«أكيدولا» أو جحا المصري في حلايب وشلاتين (1)

بعيدًا عن الصراع المحموم حول أكيدولا / جحا(1)ونسبته إلي مكان أو زمان ما – مع إيماننا بإنسانيته وإنسانية حكاياه ونوادره – نقترح هنا مدخلا لقراءة تقنيات القناع في المأثور والتراث الشعبي، ممثلًا في بعض نوادر وحكايات وأمثال أكيدولا. أو على وجه أكثر دقة في التمثيلات الأدبية الشعبية التي صاغتها الجماعة الشعبية علي لسانه. أو نسبتها إليه منتخبة إياه، معبرا عن عاداتها وتقاليدها ومنظومة قيمها، في إطار يحقق تجانسًا بين إبداع الفرد وجماعته التي تتبني نصوصه/ نصوصها لتمارس أولي تقنيات التقنع حين تُلبس الجماعة ثقافتها وسخريتها، ورغبتها في ممارسة الحكي والتندر علي المواقف والأشخاص.

في لحظة تمارس فيها لعبة التخفي عبر تجليات لا تقف عند المثل الشعبي أو الحكاية أو النادرة؛ لكنها تتجاوزها لاستعمالات يومية، تستعين بها علي مواجهة القهر والفشل والغباء بالحيلة والسخرية. وهو ما يجعل شخصية أكيدولا/ جحا شخصية حية حتى الآن في رصيد الجماعة الشعبية. ويعني في الوقت ذاته استمرار إنتاج الإبداع الشعبي الجحوي – ممثله فى منطقة حلايب وأبو رماد والشلاتين- أكيدولا – طالما احتاجت إليه الجماعات الإنسانية لتضيف إليه كل يوم نوادر وحكايات جديدة تستعيرها من تراث أوسع من الشخص وتاريخه والأزمنة والأماكن التي عاش فيها. إذا كان حقيقيًا، وليس شخصًا متخيلًا؛ ليتبني من خلال قراءة العارف منظومة القيم التي تقبل جماعته أن تصدق عليها.

**

والقناع لغة كما ورد في اللسان “المقنعة ما تقنع به المرأة رأسها. أي ما تغطي به المرأة رأسها وغيره، والقناع أوسع من المقنعة، وقد تقنعت به، وقنَّعت رأسها، وقنعتها ألبستها القناع فتقنعت به، وألقي عن وجهه قناع الحياء علي المثل، وقنعه الشيب خماره إذا علاه الشيب”.

وقال الأعشي: وقنعه الشيب منه خمارًا، وربما سموا الشيب قناعًا، لكونه موضع القناع من الرأس؟ وقال الأزهري: ولا فرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة وهو مثل اللحاف والملحفة. وفي حديث بدر؛ فانكشف قناع قلبه، فمات قناع القلب غشاؤه، تشبيها بقناع المرأة، وهو أكبر من المقنعة. وفي الحديث أتاه رجل مقنع بالحديـد هو المتغطي بالسلاح. وقيـل هو الذي علي رأسه بيضـة وهي الخـوذة؛ لأن الـرأس موضـع القنـاع. وفي الحديث أنه زار قبر أمه في ألف مقنع. أي في ألف فارس مغطي بالسلاح ورجل مقنع بالتشديد أي عليه بيضة (2). فالقناع إذن يشير إلي التغطية والإخفاء وتغير الهيئة بقصد أو بفعل الزمن والظروف والمواقف.

أما القناع كاصطلاح فني- لاحظ العلاقة بين الجذر اللغوي ومفهومه الاصطلاحي – هو أداة التنكر التي تستخدمه الشخصية في المسرح. وامتد معناه في اللاتينية ليشمل أي شخصية من شخصيات المسرحية. ثم أطلق على أي فرد في المجتمع. واستعمل في النقد الأدبي الحديث للدلالة علي شخصية المتكلم أو الراوي في العمل الأدبي، ويكون في أغلب الأحيان المؤلف نفسه(3).

