرا دمنهور».. صرح يجمع بين جماليات العمارة الإيطالية والتراث الإسلامي

في تداخل لافت بين النموذج الإيطالي الذي عرفته مصر في بدايات القرن الماضي، وبين الطراز الإسلامي في البناء والزخرفة، جاء تصميم «أوبرا دمنهور» على يد المهندس والمصمم المعماري الإيطالي «فيروتشي»، الذي بدأ العمل في هذا الصرح عام 1930، وأنجزه خلال عامين، ليفتتح في مشهد ملكي مهيب يعكس قيمة المبنى ومكانته.

وقد مر المبنى بعدة مراحل من النشاط الفني والتوقف والركود، قبل أن يتحول في فترات لاحقة إلى الإهمال والتدهور لسنوات طويلة، حتى أصبحت ساحته وحديقته مأوى للدواب وموقفا لعربات الحنطور، وبمرور الوقت، ترسخ لدى الكثير بأن هذا هو المصير المحتوم لأحد أبرز المباني الثقافية في مصر، إلى جانب دار الأوبرا المصرية ومسرح سيد درويش بالإسكندرية، وهو مبنى أوبرا دمنهور الكائن في ميدان الساعة، أحد أشهر ميادين المدينة وأكثرها تميزا .

جاءت نقطة التحول حين قرر وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني إعادة الحياة إلى هذا المبنى، فأنقذ أثرا نادرا وطرازا معماريا مميزا من الإهمال والتشويه، وأجريت أعمال الترميم بأسلوب حافظ على طبيعته الأثرية وخصوصيته المعمارية.

 الحكيم والمسيري وزويل

المتأمل لهذا الصرح التاريخي يجد أن جدرانه تتزين بصور ولوحات لرموز الأدب والفن من أبناء محافظة البحيرة، مثل توفيق الحكيم، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وعبد الوهاب المسيري، ومحمد عبد المطلب، وكارم محمود، ويوسف القعيد، وعبد العزيز مخيون، ومحمود الجندي، إلى جانب الدكتور أحمد زويل والمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، وغيرهم، بما يعكس ثراء البيئة الثقافية التي ينتمي إليها المكان.

وتعد قاعة المسرح التي تضم نحو 450 مقعدا تحفة معمارية قائمة بذاتها، بما تحمله من نقوش وزخارف تمزج بين الطراز الإيطالي وعراقة الفن الإسلامي في تناغم يبرز دقة التصميم وجمال التفاصيل. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور علاء النحاس، مدير إدارة الوعي الأثري بالبحيرة، أن أوبرا دمنهور شيدت عام 1930، وأن الملك فؤاد وضع حجر الأساس لمبنى البلدية الذي ضم السينما والمسرح والمكتبة في الثامن من نوفمبر من العام نفسه.

وقد أطلق على القسم الغربي منه في البداية اسم “سينما وتياترو فاروق”، ثم تغير إلى “سينما البلدية” عام 1952، واستمر كذلك حتى عام 1977، قبل أن يصبح “سينما النصر الشتوي”، إلى أن استقر اسمه أخيرا كمسرح وأوبرا دمنهور.

اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

مسرح أوبرا دمنهور.. تصوير: محمود دوير
مسرح أوبرا دمنهور.. تصوير: محمود دوير
مزيج من الطراز الإيطالي والعمارة الإسلامية

يضيف النحاس أن المبنى يمثل نموذجا مميزا لعمارة المسارح في مصر خلال بدايات القرن العشرين، حيث يتبع في تخطيطه طراز الأوبرا الإيطالية الذي دخل مصر في عصر الخديوي إسماعيل، بينما ينفرد في الوقت نفسه باستخدام عناصر زخرفية ومعمارية مستوحاة من الفن الإسلامي، بما يمنحه خصوصية واضحة.

ويؤكد أن المعماري الإيطالي فيروتشي نجح في تحقيق توازن دقيق بين التخطيط الأوروبي الذي يخدم الوظيفة، وبين العناصر الإسلامية التي تعود جذورها إلى عصور تاريخية متعددة، من بينها العصر الفاطمي، مثل استخدام العقود المنكسرة وغيرها من التفاصيل الزخرفية. ونظرا لما يتمتع به المبنى من قيمة فنية ومعمارية تعكس ملامح عمارة المسارح المصرية في تلك الفترة، إلى جانب ما يضمه من زخارف نباتية وهندسية وعقود دائرية وأخرى أندلسية الطراز.

