حكاوي

أبوفياض: خط الصعيد الجديد بين نار الدولة وجنة القبيلة

من مجرد سائق تاكسي بسيط، تحول أبوفياض إلى أسطورة ذات وجهين متناقضين، لقد صار أسطورة من أساطير الجريمة في الصعيد يلعب بالآر بي جي، والقنابل اليدوية، وفي نفس الوقت صار أسطورة من أساطير النبل والشهامة.

وعبر هذا التناقض الصارخ بين وجهي العملة الواحدة، تظهر أسئلة كثيرة تتعلق بالصياغة الصعيدية المتكررة لحكاية (اللص الشريف) أو (السفاح النبيل)، كما تتعلق بقضايا أخرى مثل طبيعة العلاقة بين ثقافة الدولة وثقافة القبيلة، أو حالة التفكير  العقلاني الرشيد في صراعه مع التفكير الخرافي والسحري.

عاش أبوفياض حياة عادية في مسكنه الكائن بناحية الأشراف الغربية، وهو ينتمي إلى قبيلة تتميز بطابعها الديني القوي، حيث تكتسب هويتها من الانتماء إلى آل البيت، كما تتميز بصلتها القوية بالدولة، وينتمي إليها زعيم الأغلبية في مجلس النواب الحالي.

أي أننا أمام حالة يُفترض نظريا أنها تتمتع بقدر من الوقاية الدينية يبعدها عن التورط في دعم قاتل، وقدر من الولاء للدولة يبعدها عن التورط في دعم خارج عن القانون.

حكاية أبوفياض

كان أبوفياض من المسجلين كأشقياء خطرين (فرض سيطرة)، وكان محكوما عليه بالإعدام، بخلاف أحكام أخرى بالسجن والمؤبد في سبعة عشر جناية، لكن حياته خرجت من ظلالها المعتمة وصارت حدثا كبيرا بسبب تصرفاته الأخيرة.

لقد قام بقتل زوجتيه وابنته (12 سنة) وظل في بيته مع بقية أولاده بعد وضع الجثث في إحدى الغرف، وقد رفض السماح لأقارب زوجتيه بأخذهما لدفنهما، كما رفض دفنهما بنفسه، على النحو الذي شكل لغزا لم يتم حله حتى الآن.

تناقضت الأخبار بشأن تحديد فترة بقائه في المسكن مع جثث أسرته المتحللة، وقد وصلت الفترة وفق إحدى الروايات إلى حوالي أربعة أشهر، لكن الأمر لا يمكن حسمه إلا بمعرفة الطب الشرعي الذي لم ينته بعد من إعداد تقريره.

روايات متعددة

لا أحد يعرف سبب ارتكاب تلك الجريمة الأسرية البشعة، ولا توجد رواية رسمية، لكن هناك رواية محلية متداولة تحكي عن قيام القاتل بإحضار شخص سوداني إلى بيته، وتوثيقه بالحبال بسبب خلافات على ذهب، إلا أن ذلك السوداني تمكن من الهرب، وأتهم أبوفياض زوجتيه بتهريبه، وبسبب غضبه الشديد قام بقتلهما.

كما قام لاحقا بقتل البنت الصغيرة بسبب بكائها المتواصل على أمها، كما تذهب الروايات إلى أن أهل القتيلتين لم يقوموا بالإبلاغ لفترة طويلة بسبب خوفهم منه، وتهديده بقتل أي شخص يقترب من البيت.

بلاغ أهل القتيلتين أخيرا، كان سببا في إعداد حملة مكبرة لاستهداف المنزل، وتم تدعيم ذلك السبب ببلاغ آخر من أهلية الحلاق الخاص بأبي فياض، لقد اتصل به هاتفيا منذ أسبوع، وطلب منه الحضور إلى بلدته كي يقوم بقص شعر أولاده، لكن الحلاق لم يذهب.

ثم اتصل به ثانية فذهب مسرعا وقام بقص شعر الأولاد، وكان أبوفياض غاضبا جدا لأن الحلاق أهمله لمدة أسبوع، فأجلسه على أحد المقاعد وقام بتوثيقه بالحبال، واتهمه بأنه أبلغ الشرطة عن حكاية زوجتيه، وأخبره بأنه سوف يحتفظ به في البيت.

حملة أمنية

وفْق البيان الصادر بشأن الواقعة تم استهداف منزل المذكور، وحال اقتراب القوات، ومشاهدته لها، بادر بإطلاق أعيرة نارية تجاهها فبادلته القوات بالمثل، وأسفر ذلك عن مصرعه.

وبتفتيش مسكنة عثروا على “مدفع آر. بى. جى، و2 دانة، و 2 رشاش، و8 بنادق، و2 طبنجة، و4 قنابل يدوية محلية الصنع، و4 هواتف، وكمية كبيرة من الذخائر مختلفة الأعيرة، وصديري مضاد للرصاص، ومنظار معظم.

كما عثرت القوات على كمية من مخدر الشابو تزن حوالى كيلو جرام، وأربع سيارات (إحداها مُبلغ بسرقتها) ودراجة نارية وزجاجة تحوى مادة “الزئبق”، و كمية من البارود الأسود، ومبلغ مالي. كما عُثر بداخل إحدى الغرف على ثلاث جثث متحللة، تبين أنها لزوجتيه وابنته، و تم إنقاذ الحلاق.

تلك هي تفاصيل الحكاية المتاحة حتى الآن، وهي قليلة قياسا بالأحداث الرهيبة التي تحتوي عليها، ومع ذلك تظل كافية جدا لرسم صورة واضحة لمجرم شديد الخطورة يستحق لقب السفاح والخط وغيرها من الأوصاف.

وتبلغ درجة الوضوح حد الشعور بالغرابة الشديدة حين تظهر على استحياء صورة أخرى لإنسان طيب وشهم ونبيل، لكن الصورة الأخرى لا تظهر على استحياء، بل تزاحم بقوة شديدة لتطمس صورة السفاح، وتُبقي فقط على صورة الشهم النبيل.

إهانة القبيلة

لا تتوقف الغرابة عند هذا الحد، حيث لا يوجد حديث عن براءة المجرم من التهم المنسوبة إليه، بل يتم الاعتراف بصحة ارتكابه لها، وفي نفس الوقت، يتم رفض وصفه بالمجرم، واعتبار ذلك الوصف إهانة للقبيلة بأسرها.

والغريب أيضا، هو انتماء الضحايا إلى نفس القبيلة، لا إلى قبيلة أخرى يمكن اعتبار العدوان عليها انتصارا في ظل التعصب القبلي.

لقد شاهدنا في السابق صورا كثيرة لتحول المجرم إلى بطل شعبي، لكنها كانت حالات بسيطة قياسا بتلك الحالة، رأيناها مثلا في شخصية أدهم الشرقاوي، المجرم بالنسبة للإنجليز والبطل بالنسبة للمصريين، وهي بسيطة لأن الفرق شاسع  بين عين المحتل الإنجليزي وأعوانه، وعين الفلاح المصري صاحب الأرض.

التحول في شخصية الشرقاوي سهل ومفهوم، وجاء في صورة مقنعة، مصري مقابل أجنبي محتل، أما تحول أبوفياض فهو غريب، لأنه قتل أبناء عمومته، ولم يستغرق التحول أي وقت، لقد ظهر في نفس لحظة موته، كما لو كان جاهزا، لقد تدفق لا شعوريا في المقام الأول، واندفع بعزم الوجدان القبلي.

لكنه أعتمد على عدة أساليب قامت بتوظيف طقوس النعي والجنازة ونشر الحكايات ومقاطع الفيديو المضادة، ونجحت تلك الأساليب في طمس أو خلخلة صورة السفاح وفرض صورة البطل الشعبي.

صحيح أنها واجهت صنفا من الناس لم يتأثر بها، بل سخر منها، وحذر من تشجيع الشباب على الاقتداء بالقاتل واتخاذه مثلا أعلى، لكن يوجد صنف من الناس تأثر بتلك الأساليب ضاربا عرض الحائط بالوقائع المأساوية والأحكام القضائية، وسوف نتوقف في فرصة أخرى عند تلك الأساليب المؤثرة.

اقرأ أيضا

محافظ قنا في القرية الدامية: مبادرة طيبة ونتائج سلبية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى