في ذكراه: عندما ثار أحمد بهاء الدين على تقييد حرية الصحافة

مرت يوم الخميس الماضي الذكرى الـ27 لرحيل الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين (1927-1996) الذي تعددت مواهبه واهتماماته ما بين كتابة المقالات في الصحف العربية والمصرية، وتوليه رئاسة تحرير العديد من المجلات منها صباح الخير ودار الهلال والعربي الكويتية.. هنا نتذكر معكم بعض معاركه دفاعا عن حرية الصحافة.

الزمان: مارس 1909

في الخامس والعشرين من مارس 1909 أعادت نظارة بطرس غالي العمل بقانون المطبوعات الصادر عام 1881، والذي كان معلقا منذ عام 1894 وكانت تلك الخطوة تعني العودة إلى مصادرة الصحف وفرض القيود المالية على التراخيص.

قالت الوزارة في قرارها مبررة عودة القانون:”إن الحكومة لم تنفذ منذ سنة 1894 قانون المطبوعات. وقد أدى تعطيل القانون إلى أن الجرائد لم تزد إلا تماديا في التطرف والخروج عن الحدود. وهذه الحالة قد أضرت بمصالح البلاد ضررا بليغا، فقد قرر مجلس النظار أن يعمل بأحكام قانون المطبوعات فيما يتعلق منها بنشر الجرائد في القطر المصري”.

أثار قرار مجلس النظار سخط الرأي العام واندلعت المظاهرات احتجاجا على حرية الصحافة للمرة الأولى في مصر يخرج المواطنين في مظاهرة من أجل الصحافة. وكانت المظاهرة الأولى يوم 26 مارس حيث اجتمع عدة آلاف من الشبان من طلبة المدارس والأزهر ومن مختلف طوائف التجار. واجتمعوا في حديقة الجزيرة وخطب الخطباء في الاحتجاج على إعادة قانون المطبوعات. وبعد أن انتهت الخطب سار المجتمعون في شوارع العاصمة، وانتهت المظاهرة في ميدان الأوبرا.

وتجددت المظاهرات يوم 31 مارس بدعوة من صحيفة اللواء التي كان لها الدور الأكبر في حشد وتجييش الجماهير ضد القانون. وقد بلغ عدد المتظاهرون كما نشر في الصحف وقتها إلى عشرة آلاف شخص من مختلف طبقات الشعب، أسفرت تلك المظاهرات عن القبض على بعض زعماء المظاهرة وقدموا إلى المحاكمة. فيما عرفت وقتها بقضية الحرية وصدر الحكم بحبس أحمد حلمي 6 شهور وكفالة ألف قرش وحبس باقي المتهمين ثلاثة شهور.

الزمان: 1950

في الثاني عشر من يناير 1950 تم قبول استقالة حسين سري باشا وتشكيل الوزارة الوفدية السادسة. وقد خرج النحاس باشا بعد مقابلة الملك وتحدث لمندوبي الصحف قائلا: “لقد خرجت من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك ولساني يلهج بالثناء والدعاء لجلالته لما أفاض به جلالته عليً من عطف وما غمرني به من فضل جزيل وإرشاد كريم طوال مدة تشرفي بالمقابلة السنية”.

وفي اليوم التالي كانت مانشتات الصحف تكتب: “الحكومة تقرر إلغاء الأحكام العرفية”. ومن ضمن ما ترتب على ذلك هو الرقابة على الصحف وكتب في الخبر: “وقد زالت الليلة فعلا كل آثار الرقابة على الصحف. فأصدر معالي فؤاد سراج الدين باشا أوامره إلى جهات الاختصاص في وزارة الداخلية بإخطار جميع الصحف بأن جميع إجراءات الرقابة قد ألغيت. وبأن الصحافة قد استعادت حريتها الكاملة في نطاق القوانين العادية”.

ولم يستمر شهر العسل طويلا بين الوزارة الوفدية والشعب. فقد نشرت جريدة أخبار اليوم في مارس 1951 خبرا يقول إن النحاس باشا يبحث مع فؤاد سراج الدين تعديل المادة 15 من الدستور. وهي المادة التي تنص على: “الصحافة حرة في حدود القانون والرقابة على الصحف محظورة”. وقامت الصحف الوفدية بتكذيب الخبر ولكن التكذيب هو الآخر لم يستمر طويلا. فقد حدث ما لم يكن في الحسبان، يوم 28 يوليو قدّم النائب الوفدي “اسطفان باسيلي” ثلاثة مشاريع  لمجلس النواب تسمح بمعاقبة الصحف بالإلغاء والتعطيل الإداري وتسريع إجراءات محاكمة الصحفيين وكأن التاريخ يعيد أحداث 1909.

وفي اليوم التالي نشرت صحيفة الأهرام ما يلي: “استنكار التشريعات المقترحة لتقييد الصحافة. مظاهرات واحتجاجات من مختلف الهيئات بالقاهرة والأقاليم”. أما صحيفة المصري الوفدية فقد كتبت منددة أيضا بالتشريعات المقترحة: “مشروعات قوانين تقييد الصحافة، الدكتور عزيز فهمي يناشد الأعضاء رفضها لأنها تنطوي على إجراءات خطرة للحد من حرية الصحافة”.

نقابة الصحفيين تتحرك

وعلى الفور قدّم لفيف من أعضاء نقابة الصحفيين مذكرة إلى النقيب طلبوا فيها دعوة الجمعية العامة إلى جلسة غير عادية في أقرب وقت ممكن. لبحث مسألة التشريعات الجديدة التي يراد إصدارها لتقييد حرية الصحافة. واتخاذ القرارات التي تكفل الدفاع عن مهنتهم، ومن ضمن من وقع على هذه المذكرة عبدالرحمن الخميسي وأحمد بشتاق وأبوالخير نجيب وسعد مكاوي وفتحي الرملي ونجيب كنعان ومحمد صبيح وغيرهم.

وتتوالى المانشتات ضد قوانين تقييد الصحافة:

“ثورة البلاد على تقييد حرية الصحافة”.

“نواب الشعب يقررون اليوم إعدام الشعب أو حريته”.

“الهيئات على اختلاف أحزابها وميولها تعارض التشريعات المقترحة وترفضها”.

أحمد بهاء الدين يكتب ضد مشروع اسطفان باسيلي

في ذلك الوقت كان الصحفي الشاب أحمد بهاء الدين، قد بدأ يكتب مقالات في جريدة اللواء الجديد، والتي أصدرها فتحي رضوان في السابع عشر من إبريل 1951. وكانت الصحيفة الجديدة ناطقة بلسان الحزب الوطني الجديد. واتسمت من أول عدد بالجرأة الشديدة في النقد والهجوم على السرايا وحزب الوفد.

وقد كتب في الجريدة كلٌّ من مصطفَى مرعي ونورالدين طراف وسيد قطب وحلمي سلام وغيرهم من كبار الكتاب وقتها، واجتمعوا على العداء الشديد للوفد والسرايا والإنجليز. ظهر العدد الأول من اللواء الجديد بافتتاحية بعنوان: “ولاء العبيد وولاء الأحرار” كتبها مصطفى مرعي. وفي العدد التالي واصل مصطفى مرعي كتابة افتتاحية الجريدة بمقال أشد سخونة من الأول بعنوان “لقد خدع النحاس الشعب وخان عهوده”.

وجد بهاء في الصحيفة الجديدة ضالته في الكتابة السياسية، خاصة أنه كان يكتب من سنوات في مجلة الفصول التي أسسها “محمد زكي عبدالقادر”. وتولى بهاء إدارة تحريرها حينما عمل زكي عبدالقادر في الأهرام، ولكن الفصول كانت لها طابع ثقافي أدبي وبرغم أن بهاء قد جرب فيها الكتابة السياسية، ولكن كانت كتابات هادئة متسقة مع طبيعة المجلة. فأرسل بهاء مقالاته إلى جريدة اللواء الجديد وكان أول مقالاته بعنوان “لا..لا تقتلوا” عن مقتل الملك عبدالله ملك الأردن. وكانت المفاجأة أن فتحي رضوان نشر المقال في الصفحة الأخيرة، وهي من أهم صفحات الجريدة، وكتب تنويها “هذه الجريدة لا تؤمن بالاغتيال السياسي ولا تدعو إليه.. وكاتب هذا المقال يدعم هذا الرأي بوقائع التاريخ الصحيحة”.

وبدأ بهاء مقاله بعبارة “هل نقتل القيصر؟”. كان المقال يتحدث عن القيصر الإسكندر الثاني الذي اغتيل في مارس 1881م على أيدي بعض الثوار في روسيا. فجاء بعده قيصر آخر أقسى وأظلم، وكانت العبرة من وراء المقال هي أن اغتيال الأفراد لا قيمة له. لكن الأهم هو وجود حركة شعبية قادرة على تغيير أو تطوير نظام الحكم.

تقييد الصحافة

كانت الأجواء مازالت مشحونة بقوانين تقييد الصحافة ولم يكن بهاء بعيدا عن مؤامرة تلك القوانين المكبلة لحرية الصحافة. فقد كتب في العدد التالي من اللواء الجديد مقالا عن حرية الصحافة وكان العدد بكامله مشتعلا بهذه القضية. فقد كانت افتتاحيته مقالا كبيرا بعنوان “مذبحة الصحافة” بقلم فتحي رضوان. ثم يكتب حلمي سلام مقالا بعنوان: “متى تنكس نقابة الصحفيين أعلامها؟”، كتب فيه: “أن الصحفيين وأنا واحد منهم يستحقون هذه اللطمة التي ستحطم أقلامهم. فقد أريد بهم السوء فاصطنعوا الصبر ولم يتحركوا وصفعتهم الحكومة على خدهم الأيمن فاصطنعوا الحلم وأداروا لها خدهم الأيسر”.

وكتب سيد قطب مقالا بعنوان “لسنا وحدنا”، قال فيه: “أن خنق هذه الصحف وخنق هؤلاء الكتاب لا يزيد على أن يكون ضغطا للبخار وحبسا للقوة الكامنة والنتيجة معروفة بعد ذلك لا تحتاج إلى تفكير.. ليجرب أولئك الأغبياء أن يعطلوا الصحف ويحطموا الأقلام. وحينئذ سينقلب الكتاب الأحرار دعاة في القرى والكفور والأزقة والحواري محدثين في المجتمعات ودعاة في أوساط الكادحين”.

مقال أحمد بهاء الدين
مقال أحمد بهاء الدين
رفض الوصاية

ويأتي الدور على أحمد بهاء الدين فيكتب مقالا مدافعا فيه عن حرية الصحافة ضد القوانين التي تريد أن تفرض وصاية على المجتمع وترسم أفكاره عنوة، فيكتب بهاء مقالا بعنوان “النظام الاجتماعي المصون”، يقول فيه:” كان هارولد لاسكي يقول أنه من المستحيل أن نرسم خطا أحمر حول ما يسمونه بالأفكار الخطرة يفصلها عن غيرها. وأننا حتى لو أردنا ذلك فأي عبقري هذا الذي نعهد إليه بهذه المهمة بأن يحدد لنا وللناس أجمعين ما يجوز لهم التفكير فيه ومالا يجوز؟ وقد مات لاسكي قبل أن يرى مصر تقوم بهذه المحاولة الفذة بعد أن وجدت عبقريها المنشود في شخص النائب اسطفان باسيلي أو الذين يحركونه. فالحاكمون في مصر يضعون قانونا يرسم للناس حدود تفكيرهم ويحدد لنا النظام الاجتماعي والاقتصادي الحاضر ومقوماته التي يجب أن تبقى مصونة”.

ثم يذهب بهاء لتفنيد هذه القوانين المقترحة وأنها بالطبع لا ترمي إلى حماية النظام الاجتماعي الراهن أنما هي تريد أن تحمى القائمين على الحكم من حتى النقد. ويذهب بهاء ليتحدث عن الحكام المسلمين قديما والذين قرروا قفل باب الاجتهاد. وأعلن فقهاؤهم أن كل مستحدث بدعة ووقفت الشعوب الإسلامية عند حضيضها الراهن ومضى العالم كله إلى الأمام.

قائمة الشرف والقائمة السوداء

وتبدأ الصحف في نشر قوائم شرف للمعارضين لتلك القوانين المشبوهة وقوائم سوداء للمؤيدين لها. وكانت قوائم الشرف تخلو من مصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين، مما أثار استياء النحاس وخاصة أن من نشر تلك القوائم هم الصحف الوفدية وخلت قوائم شرف الصحف من صحيفة البلاغ، والتي وقفت وحدها في مصر دون سائر الصحف في صف التشريعات حتى إدجار جلاد، صاحب جريدة الزمان والجورنال دي إيجبت وقفا ضد التشريعات. فكان وحده محمد عبدالقادر حمزة صاحب البلاغ ونجل عبدالقادر حمزة هو الوحيد في القائمة السوداء للصحف هو وصحيفته. وقد حدث أن المحررين في جريدة البلاغ قد استاءوا لموقف جريدتهم الشاذ الشائن فكتب أحدهم وهو “عماد الدين عبدالحميد” كلمة حرة في صف الحرية وأراد نشرها في جريدة البلاغ ذاتها فاعتذر له محمد عبدالقادر حمزة وعندئذ رأى محرروا الجريدة أن يرسلوا ببرقية إلى نقابة الصحفيين يبرئون بها ذمتهم من موقف جريدتهم الشائن.

شيوخ ونواب الأمة يرفضون تشريعات إعدام الصحافة
شيوخ ونواب الأمة يرفضون تشريعات إعدام الصحافة
نقابة الصحفيين تجتمع وتقرر احتجاب الصحف

في يوم الخميس الثاني من أغسطس 1951 كانت مصر على موعد مع أكبر معركة تتعلق بحرية الصحافة. ووقتها عقدت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين اجتماعا كان الأضخم وقتها في تاريخ النقابة. واتخذت فيه أخطر قرار وهو احتجاب الصحف يوم الأحد الموافق الخامس من أغسطس احتجاجا على هذه التشريعات.

وبشهادة “حافظ محمود” وكيل النقابة وقتها والقائم بأعمال النقيب. فإن الملك فاروق أوعز إلى مستشاره كريم ثابت أن يبلغ حافظ محمود بأن هذه المشروعات سيتم سحبها. إلا أن الجمعية العمومية أصرت على تنفيذ قرارها حتى لا يعودوا مرة أخرى لارتكاب مثل هذا الإثم. وفعلا لم تظهر الصحف في صبيحة يوم الأحد 5 أغسطس على اختلاف ألوانها الحزبية. والطريف في هذه المعركة أن عددا من صحف البلدان العربية أيضا شاركت الصحف المصرية إضرابها تأييدا ومشاركة للصحفيين المصريين في قرارهم.

أحد المانشيتات
أحد المانشيتات
كامل الشناوي يكتب عن احتجاب الصحف

وقبل احتجاب الصحف بيوم يكتب كامل الشناوي مقالا في الأهرام بتاريخ 4 أغسطس بعنوان “مصر بلا صحافة”، قال فيه “غدا تحتجب صحف مصر عن الصدور لتعبر بالصمت عن نفس شعورها الذي عبرت عنه بالكلام. شعور بالسخط والغضب والازدراء نحو الذين أرادوا أن يكمموا الصحافة ويكبلوها بالأغلال. بل أرادوا أن يقطعوا لسان الأمة فلا تتكلم ويمزقوا رئتها فلا تتنفس. غدا تحتجب صحف مصر عن الظهور في أيدي قرائها ولكنها ستبقى في خواطرهم وضمائرهم كما لو كانت في أيديهم”.

ويختتم الشناوي مقاله قائلا: “عندما سكتت الصحف عن الكلام, تكلمت القنابل والمسدسات ووقعت حوادث الاغتيال من مصريين ضد مصريين. فهل يريد العاملون على إلغاء الصحافة بهذه التشريعات وأمثالها أن يثيروا الأمة على نفسها؟ إن كان ذلك فقد استطعت أن أفهم لماذا يريدون لمصر أن تعيش بلا صحافة!”

روزاليوسف في المعركة

معركة كهذه كان لابد أن تكون روزاليوسف – السيدة والجريدة- في طليعتها. فتكتب  السيدة روزاليوسف مقالا ناريا بعنوان: “الفساد الذي تحميه القوانين” كتبت فيه أن الحكومة تقوم بسلسلة من القوانين والقرارات منذ تولت أمر البلاد عقابا للصحافة كلما أدت أو حاولت أداء واجبها. وعقابا للشعب أو الرأي العام كلما أبدى اهتمامه بما يجري باسمه من مهازل وما يرتكب باسمه من جرائم”.

ويكتب إحسان عبدالقدوس مقالا بعنوان: “هذه الحكومة تخاف أن تواجه القضاء” كتب فيه: “أنها حكومة جبانة. فقدت الثقة بنفسها وفقدت الثقة بمبادئها وعجزت عن أن ترد عن حجج خصومها. وعجزت عن أن تجد لها سندا من الدستور أو القانون أو من العدالة. ولم تجد ما تدافع به عن نفسها إلا أن تشرع قوانين تعفيها من الوقوف أمام القضاء. وهكذا بدأت تشرع القوانين الخاصة بحرية الصحافة.”

ويرسم الفنان عبدالسميع كاريكاتيرا يعبر عن الحالة بأن مصطفى النحاس يخنق الصحافة وهو يقول للمصري أفندي: “حرية الصحافة في إيد أمينة”.

المحامون في الميدان

وتدخل نقابة المحامين المعركة ويطالب أعضائها بعقد جمعية عمومية لنقابتهم ليقدم الأعضاء اقتراحا بفصل اسطفان باسيلي، وكيل النقابة وعضو مجلس النواب من نقابة المحامين. لأنه تقدم إلى المجلس بتشريع لخنق حرية الصحافة، كما اتهم الأعضاء اسطفان باسيلي بأنه أساء إلى كرامة المحامين. إذ قبل على نفسه أن يتولى تقديم هذا التشريع الذي يتنافى مع كل معاني الحرية والديمقراطية.

 بهاء يعود للكتابة عن أزمة الصحافة

وتنتصر الصحف في معركتها ولكن بشكل غير كامل. فقد أجبرت البرلمان الوفدي على سحب مشروعين والإبقاء على مشروع واحد فقط من الثلاثة. وهو قانون سرعة المحاكمة في القضايا الصحفية. وكانت بذلك الصحافة ومن خلفها الشعب المصري قد انتصرت للمادة 15 من الدستور والتي تنص على: “الصحافة حرة في حدود القانون، والرقابة على الصحف محظورة. وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور كذلك. إلا إذا كان ذلك ضرورياً لوقاية النظام الاجتماعي”.

ويكتب أحمد بهاء الدين مقالا آخر في اللواء الجديد بعنوان: “عبرة النصر.. ليس دستورنا منحة”، كتب فيه: “أسرع الشعب يريد ممارسة حقوقه التي كفلها له الدستور على حين وجد الوزراء أن في الدستور ثغرات منها ينفذ الأحرار وتتنفس حركات المقاومة. فأسرعوا يسدونها بعشرات القوانين والقرارات، قانون أنباء الجيش لكي لا يعرف الناس كيف تنفق عشرات الملايين. بعد أن فتحت قضية الأسلحة الفاسدة عيونهم. وقانون منع نشر أنباء الإضرابات حتى لا يشعر الناس بحركات الألم والغضب التي تغلي هنا وهناك.

وأخيرا قوانين الصحافة لقتل المجلات الحرة التي أضاءت في هذا الليل البهيم فأيقظت النائمين وفضحت اللصوص. غير أن الشعب استيقظ ولم يترك لهم الفرصة ورفض بأعلى صوته ما زعموه له بأن الدستور منحة. وخاضت الصحافة والرأي العام معركة حاسمة قتلت تلك التشريعات في مهدها. وأعادت كتابة المادة 15 من الدستور من جديد”. ويختتم بهاء مقاله بأن المادة 15 من الدستور قد كتبت من جديد وأصبح لها المعنى الحقيقي لا ما رآه الحاكمون. فهي اليوم حق أخذه الشعب لنفسه ولم يتصدق به أحد وتلك هي عبرة النصر الذي أحرزه.

وكان بهاء قد اكتوى بتقييد حرية الصحافة حينما أحيل إلى نيابة الصحافة. بتهمة التحريض على قتل الملك فاروق بعد مقاله “لا..لا تقتلوا”. حيث فهم من المقال أنه يحرض على العنف السياسي. وكاد أن يسجن لولا قيام ثورة يوليو وسقوط كافة القضايا الخاصة بتلك التهم.

الدولة الحائرة بين سامية جمال وثريا سالم

بفعل تلك القوانين المشبوهة التي تنال من حرية الصحافة كان الشارع المصري يغلي وكان البرلمان مشتعلا بمناقشة تلك القوانين. حتى الصحف الوفدية وقفت ضد إرادة رئيس الحزب ولكن كانت الدولة متمثلة في السرايا حائرة في أمر آخر تماما وهو اختيار راقصة مصر الرسمية. وهل تكون سامية جمال أم ثريا سالم، وتلك القضية كانت الشغل الشاغل لكريم ثابت المستشار الصحفي للملك فاروق. فيعقد اجتماعات مكثفة مع عبدالفتاح حسن باشا، كي يختاروا من الراقصة التي ستمثل مصر في أوروبا. ومن مآسي القدر أنك تجد بجانب عناوين تظاهرات حرية الصحافة الغاضبة والصاخبة عنوان: “اجتماع هام بين كريم ثابت وعبدالفتاح حسن لاختيار راقصة مصر الرسمية”. وكانت وزارة الداخلية قد ترددت في إصدار جواز سفر للراقصة ثريا سالم. التي وقع عليها الاختيار لتكون راقصة مصر الرسمية عام 1951. وتمثل مصر في الحفلة الساهرة الكبرى التي تقام في مدينة كان بفرنسا. ولكن في آخر لحظة حدثت تطورات انتهت بأن عدل عبدالفتاح حسن باشا عن موقفه ومنعت الراقصة من السفر. وقد سمحت وزارة الداخلية للراقصة سامية جمال وفرقتها الموسيقية بالسفر إلى فرنسا لإحياء بعض الحفلات هناك.

الزمان: 1995

“هذا قانون معيب.. معيب في شكله ومضمونه معيب في توقيته وأهدافه. ومن هنا وجب الوقوف ضده والتصدي له والعمل لإسقاطه. وإسقاطه اليوم قبل الغد في صالح النظام وأهله والقائمين عليه. كما أنه في صالح الديمقراطية والحرية والصحافة التي نريد أن نكسر قيودها لا نزيدها تقييدا”. افتتاحية صحيفة الأهالي 21 مايو 1995.

هل يعيد التاريخ نفسه بدلا من المرة الواحدة مرات عديدة؟

هذا ما حدث في مايو 1995 عندما أصدر مجلس الشعب القانون رقم 93 لسنة 1995 الذي غلظ العقوبات في جرائم النشر. وألغى ضمانة عدم حبس الصحفيين احتياطيا في هذه الجرائم.

وليعيد التاريخ نفسه بعد 44 عاما من قوانين الوفد. وتنتفض نقابة الصحفيين لتدعو إلى اجتماع طارئ في العاشر من يونيو 1995 احتجاجا على صدور القانون. ويعاد نشر قوائم الشرف وقوائم العار وكأننا أمام نسخة جديدة من قوانين اسطفان باسيلي. وهذه المرة كانت قوائم الشرف هم النواب الذين صوتوا ضد خنق الصحافة وهم خالد محي الدين، ولطفي واكد، والبدري فرغلي، وكمال خالد، ومحمد شعبان ومختار جمعة.

قائمة العار

وامتنع عن التصويت النائبان فكري الجزار وجلال غريب ولم يكن بالقاعة أثناء التصويت سوى 45 نائبا. أما قائمة العار فكانت نواب الحزب الوطني الذين تحدثوا في جلسة تمرير القانون والذين رفعوا أيدهم بالموافقة على خنق الصحافة. وشملت القائمة أيضا اثنين تحدثا أمام الرئيس في عيد الإعلاميين هما، ثروت أباظة ومصطفى نجيب.

وعادت للأجواء سيرة اسفطان باسيلي لتكتب صحيفة الأهالي أن أصحاب قائمة العار اختاروا أن يسيروا على نهج اسطفان باسيلي. ويرسل هيكل كلمته التاريخية لتلقى أمام الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين. وفيها يصف الاجتماع بـ”حشد قتال” وأن القانون يعكس أزمة سلطة شاخت في مواقعها وهي تشعر أن الحوادث تتجاوزها. وتعيد كلمة هيكل إلى الأذهان المقالات الافتتاحية التي كان يكتبها مصطفى مرعي في اللواء. وتحتجب الصحف احتجاجا على القانون كما احتجبت سابقا احتجاجا على قوانين 1951. وكأن الأحداث تعاد وأبطالها ما يزالون يكتبون ماعدا واحد هو أحمد بهاء الدين. والذي كان غائبا عن الوعي منذ فبراير 1990 لا يدري أن المعركة التي خاضها كأولى معاركه الصحفية عام 1951 تتكرر. وهو غير قادر على إبداء رأيه وهو الذي سخًر قلمه طوال حياته مدافعا عن حرية الصحافة ودفاعا عن قدسية القوانين وعدم انتهاكها لأغراض سلطة.

اقرا أيضا:

ملف| أحمد بهاء الدين.. جماليات الكتابة الديمقراطية


للاشتراك في خدمة باب مصر البريدية اضغط على الرابط التالي:

Babmsr Newsletter

النشرة الإخبارية الشهرية
النشرة الإخبارية newsletter

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر