دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«قنا» تتزين بالذكر والمزمار والخيول في احتفالات مولد «أسد الصعيد»

على مدار 15 يوما، تعيش مدينة قنا أجواءَ جميلة مع احتفال مولد سيدي عبد الرحيم القنائي، الملقب بـ«أسد الصعيد»، الذي يتوافد إليه الآلاف من مختلف أنحاء الجمهورية. تتحول الأزقة والشوارع خلال هذه الفترة إلى مشاهد من الذكر والتواشيح والمدح، ويكتمل الاحتفال بحلقات المرماح، وعروض رقص الخيول على نغمات المزمار البلدي، وخدمات الطعام والشراب المقدمة للزوار، في لوحة حية تعكس التمسك بالتراث القنائي الأصيل.

أصوات جديدة على الساحة

تكشف تلك الموالد عن أصوات جديدة على الساحة وتعيد إبراز أصوات قديمة تتألق في سماء المدح والإنشاد. كما شهدت الأزقة حضور أنواع مختلفة من المريدين، من بينهم أطفال ينشدون في حب رسول الله. ولم يخلو شارع أو ميدان من المحبين والزائرين، ففي الشارع الرئيسي في الليلة الأخيرة تُمنع أي سيارة من المرور بسبب كثرة الازدحام.

لا يقتصر المولد على الزائرين المعتادين على حضوره منذ عشرات السنين. بل يأتي إليه البائعون من كل مكان، يبيعون السبح ذات الأشكال والألوان المختلفة. وحبات البخور التي تنتشر رائحتها في كل خدمة تُقدم وداخل أرجاء المسجد والأضرحة. ولا يقتصر البيع على السبح والبخور، بل يصيح آخرون يبيعون العصا المزينة. والعصا المستخدمة في المرماح والتحطيب، والشوم الصعيدي. وكذلك حلويات المولد التي افترشت شوارع قنا، ويُقبل على شرائها الكثير من المواطنين.

مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي من الخارج.. تصوير: أسماء الشرقاوي
مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي من الخارج.. تصوير: أسماء الشرقاوي
خدمات المولد

هذا المولد، لا يقتصر على حلقات الذكر والتواشيح والمدح في كل زقاق من شوارع المدينة. بل توجد أيضا خدمات يقدمها المريدون، وتعني التبرع بالأكلات المختلفة في أماكن مخصصة. يتم خلال هذه الخدمات توزيع البليلة بالشوربة والطبيخ. واللحوم العجالي والضاني، والأرز باللبن المزين بالزبيب وجوز الهند. والفول النابت، والفاكهة المختلفة، والعصائر.

وتنقسم الجهة الجنوبية لمنطقة السيد إلى حارات ضيقة، تحتوي على منافذ لأبواب تضم غُرفا واسعة من البيوت القديمة المبنية بالطوب اللبن. يقيم فيها المريدون لتقديم خدمتهم في حب رسول الله وآل البيت. ويجودون بما أنعم الله عليهم من نفحات للمسافرين والزائرين، والفقراء والمساكين طوال فترة المولد. الذي يعتبر بمثابة عيد بالنسبة لهم.

ولا تقتصر الخدمة على تقديم الطعام فقط، بل تشمل المشروبات الدافئة في الشتاء كالشاي والقهوة واليانسون والكركديه. والمشروبات الباردة في الصيف كالكرديه البارد، وعصير المانجو، وقمر الدين، والدوم البارد، وغيرها.

نقيبة ثلاثة مقامات

تقطع أم الحسن والحسين، مئات الكيلومترات من قرية بهجورة بنجع حمادي، لتؤدي الخدمة في مولد سيدي عبد الرحيم. وهي نقيبة ثلاثة مقامات: الأمير حمد، والشيخ حسين، وسيدي السحاري، وتنتمي إلى الطريقة البرهامية.

تأتي أم الحسن إلى هذه الخدمة منذ خمسة عشر عامًا، ومعها أبناء الطريقة. وتقيم في إحدى المنازل القديمة عدة أيام لتقديم الطعام والشراب الذي يحبه مريدو آل البيت. ولا تقتصر زيارتها على مولد سيدي عبد الرحيم، بل تقضي نفس المدة في مولد أبو الحسن الشاذلي، ومولد إبراهيم الدسوقي. مقدمة نفس الخدمات تقربًا لآل البيت وحبا للرسول صلى الله عليه وسلم، وحفاظًا على طقوس المولد.

كما تعقد جلسات من الذكر والمديح وتسبح معهم طوال الليل لجذب محبين ومريدين آخرين، العابرين لزيارة المكان.

الشيخ طه النعماني ومحافظ قنا يحيون حفل ليلة النصف من شعبان بمولد سيدي عبد الرحيم القناوي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
الشيخ طه النعماني ومحافظ قنا يحيون حفل ليلة النصف من شعبان بمولد سيدي عبد الرحيم القناوي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
حلقة رقص الخيل 

عند السير في شوارع خلف مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي، على مسافة أقل من نصف كيلومتر، تجد مكانا فسيحا يخدم فيه آل عبد الباسط. حيث تقدم خدمة خفيفة من نوع مختلف، ليس للطعام بل لتقديم الشاي للزائرين. بينما يشاهدون رقص الخيالة على نغمات المزمار البلدي.

يدخل الخيال، مزينًا حصانه، في حلقة دائرية، ويبدأ بالرقص على أنغام المزمار التي يعزفها مجموعة من الرجال مرتدين الجلاليب والعمامات الملونة. جالسين على كنبات وكراسي تشكل حلقة دائرة لمشاهدة الرقصات.

يقوم آل عبد الباسط بهذا التقليد منذ أكثر من 20 عامًا. ويدعون الخيالين من القرى والبلدات المجاورة ليشاركوا الفرح في تلك الليالي.

مشاركات الخيالة

يقول بدري عبد الكريم أحمد، خيال من مركز قفط، إنه جاء بخيله للمشاركة في حلقات المرماح ورقص الخيول بعد تلقي الدعوة. حيث يجلس على أحد الكنبات المتراصة، وينتظر دوره حتى يمتطي جواده ويرقص على نغمات المزمار، مبهجا المشاهدين الذين جاءوا من أماكن بعيدة.

ويحكي أنه يشارك بخيله الخاص منذ أكثر من 40 عاما. منذ صغره كان يأتي مع والده إلى مولد سيدي عبد الرحيم. ويشارك في المرماح في ساعة العصاري بالساحة الواسعة المخصصة للمولد بمنطقة الحصواية بمدينة قنا.

ويلفت بدري إلى أنه لا يذهب إلي أي مولد من تلقاء نفسه. بل لا بد من تلقي الدعوة من صاحب الساحة لإفساح المجال للعب. مؤكدا أن المرماح له أسس وقواعد محددة. حيث يقوم اللاعب بتقطيعات ذهاب وإياب داخل الساحة، ثم يترك المجال للاعبين الآخرين حتى انتهاء الوقت المحدد.

ويضيف أن المولد اختلف عن السنوات الماضية في زيادة عدد المشاركين من أنحاء الجمهورية. وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات والمنصات الإعلامية التي تروج لتلك الثقافة والهوية القنائية، وتنشرها لمشاهدتها في كل أرجاء العالم. وليس داخل مصر فقط.

خيال فى حلقته بالمولد.. تصوير: أسماء الشرقاوي
 خيال فى حلقته بالمولد.. تصوير: أسماء الشرقاوي
 أشهر خيال في قنا

بينما جاء عزام الشرفي، أشهر خيال في قنا، من الأشراف للمشاركة في المرماح وحلقات رقص المزمار ليلًا. لم تكن هذه المرة الأولى التي يشارك فيها لإمتاع الجمهور برقص خيله، بل إنه يشارك منذ صغره مع والده وجده. حيث ورث الخيل عنهم، وتمتلك العائلة إسطبلا للخيل. لكل فرد خيله الخاص الذي يعتني به ويمتطيه وقتما شاء وفي أي مكان ينتقل إليه.

يحكي عزام أنه كان يأتي منذ صغره لمشاهدة الخيول وحركاتها ورقصاتها. وكيف يتمكن الخيال من السيطرة على الخيل وترويضه. ويضيف: “كنت أتعلم منهم، ومن والدي وجدي، وكونت خبرات كبيرة في مراوضة الخيول. وأسعد كثيرًا بالمشاركة في المولد لرؤية كل الخيالين والأحباب والأصحاب”.

كما تقام في ساحات أخري في مدينة قنا حلقات المرماح، ويسميها أهل المنطقة “مرماح السيد”. كما تقام في نفس الساحة حلقات التحطيب وحلقات أخرى داخل مسجد سيدي عبد الرحيم. يشارك فيها الخيالة ولاعبو التحطيب على مستوى المحافظة، وكلُ يظهر مهارته بعصاه.

ليس ذلك فحسب، فجميع الطرق الصوفية تشارك في هذا المولد، وتؤدي خدماتها. مقدمة الطعام والشراب والمشاركة في حلقات الذكر والتواشيح.

توزيع النفحات

يأتي حسين الجعفري من بنها إلى قنا خصيصًا منذ خمسة عشر عامًا، ليشارك في المولد. ويؤدي خدمة توزيع النفحات على الزوار والمريدين، مشيرا إلى أنه يقطع مسافات بعيده من أجل محبة الوصول إلى هنا، ويقول: “لا أستطيع عدم المشاركة”.

كما يأتي حسن سليمان من النمسا بمركز إسنا، مع عدد من المريدين من خدمة السلطان عبد الجليل، ويشارك لمدة أسبوع يقدمون يوميًا خدمة الطعام. بما في ذلك اللحوم، للمريدين، وفي المساء يحضرون حلقات الذكر والقرآن الكريم في الساحات المجاورة. وعندما ينتهي المولد يغادرون في فجر اليوم التالي إلى إسنا بسيارتهم الخاصة.

وتستمر الساحات في الذكر وتوزيع النفحات حتى فجر اليوم التالي، نهاية المولد. ثم تشرق الشمس ويغادر كل مريد ومحب إلى حيث جاء.

اقرأ أيضا:

عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»

من المزود إلى شجرة الميلاد.. طقوس عيد الميلاد المجيد في قنا

«كيهك».. شهر النور والتسبيح بين الكنيسة والحقول

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.