دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«مسجد زغلول».. مئذنة للصلاة ورمز مقاومة رشيد

لا يقتصر تفرد «مسجد زغلول» بمدينة رشيد على انحناءات مئذنته أو عراقة أحجاره، حيث يعود تاريخ بنائه إلى العصر المملوكي فحسب، بل تتعاظم القيمة التاريخية للمئذنة حين نستدعي صدى “صيحات التكبير” التي انطلقت في مارس من عام 1807، كإشارة لبدء حركة مقاومة شعبية في مواجهة حملة إنجليزية على مصر.

في رشيد، لم تكن المئذنة مجرد منصة لرفع الأذان للصلاة، بل كانت برج مراقبة وقبلةً للمقاومة، إذ تحول المسجد من دار للعبادة إلى غرفة عمليات أدارت انكسار حملة إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

“مآذن رشيد”.. أبراج مراقبة وبريد بالنيران

يقول الدكتور السيد أحمد بشير، مفتش آثار رشيد: “لمآذن المساجد مهام وظيفية أساسية، أولها إنشائي. إذ تشير إلى طراز البناء والإقليم الذي بني فيه المسجد، والمهمة الأساسية هي رفع الأذان للصلاة. قديما، كان لها دور إضافي يتمثل في التنبيه عند وقوع هجوم عسكري أو حدث مكروه للحاكم”.

ويضيف: “يقال إن الخبر كان ينتقل بين الإسكندرية وطنجة في ليلة واحدة. حيث تقاد نار معينة فيراها المسجد التالي على الخريطة فيشعل ناره بدوره، وهكذا ينتقل الخبر بين المدن من خلال المآذن”.

زغلول.. ديوان المدينة

بحسب الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف، تعود البدايات الأولى لبناء المسجد إلى عام 995هـ/ 1587م. حين أسس السيد نصر الدين زغلول الجزء الجنوبي منه في العصر المملوكي. إلا أن البناء مر بثلاث مراحل معمارية متعاقبة: أولها في العصر المملوكي المبكر على يد شخصية يُعتقد أنها فيروز الصلاحي. تلاها توسع مهم عام 1549م على يد علي زغلول. ثم المرحلة الأخيرة في القرن السابع عشر، حين أضاف محيي الدين عبد القادر القسم الشرقي والمئذنة الشرقية.

ويمتد المسجد على مساحة تقارب 5300 متر مربع، ليكون أكبر مساجد رشيد. ويتكون من 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، دعامات ضخمة تشبه في ترتيبها وتصميمها جامع الأزهر الشريف. وتعلوها قباب صغيرة عثمانية الطراز.

وعلى جانبيه مئذنتان؛ إحداهما في الجهة الشرقية مكتملة، والأخرى في الجهة الغربية لم تكتمل بفعل قصف قوات حملة فريزر الإنجليزية سنة 1807م. بعد أن انطلقت منها شرارة المقاومة بقيادة الشيخ حسن كريت ومحافظ رشيد آنذاك علي بك السلانكلي. حيث صدحت التكبيرات “الله أكبر” لتدوّي في أرجاء المدينة.

مئذنة المسجد.. تصوير: محمد عوض
مئذنة المسجد.. تصوير: محمد عوض
ترميم يوثق المعركة 

يقول السيد بشير، مفتش آثار رشيد لـ«باب مصر»: “عندما بدأ ترميم مئذنة مسجد زغلول، أبقيت بشكلها المشطوف توثيقا لواقعة القصف ودلالاتها التاريخية. ولا نستطيع الجزم بشكلها القديم قبل القصف، لعدم وجود صور توثق شكل المبنى، كما أن للمسجد مئذنة أخرى مفككة حاليا تخضع للترميم”.

ويشرح بشير طراز بناء المساجد برشيد قائلا: ” تتميز مساجد المدينة بالطراز المملوكي المحلي، المعروف بنظام القلل. وتظهر في اللوحات القديمة بقاعدة حجرية مربعة يعلوها شكل ثماني أسطواني، بطابقين أو ثلاثة، تعلوه قلة المئذنة. بينما يعتمد سقف المسجد على القباب”.

ويضيف: “تأثر بناء مساجد رشيد بالطراز العثماني في مسجدين فقط. هما حسن كرد بابا بقلعة رشيد، ومسجد أبو النضر بتل أبو مندور، وهو مسجد حديث نسبيا بناه الخديوي عباس حلمي الثاني”.

من أعلى تل أبو مندور 

يجاهد محمد وجيه، مرشد سياحي محلي بمدينة رشيد، وهو يصعد  على رمال تل أبو مندور. ثم يقف على قمته وهو مشيرا إلى أطلال حصن قديم يخضع حاليا لأعمال حفريات جديدة، قائلا: “هنا نرى أطلال حصن قديم ومخازن غلال بنيت مع دخول الإسلام إلي مصر. استخدم الفرنسيون الحصن حين أقاموا حامية لهم أثناء الحملة على مصر. ومن بعدهم الإنجليز في قصف المدينة واستهداف المسجد”.

ويضيف: “انتقاما من صيحة الجهاد، نصب الإنجليز مدافعهم فوق تل أبو مندور، ووجهوا قذائفهم مباشرة نحو مئذنة المسجد. سقط الجزء العلوي منها، وبقيت قاعدتها وبدنها المشطوف”. ويبتسم وجيه قائلا: “على التل بقيت أطلال الحصن. بينما رممت المئذنة لتكون شاهدة على معركة غيرت طريقة تفكير المصريين بأنفسهم تجاه الحاكم المحتل”.

تشير الوثائق التاريخية إلى أن المقاومة اعتمدت خطة استدراج محكمة. حيث أُخليت الشوارع، فظن الإنجليز أن المدينة استسلمت. وما إن انتشر الجنود الإنجليز في الطرقات الملتوية، حتى انطلقت إشارة الهجوم من فوق مئذنة مسجد زغلول. كان نداء “الله أكبر.. حي على الجهاد” هو الشرارة التي دفعت الأهالي وأفراد الحامية المختبئين فوق أسطح المنازل وخلف المشربيات إلى إمطار الجنود بوابل من النيران. ما أدى لمقتل 170 وجرح 250 وأسر 120 من الحملة.

أطلال حصن تل أبو مندور.. تصوير: محمد عوض
أطلال حصن تل أبو مندور.. تصوير: محمد عوض
صمت الأطلال 

على عكس صمت الأطلال فوق تل أبو مندور، يرى محمد وجيه أن المئذنة لم تكن مجرد هدفٍ عسكري للمدافع البريطانية. بل كانت محاولة لكسر روح مقاومة المدينة وكبريائها. إلا أن تهدمها ما زال يذكر أهل رشيد بقيمة المسجد.

يقف أحمد العجواني في صحن المسجد، قائلا: “المسجد ده زي الجامع الأزهر في القاهرة. هنا تجمع الشيخ حسن كريت وعلي السلانكي والجنود عشان يكتبوا خطة مقاومة الإنجليز، والمئذنة دي طلع عليها الأذان وصيحة الجهاد”. ويضيف: “المسجد ده له تاريخ كبير بنفتكره في كل صلاة فيه”.

حين يوثق الترميم الحدث  

في عام 2005 بدأ مشروع  ترميم المسجد، لكن الجدل الأكبر كان حول المئذنة: هل يُعاد بناؤها كما كانت، أم تُترك كما قصفها الإنجليز؟

تبنى قطاع الآثار وجهة نظر “توثيق الواقعة”، فتم ترميم المئذنة بشكل “مشطوف” أو مائل عند القمة. ورغم انتقادات بعض الأكاديميين، مثل الدكتور محمود درويش، أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآداب- جامعة المنيا، الذي رأى في ذلك تغييراً للهوية المعمارية للأثر، إلا أن الرد الرسمي للدكتور أسامة طلعت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، أكد أن الترميم تم بناءً على التوثيق الفوتوغرافي لثلاثينيات القرن الماضي، ليظل شكلها “المبتور” رمزاً للفخر القومي لأهل رشيد.

المئذنة اليوم لا ترفع الأذان فحسب، بل ترفع تذكرة دائمة بليلة كان فيها الحجر هدفاً للمحتل.

صلاة في ساحة المسجد.. تصوير: محمد عوض
صلاة في ساحة المسجد.. تصوير: محمد عوض
صحوة المحكومين: من الرعوية إلى المواطنة

في كتابه  “صحوة المحكومين“، يحلل محمود حسين – اسم مستعار للكاتبين بهجت النادي وعادل رفعت- دلالة هذه اللحظة التاريخية، إذ يرى المؤلفان أن أحداث رشيد في معارك المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين عام 1801 والإنجليز عام 1807 شكلت بداية انكسار “قدسية السلطة” المملوكية والعثمانية. فحين عجز الحكام الأجانب عن حماية الأرض، انتزع أهالي رشيد زمام المبادرة.

وكان مسجد زغلول، الذي وصفه الدكتور سعيد رخا، مدير متحف رشيد القومي في كتابه  “مدينة رشيد في عيون الرحالة والمستشرقين” بأنه “أزهر رشيد” لثقله العلمي، وهو المنبر الذي تبلور فيه هذا الوعي الجديد. لم تعد المقاومة دفاعاً عن “سيد”، بل دفاعاً عن “وطن”، وهو التحول الذي أسس لمفهوم المواطنة الحديثة في مصر.

اقرأ أيضا:

«حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

«السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.