دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ماذا تعني الأغنية؟.. مقاربة في أعمال ليلى مراد وعبد الحليم حافظ

تحت عنوان «ماذا تعني الأغنية؟» قدمت شبكة آمون لدراسة العلاقة بين الأدب والسينما سيمينارا بمشاركة فريدريك لاجرانچ، أستاذ الدراسات العربية في جامعة السوربون بباريس. يطرح لاجرانچ سؤالا يبدو بسيطا لكنه عميق الدلالة: “ماذا تعني الأغنية؟”، وينطلق منه ليقدم مقاربة بالعربية لفقرتين من دراسة كتبها بالفرنسية حول عدد من الأغاني المصرية الشهيرة، مقدما هذه المقاربة أمام جمهور مصري وقراء لا يتشاركون الخلفية الثقافية ذاتها.

زاوية مشروعة

أدارت اللقاء د. سلمى مبارك، أستاذ الأدب المقارن والأدب والفنون بقسم اللغة الفرنسية وآدابها بكلية الآداب – جامعة القاهرة. وترى أن هذه الدراسة تنبع من قناعة أساسية مفادها أن زاوية النظر التي ننطلق منها لقراءة أي عمل فني زاوية مشروعة بالضرورة، بل هي ما يمنح البحث خصوصيته. فلكل باحث خلفياته وتجربته وحساسيته الجمالية التي تشكل طريقته في الفهم. وحين يتعلق الأمر بالموسيقى والفن، وبالإحساس الذي يخلقه العمل الفني، تتعدد القراءات بتعدد الأفراد، إذ لا يتلقى شخصان العمل بالطريقة نفسها.

وترى مبارك أن العمل الفني لا يكتمل إلا بفعل التلقي. فالنص، من دون قارئ أو مستمع يفسره ويعيد تأويله، يظل منقوصا. ومع كل قراءة جديدة يولد العمل من جديد، في سياق مختلف ووفق ذائقة مغايرة. فلكل قراءة شروطها التاريخية والثقافية التي تمنحها معناها الخاص.

سياقات تاريخية واجتماعية

في هذا الإطار، تشير د. سلمى إلى أن وضع الأغنيتين موضوع البحث في سياقات تاريخية واجتماعية، رسمية وغير رسمية، أضفى بعدا ثريا على فهم كلماتها والأصوات المتعددة التي تتكلم داخلهما. وهو منهج يقوم على رد العمل إلى سياقه، والنظر في الخطابات التي تحيط به: كيف يتبناها؟ كيف يعارضها؟ وكيف يعبر عنها من خلال شكله ومضمونه؟ وهو منهج يمكن تطبيقه على أغنية كما على فيلم أو عمل أدبي. إذ تتقاطع هذه الرؤى النظرية في مقاربة النصوص الفنية على اختلاف أنواعها.

أما فريدريك لاجرانچ فهو أستاذ الدراسات العربية في جامعة السوربون بباريس، ومدير مركز “سيداج” للدراسات. وتشمل اهتماماته البحثية تاريخ الموسيقى في مصر المعاصرة، وعلم اللهجات العربية، والرواية العربية الحديثة. وتتناول أحدث أعماله الدراسات الثقافية عند مفترق الطرق بين دراسات النوع الاجتماعي واللغويات والثقافة الشعبية. ومن أحدث مجلداته المحررة: “ثقافة البوب في مصر، بين التيار التجاري السائد والتنازع” (2020). و”كلمات الرغبة: لغة الإيروتيكية العربية وترجمتها” (2020). وهو أيضًا مترجم للأدب العربي، الكلاسيكي والمعاصر. ومن آخر ترجماته إلى الفرنسية رواية عُطَارد لمحمد ربيع (2021).

ماذا تعني الأغنية؟

في البداية، يرى لاجرانچ أن الأغنية كثيرا ما تصنف باعتبارها منتجا ثقافيا خفيفا لا ينتمي إلى ما يسمى بالثقافة الرفيعة أو النخبوية. وأن وظيفتها الأساسية تبدو محصورة في الترفيه.

ويقول: “حين تندرج الأغنية ضمن الثقافة السائدة، تتحول إلى جزء من المشهد اليومي المألوف. فلا ينتبه المتلقي عادة إلى ما وراء لحنها وكلماتها. ولا إلى تقنيات أدائها أو صورها المصاحبة إن كانت مصورة. تصبح الأغنية، بهذا المعنى، جزءا مكملا للديكور وحياة المتلقي اليومية”.

