مأذنتا «نصر الدين» و«وضاح».. وثائق حجرية تحكي تاريخ الواحات
تعد مأذنتا مسجدي «نصر الدين» و«وضاح» في قرية القصر الإسلامية بمحافظة الوادي الجديد نموذجا قديما وفريدا يحافظ على الهوية المعمارية للواحات المصرية. يجمع أسلوب بنائهما بين فترتين زمنيتين مختلفتين، ما يجعلهما وثيقة حجرية نادرة تروي تاريخ المنطقة.
مئذنة نصر الدين: المفارقة المعمارية الخالدة
تعد مئذنة نصر الدين «أيقونة» قرية القصر بمركز الداخلة، محافظة الوادي الجديد. حيث لا تزال تحتفظ بتخطيطها العمراني منذ القرون الوسطى.
يقول الدكتور محمود مسعود، مدير عام الآثار الإسلامية بمركز الداخلة لـ«باب مصر»: “تمتاز مئذنة نصر الدين عن غيرها من مآذن مصر بأنها تصنف كأقدم مئذنة باقية في الوادي الجديد. حيث شيدت في العصر العثماني (القرن 11 أو 12 الهجري)، إلا أنها بنيت هندسياً على الطراز الأيوبي”.
وأشار مسعود إلى أن هذا المزج يعكس استقلالية المعمار الواحاتي وتأثره بالموروث القديم أكثر من تأثره بالطراز السائد في العاصمة إسطنبول أو القاهرة آنذاك. ووصف المئذنة بأنها ترتفع لنحو 21 متراً. وتتكون من قاعدة مربعة، يعلوها جسم مثمن. ثم جسم أسطواني، وتنتهي بالخوذة الخشبية (الجوسق)، وهو التقسيم الكلاسيكي للمآذن الأيوبية. مما يؤكد عراقة الأصول المعمارية في هذه المنطقة.

تقنيات البناء من خامات البيئة
من جانبه، تناول ياسر حنفي، مفتش الآثار الإسلامية بقرية القصر، الجانب التقني والإنشائي لهذا الصرح. مشيرا إلى أن المئذنة ومسجد وضاح المجاور لها شُيدا بالكامل من خامات البيئة المحلية، وتحديداً «الطوب اللبن». مدعوما بجذوع النخيل وأخشاب الدوم التي استخدمت كروابط خشبية لتقوية الجدران. وزيادة قدرتها على تحمل الارتفاعات الشاهقة وعوامل التعرية الصحراوية.
وأكد مفتش الآثار أن مئذنة نصر الدين لم تكن مجرد بناء ديني لرفع الأذان فحسب، بل كانت تؤدي وظيفة مدنية هامة. حيث استخدمت كفنار بري وعلامة بصرية للقوافل التجارية القادمة عبر دروب الصحراء، لترشدهم إلى موقع القرية ومكان الراحة.
كُتاب «نصر الدين».. التعليم فوق السحاب
في سياق متصل، ألقى الدكتور محمود مسعود الضوء على التخطيط الوظيفي للمجمع، مشيرا إلى وجود مدرسة أو كتاب ملحقة بمسجد نصر الدين. وهو نمط معماري ذكي استغله البناؤون القدامى.
وقال مسعود: “رفع المسجدين، وضاح ونصر الدين، إلى الطابق العلوي كان يهدف لعدة أمور. أهمها توفير الهدوء اللازم لطلبة العلم بعيداً عن صخب الشارع داخل القرية التي ما زال أهاليها يسكنون فيها حتى الآن. بالإضافة إلى الاستفادة من تيارات الهواء الباردة في الأعلى لتلطيف درجات الحرارة القاسية صيفا”.

مسجد وضاح.. القلب الروحي
أكد مفتش آثار القصر الإسلامية، ياسر حنفي، أهمية مسجد الشيخ وضاح الملاصق للمئذنة. والذي يشبه مئذنة الشيخ نصر الدين في الطراز المعماري الأيوبي، مؤكدا أنه يمثل جزءاً لا يتجزأ من النسيج العمراني للمنطقة.
وأضاف أن المسجد ما زال يصلي فيه أهالي القرية حتى اليوم. ويحرصون على الحفاظ عليه باعتباره إرثا كبيرا ورثوه عن أجدادهم. كما أشار إلى أن النقوش الكتابية الموجودة على الأعتاب الخشبية للمسجد والمئذنة لا تزال مقروءة بوضوح، وتحمل آيات قرآنية وتواريخ البناء. مما يجعلها وثائق تاريخية دامغة تساعد الباحثين في تأريخ تطور العمارة في القرية بدقة.
اقرأ أيضا:
«تمور الوادي الجديد».. إرث أصيل يزين موائد رمضان
من مسرح «هيبس» كانت البداية.. ختام ملتقى «واحات الفن والإبداع» بالوادي الجديد