اقرأ أيضا: الكليم والجوبلان في فوة.. تراث يواجه ضعف التسويق وحصار الضرائب

المسرح أثر إسلامي

قام قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار بتسجيل المبنى كأثر إسلامي، بعد موافقة اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية عام 1988م، وصدور قرار وزير الثقافة رقم 499 لسنة 1990م بتسجيل المسرح، وذلك للمحافظة على عناصره الفنية والمعمارية.

وتطبيقا للمادة الثانية من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، تم ضم المبنى إلى قوائم المباني ذات القيمة الفنية والتاريخية بمحافظة البحيرة، بعد العرض على اللجنة المشكلة بقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 30 سبتمبر عام 1998.

ومن جانبه، يرى عبد الجليل الخولي، عضو مجلس أمناء أوبرا دمنهور، أن الأوبرا تعد مركزا تنويريا مهما يمكن أن يؤدي دورا أكبر في مواجهة مظاهر التراجع الجمالي، إذا ما تم دعم أنشطتها وتوسيع نطاق تأثيرها، خاصة بين الشباب من خلال زيادة العروض وتنوعها وتكثيف الترويج لها.

ويؤكد على أهمية دعم مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ورجال الأعمال، حتى تستعيد الأوبرا دورها الكامل، باعتبارها واحدة من دور الأوبرا القليلة خارج القاهرة والإسكندرية، مشددا على ضرورة تنظيم مهرجانات وفعاليات ثقافية تعيد تقديم التراث بشكل معاصر.

 اكتشاف الموهوبين

يشير سعيد أبو ضاهر، عضو مجلس الأمناء، إلى أن الأوبرا عادت إلى النشاط عام 2009 بعد سنوات طويلة من التوقف، وأنها تمثل اليوم نقطة مضيئة في الحياة الثقافية بما تقدمه من دعم للمواهب ورعاية للفنون، لافتا إلى أن محافظة البحيرة كانت ولا تزال منبعا لعدد كبير من المبدعين.

ويؤكد حسين محمد حسين، عضو آخر بمجلس الأمناء، أن المبنى يعد تحفة معمارية نادرة، وأن دوره لا يقتصر على تقديم العروض الفنية، بل يمتد إلى اكتشاف المواهب ورعايتها، مشيرا إلى أهمية استعادة فعاليات مثل مهرجان دمنهور للفلكلور، الذي كان يمثل نافذة للتبادل الثقافي والتعريف بالتراث الشعبي.

ومن جانبها، توضح رانيا قناوي، مدير العلاقات العامة بالأوبرا، أن أنشطة الدار تتسم بالتنوع، حيث تستضيف حفلات للموسيقى العربية لعدد من أبرز الفنانين، إلى جانب فعاليات ثقافية وفنية مختلفة. كما تقدم الأوبرا عددا من الأنشطة المجانية، مثل الصالون الثقافي ونادي السينما بالتعاون مع المركز القومي للسينما، فضلا عن احتضانها لمركز تنمية المواهب.

وفي هذا الإطار تشير فيفيان عاطف، مسؤولة مركز تنمية المواهب، إلى أن المركز الذي أنشئ عام 2009 يقدم برامج تدريبية للأطفال والكبار في مجالات متعددة، منها الرسم والباليه وتعليم الآلات الموسيقية مثل البيانو والعود والكمان، إلى جانب الغناء، مع تنظيم حفلات دورية لعرض نتاج هذه المواهب.

تقديم التراث الغنائي

يوضح الدكتور محمد حسني، أستاذ الغناء والكورال، أن العمل داخل المركز يبدأ مع الأطفال من سن خمس سنوات حتى 14 عاما، كما توجد فصول للكبار من سن 15 عاما فما فوق.

وأشار إلى أن التعامل مع الأطفال يتطلب تبسيط المفاهيم الموسيقية وتقديم التراث الغنائي بشكل مناسب لأعمارهم، مع الاهتمام بالأغاني التي تحمل قيمة فنية ومعرفية، وكذلك الأغنية العالمية، خاصة الناطقة بالإنجليزية والفرنسية، مع التركيز على الأعمال التي تقدم قيمة ومعلومة تدعم ما تملكه المواهب من قدرات تحتاج لرعاية.

اقرأ أيضا: «فرقة البحيرة للفنون الشعبية».. سفراء التراث المصري في المهرجانات الدولية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.