ويشير لاجرانچ إلى ميزة خاصة في تقديم ورقته أمام جمهور مصري. إذ أن الأغنيتين اللتين يتناولهما -“اللي يقدر على قلبي” لـ “ليلى مراد” و”دقوا الشماسي” لـ”عبد الحليم حافظ” – راسختان في الذاكرة الجمعية. لذلك فهو لا يحتاج إلى تشغيلهما أو استعادتهما صوتيا، بل يكتفي بالحديث عنهما. معتمدا على حضورهما الحي في وجدان المستمعين.

اللي يقدر على قلبي

تطرق لاجرانچ إلى أوبريت «اللي يقدر على قلبي» من فيلم “عنبر” (إنتاج عام 1948). ويوضح التحليل أن البطلة التي تحمل نفس اسم الفيلم “عنبر”، فتاة حسناء تجسدها ليلى مراد. وهي ابنة باشا يُحتجز مع ابنته من قبل عائلتهما التي تسعى للاستيلاء على ميراثهما. وكان الباشا قد أخفى خريطة تشير إلى مكان كنزه – مجموعة من المجوهرات الثمينة- داخل ثوب اشتراه رجل يدعى أنور وجدي، النجم الرئيسي في الفيلم.

ويشير إلى أن النقطة المهمة في القراءة تكمن في أن الأغنية تقع تحت علامة الاستبدال والإرث المتنازع عليه، قائلا: “إن أردنا تخطي الحبكة الخيالية والصيغة الفكاهية التي صيغ بها العمل. فإن للمشهد قيمة رمزية، سواء أكانت مقصودة أم لا”.

عائلة الباشا المحتجز

الفرضية التي ينطلق منها تقوم على وجود توازٍ بين تنازع أفراد عائلة الباشا المحتجز (الذي أدي دوره عبد الوارث عسر) حول إرثه. وتنازع المتقدمين للفوز بلقب ليلى مراد في الأوبريت. وثانيا، أن هذا الإرث المتنازع عليه ليس إرث الباشا، ولكن إرث الطبقة التي يمثلها، بل وإرث البلاد. وبالتالي قيادة البلاد في وقت كانت تسلم فيه روحها للطبقة الارستقراطية.

ويستكمل: “تتأهب الأمة لنقل إرثها إلى من هو أهل للأخذ بيدها. وتمثيل الأمة في صورة فتاة يتنازع عليها الراغبون في الزواج كليشيه عابر للثقافات. وقد تجلى ذلك في الأدب العربي في شخصية “سنية” التي يتنازع عليها الراوي محسن في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم. أو لاحقا في شخصية “زهرة” خادمة البنسيون في رواية “ميرامار” لـ نجيب محفوظ”.

احتضار الملكية المصرية

يشير فريدريك لاجرانچ إلى أن سنة 1948، التي عرض فيها الفيلم، كانت سنة مفصلية في التاريخ المصري. إذ بدت فيها بوادر احتضار الملكية. ففي ذلك الوقت كان الملك فاروق قد فقد كثيرا من هيبته، وبدأ يعرض عن إدارة شؤون المملكة واتخاذ الإجراءات الإصلاحية اللازمة. وهو ما شكل خلفية سياسية لا يمكن فصلها عن تلقي العمل فنيا ورمزيا.

ويلفت لاجرانچ إلى أن بطلة الفيلم، وهي ممثلة يهودية الأصل. كانت قد اعتنقت الإسلام في ديسمبر 1947 بعد زواجها من أنور وجدي، وأعلنت إسلامها عام 1948. وهي السنة نفسها التي عرض فيها الفيلم، بالتزامن مع حرب فلسطين.

أبعاد رمزية

يرى لاجرانچ أن أداءها في الأوبريت يكتسب بعدا رمزيا. إذ تمثل الأمة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، كان فيها مجرد الاشتباه في التعاطف مع الحركة الصهيونية كفيلا بتعريض صاحبه لمخاطر حقيقية. ويضيف أن الممثلة نفسها لم تسلم من الشكوك بعد بضع سنوات. وهو ما أسهم في اعتزالها لاحقا، وكأن رسالتها الفنية كانت قد اكتملت، فآثرت الانسحاب تاركة صورة رمزية لم يمسسها سوء.

كما يتوقف لاجرانچ عند شخصية الباشا العجوز في الفيلم، معتبرا إياها تمثيلا لطبقة أرستقراطية تبحث عمن يستحق إرثها. وتسعى إلى نقل المشعل إلى جيل آخر، وربما إلى فئات تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة.

ويضيف: “غير أن هذه الطبقة، كما يلاحظ، لا تبدو ضمن الخيارات المطروحة أمام عنبر في الأوبريت. إذ يتردد إليها عدد من الخاطبين الذين يمكن قراءتهم بوصفهم ممثلين لفئات اجتماعية متعددة. ومن ثم، فإن بحثها عن خطيبها الغائب، عن الحبيب المجهول يتجاوز الإطار العاطفي”.

انتظار الخلاص

يتابع فريدريك قراءته، معتبرا أن كلمات الأوبريت يمكن فهمها بوصفها تعبيرا عن شكل من أشكال الخضوع الاجتماعي والعاطفي. وعن انتظار الخلاص على يد الزعيم، وترقب الآفاق المشرقة التي سيأتي بها. وعلى حد وصفه، فإن الحب هنا لا ينفصل عن المخيال السياسي، ولا عن فكرة المنقذ الذي يحمل وعد المستقبل.

ويشير إلى أن المتقدم الأول لعنبر هو الممثل الكوميدي ومغني المونولوجات إسماعيل ياسين. حيث يجري التأكيد بوضوح على الطابع الهزلي للمشهد، سواء من خلال الأداء أو عبر الموسيقى المختارة له. فالشخصية لا تقدم بوصفها خيارا جديا، بل كاحتمال ساخر يجري استبعاده منذ اللحظة الأولى.

ويضيف لاجرانچ أن هذا النمط الاجتماعي الذي تمثله الشخصية هو ابن أحد أعيان الريف، وريث أمه لا وريث أبيه. كما توحي العبارة: “ماما سابت لي في البلد أطيان كتير مالهاش عدد”.

فالنص، في رأيه، يقلل من رجولة الشخصية، ويصورها بوصفها “ابن أمه” أكثر من كونها امتدادا لسلطة الأب. كما تبدو مستعدة لإهدار العزبة والريع الثابت. وهكذا تصبح طبقة أعيان الريف، في هذا التمثيل، عاجزة عن تقديم نموذج قيادي مقنع.

الشاعر حسين السيد

يتوقف فريدريك لاجرانچ أيضا عند مؤلف الكلمات، حسين السيد، ابن طنطا، الذي كان في العقد الرابع من عمره حين كتب هذا الأوبريت. ويشير إلى أنه اضطر، بعد وفاة والده، إلى التخلي عن طموحاته الجامعية والعمل في تجارة العائلة. ولا سيما في مجال توريد الغذاء للجيش والريف.

ويرى لاجرانچ أن هذه الخلفية الاجتماعية تفسر معرفته الدقيقة بطبقة أعيان الريف وحدودها، وربما إدراكه أنها. كما تظهر في الأوبريت، غير مؤهلة للفوز بقلب ليلى أو بزمام البلاد.

وفي هذا السياق يستحضر لاجرانچ صورة الإقطاعي الساخر التي قدمها نجيب الريحاني في مسرحية كشكش بيه. حيث تبدو الشخصية الريفية الارستقراطية خالية من الصفات المطلوبة للقيادة الحديثة. وعاجزة عن تمثيل طموحات الأمة في لحظة تاريخية دقيقة. ويرى أنه من الطريف إدخال حسين السيد اللغة الإدارية ومصطلحاتها في كلمات الأغاني. فكما لا تُخاطب الفتاة بلغة الإدارة، لا تُخاطب الأمة بلغة تكنوقراطية.

مبادئ الاشتراكية

ننتقل، في قراءة فريدريك لاجرانچ ، إلى تمثيل الطبقة الكادحة في الأوبريت. فشخصية شكوكو، ابن البلد الذي ينافس إسماعيل ياسين، تقدم نفسها بوصفها “أمينا ومدردحا وأدرجيا”. استطاع أن يبني من الفول والطعمية أربع عمارات.

و”الأدرجي”، كما يوضح لاجرانچ، هو الشاطر في التجارة والأعمال اليدوية. فيما يشكل الفول والطعمية طعام الطبقات الشعبية بامتياز. وتوحي الشخصية بأن أفكارها قريبة من الاشتراكية، مؤمنة بالمبادئ الاقتصادية السائدة آنذاك. وترى في العمارات رمزا مباشرا للثراء والترقي الاجتماعي.

غير أن زواج ليلى من شكوكو، في هذا السياق، يبدو زواجا غير متكافئ الأطراف. فالارتباط ببائع متجول، مهما بلغت ثروته، لا يجعله في المخيال الاجتماعي “ابن ناس” بالمعنى التقليدي. أي منتميا إلى طبقة تملك الشرعية الرمزية للقيادة أو التمثيل.

غياب الأفندية

أما المتقدم الثالث فهو الموظف الصغير، الأفندي المتواضع. ويرى لاجرانچ أن المنتجات الثقافية الشعبية تصلح مؤشرا لقياس صورة هذه الفئة في لحظة تاريخية معينة. ففي عام 1948 لم تعد مصر تعيش لحظة صعود الأفندية.

ويتابع: “الممثل هو عزيز عثمان، هو في حد ذاته ظاهرة لافتة. إذ إنه نجل الملحن محمد عثمان، الذي ارتبط اسمه بعبده أفندي الحامولي. ويقدم الفيلم دليلا على التراجع التدريجي في قيمة الموظف الحكومي، الذي صار أسير الرواتب والمكافآت. فيما توحي نظرات الشخصية بعدم اكتراثه بعالم الراقصات أو بالإغراءات المحيطة به”.

قراءة مغايرة

المرشح الرابع هو الشامي، غير أن رمزيته، في تحليل لاجرانچ. تبدو أقل كثافة من سابقيه، ولا تحمل الثقل الاجتماعي أو السياسي ذاته. وفي النهاية، فإن خيار ليلى مراد، بوصفها مصر الرمزية، يقع على عازف البوق الذي يؤدي دوره أنور وجدي. ويختم المشهد على إيقاع موسيقى السوينج الأمريكية الصاخبة.

ويرى لاجرانچ في هذا الاختيار إشارة دالة: فأمريكا، عام 1948، تقدم بوصفها الحل. والخيار الصحيح موسيقيا وثقافيا وسياسيا، من خلال تبني حداثة أجنبية تبدو قادرة على إعادة تشكيل الأفق المصري.

أبي فوق الشجرة

انتقل لاجرانچ إلى عرض قراءته لفيلم أبي فوق الشجرة، مشيرا إلى أن العمل كان من إنتاج شركة خاصة يملكها بطله عبد الحليم حافظ، وهو ما يعكس تحولا لافتا في موقع الفنان داخل صناعة الترفيه.

ويقول: “لم يعد مجرد مؤدٍ، بل صار منتجا وصاحب قرار اقتصادي”. ويرى لاجرانچ أن ذلك إشارة إلى الأهمية المتزايدة لصناعة الأغنية، وإلى تمكين الفنان داخل المنظومة الثقافية”.

كما يذكر بالعلاقة الوطيدة التي جمعت عبد الحليم حافظ بالموسيقار محمد عبد الوهاب في سياق المرحلة الناصرية.

القطاع العام والسينما

يلفت فريدريك لاجرانچ إلى أن الدولة، في تلك المرحلة، كانت قد أحكمت قبضتها على قطاع واسع من البنية التحتية الثقافية. فقد اشترى القطاع العام عددا من دور العرض في القاهرة والمحافظات، بما سمح له بالتحكم في توزيع الأفلام. وفي عام 1969 بدأ ثروت عكاشة عهده الثاني في وزارة الثقافة، موجها السياسات نحو قدر أكبر من الإنتاجية والجودة. وكانت الدولة تشرف كذلك على تصدير المنتجات الثقافية وتمويل الأعمال.

ويشير إلى أن تصوير الفيلم جرى في استوديوهات القاهرة التي أنشأتها الهيئة العامة المصرية عام 1964، وأدارها جمال الليثي، وكذلك في “استوديو النحاس”، وهما مؤسستان تابعتان للدولة. ومن ثم يرى لاجرانچ أن هذا العمل، رغم طابعه الترفيهي، يرتبط بعلاقة وثيقة بالدولة.

دلالة أيديولوجية

صدر الفيلم في فبراير 1969، وهو في ظاهره عمل ترفيهي بحت. غير أن لاجرانچ يؤكد أن الأعمال الترفيهية لا تقل، من حيث الدلالة السياسية أو الأيديولوجية، عن الأفلام الجادة التي أنتجت في الفترة نفسها، مثل شيء من الخوف، والمومياء، وميرامار، وهي السنة نفسها التي شهدت تصوير فيلم “الأرض”.

ويلاحظ لاجرانچ أن الفرق الموسيقية شهدت تراجعا بالتزامن مع هيمنة الأفلام الغنائية، غير أن “أبي فوق الشجرة” شكل استثناء بارزا. ومن أهم أغنياته “قاضي البلاج” التي تمتد لنحو ثلاث عشرة دقيقة، في دلالة على مركزية الأغنية داخل البناء الفيلمي، وعلى قدرتها على حمل العرض والاستعراض معا.

الثورات الطلابية

يرى فريدريك لاجرانچ أن صورة الطلاب في الفيلم تختلف عن صورة الطلاب الحقيقيين الذين خرجوا إلى الشوارع عام 1968، رغم خطاب النقد الذاتي الذي قدمه جمال عبد الناصر وممثلو الاتحاد الاشتراكي. وشجعتهم الثورات الطلابية في أوروبا، وهي مفارقة تختلف عن طلاب الفيلم.

وهنا تكمن المفارقة: طلاب الواقع كانوا يعبرون عن احتجاج فعلي، بينما طلاب الفيلم يقدمون صورة مغايرة، أقرب إلى نموذج احتفالي بالحياة.

رسالة موجهة

يشير لاجرانچ إلى أن هؤلاء الشباب على الشاشة بدا وكأنهم موجهون أيضا إلى دول الجوار وإلى العدو، في رسالة مفادها أن البلاد لم تهزم، وأنها ما زالت تنبض بالحياة وهي المركز الرئيسي للحداثة العربية. ويظهر ذلك من خلال الألوان الزاهية.

ويلفت إلى أن الفيلم تناول موضوعا سياسيا حساسا في حينه، هو “المحاكمات”. فالجزء الأول الطويل يقوم على محاكاة ساخرة، حيث يؤدي عبد الحليم حافظ تارة دور المتهم وتارة أخرى دور القاضي، في معالجة كوميدية لموضوع بالغ الجدية.

ويذكر لاجرانچ أن كلمات هذا المشهد كتبها مرسي عزيز، ولحنه منير مراد، الذي يعيدنا اسمه إلى عالم شقيقته ليلى مراد، وقد عرف أيضا ممثلا وملحنا ومخرجا مساعدا. ويحدد لاجرانچ ثلاثة عناصر أساسية في هذا التابلوه: أولا، الشباب بوصفه فكرة وأيديولوجيا قائمة بذاتها، ثانيا، تصوير العلاقات بين الفتيان والفتيات في مناخ من التحرر النسبي، وثالثا، رمزية الصيف ومتعة الشاطئ باعتبارهما فضاء للانطلاق والحلم.

كما تتضمن الأغنية أصواتا متعددة، رغم هيمنة صوت عبد الحليم حافظ، وتتنوع أنماطها الموسيقية، وتؤديها أكثر من فرقة كبيرة، بخلاف الفرقة التي كانت تصاحب أم كلثوم، وهي “الفرقة الماسية”.

طبقات دلالية

يقدم لاجرانچ تحليلا لمشهد “قاضي البلاج” مبينا أنه يتكون من ثلاثة أجزاء مترابطة، تكشف في مجموعها عن طبقات دلالية تتجاوز الطابع الكوميدي الظاهر.

في الجزء الأول، يتقدم عبد الحليم حافظ إلى “قاضي البلاج” طالبا منحه صفة “المصيف”. وبعد مرافعات يغلب عليها الطابع الفكاهي، توجه إليه النيابة اتهامات ساخرة، منها ارتداء ملابس السباحة دون إذن قبل تثبيت وضعه كمصيف، وعدم إحضار الكعك، بل والمبالغة في حب المزاح. هنا تتحول المحاكمة إلى لعبة لغوية تستعير شكل القضاء لتفريغه في قالب استعراضي مرح.

في الجزء الثاني، تظهر فتاة جامعية تشكو من أن والدها ما زال يعتبرها قاصرا، في تعبير واضح عن مطلب تحرري. ويصدر الحكم بتحديد عمرها بخمس سنوات فقط، بما يعني تكريس الوصاية عليها ورفض نزعتها الاستقلالية. ويلاحظ لاجرانچ أن هذه الصورة تتقاطع، على نحو ساخر، مع مطالب الطلاب الحقيقيين في تلك الفترة، الذين كانوا يطالبون بمساحة اكبر من الحرية والمشاركة.

وصاية مزدوجة

أما في ما يتعلق بالمؤسسة الزوجية، فيرى لاجرانچ أنها تقدم بوصفها شكلا من أشكال الوصاية المزدوجة. ويستدعي نص الأغنية تصورا شعبيا شائعا مفاده أن النساء يصبحن قوامات على الرجال بمجرد الزواج، في قلب هزلي للأدوار التقليدية.

ويعمل عبد الحليم، في المشهد، على تأجيل مطالب “المدعين الجدد” إلى “الصيف الماضي”، في عبارة ساخرة تلغي الطلب عبر ترحيله إلى زمن منقض. كما يرد ذكر “المعقدين والمعقدات”. في إشارة تدل، بحسب لاجرانچ، على انتشار مفردات التحليل النفسي في الترجمات العربية حينها.

ويخلص لاجرانچ إلى أن الشباب في هذا التابلوه ليسوا مجرد أجساد راقصة، بل أصحاب خطاب أيضا. فحتى حين ترفض حججهم ويحكم عليهم القاضي، فإنهم يعبرون عن أنفسهم لا كأفراد متفرقين، بل ككتلة ذات مطالب اجتماعية واضحة.

مقاربة تلقي العمل

يرى فريدريك لاجرانچ أنه لا يوجد تلقي “مشروط” أو “غير مشروط” بالمعنى الصارم، لكن ما يهمه هو إمكانية مقاربة تلقي العمل في زمنه، ثم إعادة قراءته خارج ذلك الزمن. كيف استقبل الجمهور الفيلم عند صدوره؟ وكيف كان يمكن أن يفهم بعد سنوات قليلة؟ وكيف نراه نحن اليوم؟

ويطرح سؤالا منهجيا أساسيا: هل تؤثر معرفتنا بما جرى لاحقا في طريقة قراءتنا للعمل؟ وهل نحاكمه على ضوء ما نعرفه من نتائج تاريخية لم تكن متاحة وقت إنتاجه؟

ويعتبر لاجرانچ أن الفيلم يمكن النظر إليه بوصفه نصا ثبوتيا يعكس قيما بعينها: قيم الأسرة المصرية سنة 1969، أو صورة الشباب المسؤول كما أرادت الثقافة السائدة أن تقدمها. فموضة الاستحمام في البحر لم تكن جديدة حينها، بل شاعت منذ عقود في أوساط الطبقة الوسطى، وكان الاصطياف على شواطئ البحر الأبيض المتوسط حاضرا بقوة في الواقع كما في المنتجات الثقافية. ومنذ عشرينيات القرن الماضي ظهرت صور عديدة لملابس السباحة على الشواطئ.

الشخصيات النسائية والشاطئ

يذكر فريدريك لاجرانچ أن أغنية منيرة المهدية “يا محلى الفسحة في راس البر” كانت تحتفي بثقافة الاصطياف، كما صورت أم كلثوم على الشاطئ، وظهرت أمينة رزق بملابس السباحة، وروجت السينما بدورها لهذا النمط البرجوازي الذي ازداد انتشارا.

ويردف أن من أوائل الشخصيات النسائية التي ظهرت على الشاطئ في الأدب يمكن العثور عليها في قصة قصيرة لـ إبراهيم المازني، بما يؤكد أن الفضاء الساحلي صار علامة ثقافية قائمة بذاتها.

غير أن ما يثير اهتمام لاجرانچ في أوبريت “دقوا الشماسي” هو شبكة المفارقات التي يحملها. فالمشهد يقدم الاختلاط والتعري النسبي بوصفهما علامة على حداثة عربية تتصدرها مصر، لكنه في الوقت نفسه يجرد هذا الاختلاط من عنصر التوتر الجنسي الصريح.

ويختتم حديثه: “صحيح أن هناك رمزية جسدية واضحة، غير أن المشهد لا يبنى على الإثارة، بل على الاحتفال الجماعي بالحياة. بل إن ظهور السيقان النسائية فيه أقل بكثير مما يمكن أن نجده في مشهد حب على الشاطئ في فيلم رومانسي تقليدي”.

اقرأ أيضا:

صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات

حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

عشرات الآثار المصرية تغادر المتحف البريطاني للهند.. وحجر رشيد في الواجهة| ما القصة؟

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.