«مدار الحمل» لعلاء خالد: غياب الغياب
«بعد فقدك قرابة 30 كيلو جراما في عمليتك الأخيرة، تلقي نظرة جانبية أثناء الاستحمام على جسدك في مرآة الحمام.. تضحك ساخرا على هذا الميت المستقبلي، وعن طرافة لقائه في الحمام وسط الأبخرة المتصاعدة، هذا الشبح العابر للأزمنة، المصور الهاوي الذي رأى العائلة وأخذ صورة لها، حتى قبل أن يولد».
عالم مألوف
“مدار الحمل” هي الرواية الخامسة للكاتب والشاعر علاء خالد. صدرت عن دار المرايا عام 2026. الرواية ما زالت تدور في عالم علاء الذي يألفه قراءه، والذي تناول جوانب منه في أعمال نثرية وشعرية سابقة. ولهذا يميل البعض بوصفها رواية ذاتية.
ولأنها كتبت ببناء يتجاوز سرد أحداث مترابطة ظاهريا، يسهل تصنيفها للبعض من استنباط حكايتها، والتي أرى أن جماليات صياغتها تفوق الأهمية التقليدية للحكاية. فإن كانت مدار الحمل أول عمل تقرأه لعلاء خالد، يمكنك تقدريها بدون معرفة مسبقة بالكاتب أو أعماله السابقة.
إشكالية “الذاتية”
لا أحبذ وصف عمل فني بالذاتية لسببين. الأول أن الوصم يهيئ المتلقي بتفاعل مشروط. في هذه الحالة سينتبه إلى المحتوى ويتساءل حول علاقته بالواقع، وربما حول معالجته في الوسيط الفني. سيطغو حديث عن الفارق بين العالمين وسيتوحد الراوي، أو الشخصية الرئيسية في بعض الحالات، مع المؤلف. وتهمل جماليات العمل خارج المضمون.
السبب الثاني، هي أني أوافق مقولة المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني بأن كل الفن ذاتي. يمكن الاستدلال على هذا بالمقارنة بين فيلمين. فيلمه «8 ونص» الذي يقوم فيه مارسيللو ماستورياني بدور مخرج عالق بين مشروعه القادم وبين ذكرياته وأحلامه. فيلم داخل فيلم. مرآة اعترافية للمخرج المؤلف.
وفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» لستيفن سبيلبرج. ابن مهندس الكمبيوتر وعازفة البيانو الذي خلف انفصالهما أثر عميق داخله. جمع بينهم في لقاء المخلوقات الفضائية بالبشر في نهاية الفيلم بنغمة موسيقية مشفرة بدلالات حسابية ولغة الإشارة، ترجمت لإحداثيات موقع اللقاء ورسالته.
لا أعتقد أن “الذاتية” وصف دقيق لأي عمل فني. فهو إعادة بناء ومنظور مختلف. رؤية تتجاوز العابر ويستوقفها جمال به. قد يتسع مصدر المحتوى من التجربة الشخصية وحتى الخيال العلمي. لكنه يظل بمثابة خام يخضع لعملية تلقيح وتصميم تتنهي بمنتج يعبر عن شيء أكثر من مجرد مجموع محتوياته.
صوت السرد
اختار الكاتب صوتا غريبا يباعد بينه وبين الشخصية الأساسية. يكتب بضمير المخاطب. صوت يذكر الشخصية بما حدث، وكيف كان شعوره وقتها. يواجهه بما امتعض عن النطق به، ويواسيه بعد المصارحة والاعتراف. يسير معه في مراحل مختلفة زمنية وإدراكية. يذكره بالزمن الذي يبدو وكأنه فاق تراتبيته، ويكشف له عن علاقات بين اللحظات صاحبة الوقع في نفسه. الإخلاص هنا للأحاسيس أكثر منه للأحداث التي خلفتها.
“كان الدافع الأول لكتابة هذه الرواية تقصي إحساس المرارة الذي بدأ يفرض نفسه على حياتك، تغير الدافع في الطريق. تتبعت المرارة عبر جهاز الرنين المغناطيسي، الخاص بك، الذي دخلت فيه مرارا، للكشف عن مكان الخلايا القابلة للانقسام السريع، أصبحت وظيفته الكشف عن خلايا المرارة التي تخللت شبكة هذا النسيج الروحي واختلطت بذاكرته”.

الإدراك والقلق
قام عالم النفس السويسري جان بياجيه بتفكيك مراحل الإدراك من خلال عدة مفاهيم. أصبحت أساس الفلسفة البنائية التي وظفت في التعليم الحديث. تبدأ باللبنات المعرفية التي يتفاعل معها كل تلقي. مخزون التجارب الأولية. يستقبل المعلومة الجديدة ويحاول تفسيرها. إن وافقت المسبق دمجها مع المشابه. وإن خالفته بحث عن الملائمة لتعديل المعرفة وإضافة بقعة للمختلف. عند مرحلة ما من النضج، يتبلور توازن عقلي لتحقيق درجة ما من استقرار بين ما نختبره وما نعرفه.
قد تكون هذه المرحلة هي ما تستدعي القلق أو الجزع. لحظة التباعد بين الموضوع وبين مدركه التي تسمح بالتفسير. تحفزها مواجهة غير محسوبة، تحصر المسافة، تمحو غياب التأمل. يرهبنا غياب الغياب كما وصفه عالم النفس الفرنسي جاك لكان. والتحسب للفارق الذي قد تؤول إليه محاولة التوفيق. بين الفكرة الهائمة وتشكيل هيكل وسياق يكسبها معنى وصياغتها في شكل خارجي.
مواجهة الموت
بدأت هذه المواجهة في بداية الكتاب، عندما تضاءلت المسافة بين الشخصية الرئيسية وبين الموت. في زيارته للمقابر أو مروره ناحيتها، وفقدان صديق بمرض مشابه لمرضه. وبرز سؤال حول الوعي ومصيره. فيعود الكاتب ويبحث عن نقاط ويوصلها ببعض. في الطريق يقاوم الألم والضغينة، وصياغة تسوية جديدة بينه وبين الاختياري، وحتى القهري.
“تظل الطفولة الزمن الذهبي الذي تود أن تعيش فيه، وتعود إليه، ولكن بعقل رجل ناضج، فجمال الطفولة، بكل سماحتها، ليس فيها، ولكن في تذكرها فيما بعد”.
عاد الكاتب ليبدأ من الطفولة، وبداية كل شيء، الاستيعاب والموائمة. أرجعته معدته بعد عملية الاستئصال إلى معدته التي أساء لها بأدوية تحفذ الإسهال حتى يغيب عن الدراسة. وهمه بدخول حمام بيتهم فقط وما ترتب على ذلك من لحظات عصيبة اضطر بها إلى مقاومة قضاء حاجته حتى يصل للبيت.
لا يلتزم علاء بخط زمني تراتبي. يتحرك بخفة في الزمن، وقد يكون العامل شخصية أو فكرة. يستحضر في البداية شخصية الأخ ومواقف من طفولتهما، ثم يتتبع الأخ حتى وفاته. أو يبدأ بيوم استقالته ويتأمل علاقته بالمشي، ثم يربطه بأمه المشاءة الأولى في الأسرة، والأخ الذي كانت رحلته الطويلة سيرا على الأقدام بداية تمرده، وصولا إلى زمن أقرب إلى الكتابة يذكر الراوي الشخصية الأساسية بمشيه الطويل في سيوة بعد وفاة والده.
الوعي بالزمن
يستعرض الكاتب مراحل الإدراك والوعي بالزمن. الزمن الذي انتبه لقيمته عندما اكتشف تسرب دماءه. فكان الغياب مذكرا بالوجود. والزمن المفقود يستوجب التوثيق بعدما ذكر الصوت البطل بسلوكه الهروبي. اعتياده السرحان والهرولة، التي وصفها كما وصف مرضه بالهليهلية. والذي تخلل مرحلة أخرى في هواية المشي وتدخين البانجو. بعد أن استقرت هذه المسافة بينه وبين الوقائع، بات هناك ما يزيد وعيه بالزمن كمفهوم.
عندما استغرق في العمل اليدوي، وتصفية الذهن من الماضي والمستقبل، كانت الشخصية حاضرة في اللحظة الآنية بكل حواسها. وكان هذا بمثابة تدريب على تمهيل سيولة الحياة، وتأمل انعكاساتها علينا.
“الآن بعيدا بنحو 30 عاما عن هذه البدايات، والسنين التي مرت سريعا بحق، سرعة لم تشعركما بقوة ما حدث ولا اليد العليا التي مزجت بحرفية بين هذه المعجزات، لم تمنحا الفرصة لتتذوقاه بتمهل يساوي ما بذلتماه من أجله. تحاول استرجاع هذا المذاق، وفك وصلات هذا الزمن المضغوط طاويا معجزة حياتكما: أن تظلا معا”.
القصاصات والأحجار
يقترب من التحقق عندما هوى حفظ مشاعر وليدة لحظات. تدوين انطباعات وسطور في قصاصات. مثل الزوجة التي اعتادت الاحتفاظ بأحجار من رحلاتها. القصاصات والأحجار التي تحمل ذكريات نخاف أن ننساها، أو أن تضيع عند غياب الوعي ومفارقة هذا العالم. تحل الكتابة في هذا الدور. كفعل توثيق، ومقاومة.
تصبح عودة للوعي وإعادة قراءة، أو كما ذكرت مسبقا إعادة بناء للتجربة. محاولة لاستخلاص معنى من كل هذا العبث، وبحث عن نمط ومنطق.تعيد الكتابة استدراك الذات. تتحقق الغاية وقتما تنتهي الرحلة إلى حالة من الرضا والتسامح مع ما مضى، وما سيمضي.وتحفظ النتيجة بين دفتي الكتاب.
اقرأ أيضا:
«هامنت» لـ«كلوي چاو»: ثنائية الحياة والموت في فيلم يعيد تعريف شكسبير