**

إن مفهوم القناع – من وجهة نظرنا – لا يتوقف عند تعالقه بالأشخاص، لكنه يمتد ليكون تعبيرا جمعيا بعيدا عن الأنا أو الذات التي تعلي من شأن فرديتها. وبذا يتسع القناع ودلالته؛ ليتشكل في اللغة، وبها؛ لنري أنواعًا من الأقنعة تتمثل في نصوص جحا السردية، وهو ما نعاينه في الدراسة. والقناع – في هذا السياق – يسهم في الجمع بين صوتين هما صوت الذات المفردة وصوت الجماعة التي تصدق علي نصه؛ فيصبح النص ليس صوتًا للراوي، ولا لقناعه. إنما صوتًا جديدًا أو بالأحري قناعًا جديدًا تمتلكه الجماعة حين يدخل في ملكيتها؛ فتمارس عليه آليات الحذف والإضافة. كما أن القناع يتيح للراوي قدرًا عاليًا من الموضوعية والجرأة التي تصل حد التناقض، وحمل الثنائيات (الذكاء – الغباء) – (التبذير – التقتير) – (العقل – العبث)- (الوقار- السحرية ) – (المأساة – الملهاة)…. إلخ.

والقناع يعد تقنية لتشكيل العالم بعيدًا عن التعبير المباشر للأنا، الأمر الذي يرتبط بالنزوع نحو الموضوعية واللاشخصية والابتعاد عن الالتصاق بنزعات الذات. وكما عاينا دلالة القناع اللغوية، وما تلقيه بظلالها علي القناع بمعناه الفني من دلالات التخفي والتقنع، وهو يلعب دورًا مهمًا في نوادر جحا. إذ أنه يتيح للراوي رؤية ذاته/ جماعته بشكل محايد إلي حد كبير. حيث يكون القناع وسيطًا بين الراوي والمتلقي. وبذا لا يصل صوته مباشرة، لكنه يضع أمامه صورة القناع وما يخفيه وراءه، فارتداء القناع يؤدي دورًا مهمًا بالنسبة للراوي والمتلقي معًا؛حيث يفضي ارتداؤه إلي تحولات وإحلالات متواكبة، خروج للشخصية وتجاوز للذات، ودخول في شخصيات أخري. وبذلك يصبح القناع هو العين التي يري بها المقنع ذاته، والوجه الذي يطل به علي الآخرين، وبالتالي تخيل أفراد الجماعة مشاركته في أقنعته التي اختارها بعناية لتتسق مع منظومة قيم جماعته أو تقدم النموذج الضد لتأكيد قيمها المتواترة(4).

**

إن أكيدولا يرتدي عددًا من الأقنعة ليمارس رسالته النصية التي تراهن علي تعددها. حيث يراوح بين عدد من الثنائيات لعل منها: ثنائية الشفاهي والمدون – تعددية اللغات (لغة توبداويت – الفصحي- عامية العبابدة)؛ حيث تتعدد اللغات التي ينطق بها جحا بتعدد البلدان التي ينتمي إليها أو بالأحرى تنسبه إليها-  ثنائية التوجه (للصغار- الكبار). ويمكن أن نرصد مجموعة من الأقنعة التي يرتديها جحا ونصوصه، تتمثل في التالي:

القناع القومي – القناع الامتصاصي – القناع التاريخي – قناع التعدد – قناع الجماعة في ثوب الفرد- قناع الهروب والتخفي– الفرد الذائب في الجماعة – قناع الساخر- قناع المتحامق – قناع الولي – قناع الذكي – قناع السياسي – قناع التاريخي – قناع الاستلهام والتوظيف. ويمكن أن تتعدد الأقنعة بتعدد الألعاب الفنية وتعدد الصور التي يتقنع بها أكيدولا أو يتخفي النص وراءها.

المراجع

1- أكيدولا، وينطقها البعض كيدولا، والمفردة فى لغة التبداويت تعنى الذكى، المرواغ. وقد أكد لى بعض الرواة أن أكيدولا هو جحا، وهم يعرفون نوادر وحكايات الاسمين، ولا يعتبرونهما شخصين، إنما يعتبرونه شخصا واحدا متعدد الأسماء، والجمع الميدانى لحكاياته يشير إلى تشابه عدد من حكايات أكيدولا مع حكايات جحا.

2-  ابن منظور، لسان العرب، مادة (قنع)، المجلد الخامس، ج، (42)، مصدر سابق،  3755.

3-  عبدالله أبو هيف، قناع المتنبي في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004.

4-  راجع، عادل ضرغام، الممارسة النقدية، دار الانتشار، القاهرة، 2015، ص، 202.

اقرأ أيضا

في مئويته: أسرار انتصار محمد طه على نقابة الموسيقيين وذهابه إلى فلسطين

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى