أكذوبة «لا تصالح» الأصلية: ونفاق جوجل لأمل دنقل

يظهر الكذب والتزوير في تشويه صورة أمل دنقل من خلال الطعن في واحدة من أهم القصائد التي احتفى بها الوجدان العربي في العقود الأخيرة،  وهي قصيدة «لا تصالح» حيث يقول أحدهم بثقة العالم الخبير:

“تعرف حضرتك أنها ثلاثون بيتا(على نغم الرمل)من عيون الشعر العربى، نفثها الأمير(كليب)على صخرة بإصبعه مغموسة في دمه المتدفق من طعنة(جساس)، يوجه كل بيت فيها إلى أخيه(المهلهل)، وقد استغل اللص الفاشل هزيمتنا فى يونيو ٦٧؛ ليبث فى(الدهماء)احتياجهم نفسيا إلى دلالتها بعد إفساده شكلها”.

**

نحن لا نعرف من أين جاء صاحبنا بتلك المعلومة، فهو لا يذكر مصدرها، كما لا نعرف لماذا قام أساتذة أجلاء في الأدب العربي بالتأمين على هذا الكلام الخاطئ.

لا توجد قصيدة نفثها الأمير كليب، وكتبها بدمه على صخرة، وتعتبر من عيون الشعر العربي، والمشكلة أن هذا التزوير يتسلح بالسلطة التي تمنحها الدولة والجماعة الشعبية للأستاذ الجامعي، لأنه يقوم بوظيفة مقدسة هي بناء عقول الشباب، وترسيخ قيمة العلم، والتفكير النقدي، لكنه للأسف الشديد يرسخ للجهل والتفكير الخرافي.

الحديث عن قصيدة “لا تصالح” الأصلية باعتبارها من عيون الشعر العربي دفع أحد التلاميذ أو المريدين للبحث عنها، لكنه لم يعثر عليها في  محركات البحث الإليكتروني، وبدلا من الشك في صحة المعلومة، راح يهاجم الأخ (جوجل) وكأنه هو الآخر  تحول إلى خائن عميل، يقول التلميذ المسكين:

“والله يا دكتور حتي جوجل منافق، دخلتُ أطلب قصيدة الامير كليب، وجدتُ الأمور وصلت إلى نفاق أمل دنقل والادعاء بأن قصيدته تكتب بماء الذهب” هكذا يتعجب التلميذ البائس ، فيرد الدكتور مؤمِّنا على كلامه قائلا:  ” معلوم يا أصيل”.

هكذا يخطئ محرك البحث الإليكتروني ولا يخطئ الأستاذ، يخطئ التفكير العقلاني الرشيد ولا يخطئ التخريف طالما خرج من فم الدكتور.

فلنترك مؤامرة السيد “جوجل” جانبا، ماذا تقول المصادر التاريخية المعترف بها؟

**

لقد وردت حكاية الأمير كليب في مصادر كثيرة دون أي إشارة لحكاية القصيدة التي كتبها بدمه، وسوف نذكر هنا بعض المواضع.

يتناول كتاب “أيام العرب في الجاهلية”  واقعة مقتل كليب،  دون إشارة للقصيدة،  نقرأ بالنص: “عطف عليه جسَّاس فرسَه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه، ( والحضن: ما دون الإبط إلى الكشح)، فلما تداءمه الموت قال: يا جساس، اسقني من الماء. فرفض، فالتفت إلى عمرو بن الحارث وقال له: يا عمرو، أغثني بشربة ماء، فنزل إليه وأجهز عليه، وفي رواية أخرى: فاحتز رأسه،  وضرب بهذا المثل فقيل:

المستجير بعمرو عند كربته … كالمستجير من الرمضاء بالنار{1}

كما وردت نفس القصة في كتاب الكامل لابن الأثير مع اختلاف في بعض التفاصيل ولم تذكر أيضا حكاية قصيدة (لا تصالح) الأصلية. {2}

كما وردت في الكتب التي تحتفي بالأدب مثل العقد الفريد، دون حديث عن قصيدة من عيون الشعر العربي كتبها كليب بدمه، يقول ابن عبد ربه: “قَتَل كليب ناقةَ البسوس، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلاه! واجاراه، فأحمست جساسا، فركب فرسا له مغرورا به، فأخذ آلته، وتبعه عمرو بن الحارث ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى ، فقال له: يا أبا الماجدة، عمدت إلى ناقة جارتي، فعقرتا! فقال له أتراك ما نِعي أن أذبَّ عن حماي؟ فأحمسه الغضب، فطعنه جساس فقصم صلبه، وطعنه عمرو ابن الحارث من خلفه فقطع قطنه، فوقع كليب وهو يفحص برجله”{3}

كما وردت القصة في كتاب الأغاني مع اختلاف طفيف جدا، ودون إشارة إلى قصيدة كليب {4} ولو كانت من عيون الشعر العربي لما غفل عنها الأصفهاني.

هناك مراجع أخرى تعبُتُ جدا في الرجوع إليها لأنني عاجز عن تصديق قدرة الأساتذة على الهبد والافتراء والتزوير، وما زلت أتمنى حتى هذه اللحظة وجود قصيدة من عيون الشعر لكليب بن وائل، لأن خطأ إنسان مثلي  هيِّنٌ، أمام الشعور  بجرأة الأساتذة الأجلاء على التزوير بهذا الشكل.

**

قصيدة كليب لا وجود لها في التاريخ، ولو قرأناها في الكتب، وهذا ما يؤكده العقل والمنطق، لقد طُعن الرجل بالرمح طعنة قاتلة، ومات في التو واللحظة، ولم يسمح له بشربة ماء، فكيف يتثنى له كتابة ثلاثين بيتا.

الكتابة الشعرية ليست هينة إلى هذا الحد، والرجل الذي يعاني من ألم في ضرسه لا يمكن أن يفكر في قصيدة من ثلاثين بيتا، لا يمكن أن يبدع بيتا واحدا، لأن الإبداع نشاط خلاق، فما بالك برجل يعاني من طعنة قاتلة.

الطريف أن الرجل في ظل سكرات الموت، يخالف عادة قول الشعر شفاهة في ذلك الوقت،  ويقوم  بتحويل جرحه إلى محبرة، ويغرف منها ليكتب بطمأنينة الفنان الذي يرسم جدارية.

**

لم يعرف أمل دنقل قصيدة لكليب، لكنه عرف السيرة الشعبية التي تتناول قصة الزير سالم، وهي عمل فني متُخيل لراو شعبي مجهول، أخذ حكاية كليب، ولا نقول سرقها، فهذا خطأ، وقام بتحويلها إلى قصة شعبية، وكعادة الفنان الشعبي قام بصياغة بعض الأحداث على هيئة الشعر، وفي هذا العمل المتخيل نجد الراوي يذكر الحدث أولا ثم يعود لصياغة نفس الكلام بشكل شعري، وفي تلك الحكاية الخيالية يقول كليب أكثر من قصيدة بعد طعنه بالرمح.

لا نريد الإثقال بتفاصيل القصة الشعبية، وتهمنا هنا القصيدة التي يدَّعون  سرقتها وتشويهها، حتى نكتشف الجريمة الذهبية التي اقترفها أمل دنقل، وأقول الذهبية لأن الشاعر تفاعل مع تراثه فأعطاه أضعاف ما أخذه منه، يقول الراوي الشعبي:

يقول كليب أسمع يا مهلهل … مذل الخير قهار الأسود

على ما حل من جساس في … طعني طعنة منها يعود

أيا سالم توصى باليتامى … صغار وبعدهم وسط المهود

واسمع ما اقلك يامهلهل …  وصايا عشر افهم الأكيد

فأول شرط أخوي لاتصالح … ولو أعطوك زينات النهود

وثاني شرط أخوي لا تصالح … ولو أعطوك مالا مع عقود

وثالث شرط اخوي لا تصالح … ولو أعطوك نوقا مع كاعود

ورابع شرط أخوي لا تصالح … واحفظ زمامي مع عهود

وخامس شرط أخوي لا تصالح … فإن صالحت لست أخي أكيد

وسادس شرط أخوي لا تصالح … وقد زادت نيران الوقود

وسابع شرط اخوي لا تصالح … واسفك دمهم في وسط بيد

وثامن شرط اخوي لا تصالح … واحصد جمعهم مثل الحصيد

وتاسع شرط أخوي لا تصالح … فإني اليوم في الم شديد

وعاشر شرط أخوي لا تصالح … والا قد شكوتك للودود

وخامس شرط اخوي لا تصالح … وقد زادت نيراني وقود

**

تلك هي قصيدة لا تصالح الأصلية التي اتهموا الشاعر بسرقتها، وللقصيدة صيغ أخرى لا تتطابق مع تلك الصيغة، بل توجد اختلافات بين النسخ، بعضها بسيط مثل تغير ترتيب أحد الأبيات كأن يصبح الخامس هو السادس، أو تغيير بعض الكلمات حيث نجد كلمة “الودود” في صيغة، و”المجيد” في صيغة أخرى،  وبعض الاختلافات كبيرة ، حيث نجد الصيغة مختلفة في القافية، مثل تلك التي تبدأ بقول الراوي الشعبي:

هديتْ لك هدية يا مهلهل عشر أبيات تفهمها الذكاه

أول بيت أقوله استغفر الله إله العرش لا يعبد سواه

وفي تلك الصيغة لا ترد كلمة لا تصالح إلا مرة واحدة.

قصيدة لا تصالح الأصلية لم يقلها كليب، وهي حدث متخيل في السيرة الشعبية، وكعادة الراوي الشعبي في تحويل الأحداث إلى كلام منظوم تم تحويل ذلك الحدث الخيالي إلى كلام منظوم يأخذ شكل الشعر ولا يمكننا اعتباره شعرا، إلا بمفهوم طالب المرحلة الإعدادية عن الشعر، أما  الأساتذة الذين يعتبرونها من عيون الشعر العربي فهم  مطالبون بتقديم أسباب هذا الحكم على الأقل، وإلا فهو انعدام الضمير الأدبي، والتزوير الصريح لتاريخ الشعر العربي وعيونه.

قصيدة (لاتصالح) الأصلية حدث أسطوري يجب فهمه في سياق السيرة الشعبية، وهي لا تعبر عن “كليب” أساسا، بل تهيئ المتلقي لأعمال الزير سالم الانتقامية، وهي قصيدة ضعيفة فنيا، ولا تساوي في جملتها مقطعا واحدا من قصيدة أمل دنقل.

لا تصلح ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

وأثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى

هي أشياء لا تُشترى

**

لقد صارت قصيدة أمل دنقل رمزا لرفضِ التنازل عن فلسطين، وإدانة الرضا عن اغتصابها، وقد شهدت من حفاوة الجماعة العربية ما لم تشهده قصيدة أخرى. والطعن فيها بدون سند علمي طعنٌ في الذات العربية المنكوبة في أبنائها أكثر من نكبتها في حرب 48.

يبقى السؤال مطروحا عن السبب في تلفيق حكاية السرقة، وتزوير تاريخ (عيون الشعر العربي) بقصيدة وهمية، وركيكة جدا. و يبقى السؤال الأكبر، عن أولادنا الذين نتركهم أمانة في يد الأساتذة فيحولونهم إلى كائنات خرافية معادية للعلم والتفكير النقدي، ولا تصلح لمواجهة تحديات العصر الذي نعيش فيه.

الهوامش

1ـ محمد أحمد جاد المولى بك، علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، أيام العرب في الجاهلية، منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت،  ص 146.

2ـ ابن الأثير، الكامل، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1987، المجلد الأول، ص 412.

3ـ ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1404هـ/ 1983م، الجزء السادس، ص 70}

4ـ أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة 1429هـ/2008م، الجزء الخامس، ص 26}

5ـ قصة الزير سالم الكبير، أبو ليلى المهلهل الكبير،  منشورات الجمل، بغداد/بيروت،  2013م

اقرا أيضا:

أمل دنقل: اللص الفاشل والخائن العميل

 

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى