دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«قصر جولستان».. أيقونة الفن المعماري الإيراني في مرمى الغارات

تعرض مجمع «قصر جولستان» التاريخي في طهران لأضرار جراء غارات جوية أمريكية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط العاصمة الإيرانية، وعلى الرغم من أن الضربة لم تستهدف القصر مباشرة، فإن موجة الانفجارات تسببت في تحطم نوافذ وتضرر أجزاء من جدرانه الداخلية وتناثر الحطام، بعد أن ظل القصر شاهدا على تحولات إيران السياسية والاجتماعية لأكثر من أربعة قرون.

لا يقتصر وجود مجمع قصر جولستان كمبنى أثري على كونه مُدرجا على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، بل يرتبط بذاكرة معمارية وثقافية تمتد إلى العصر الصفوي، واتضحت ملامحها في عهد السلالة القاجارية.

يرصد «باب مصر» تاريخ المجمع الذي يضم 17 مبنى بين قصور وقاعات احتفالات ومتاحف وأرشيفات تاريخية، ويستعرض دور القصر في احتفالات تتويج الملوك واستقبال الوفود الدبلوماسية، إلى جانب تسليط الضوء على مصير حماية التراث الثقافي في أوقات النزاع، ومدى التزام الأطراف المتحاربة بالقانون الدولي الذي يحظر استهداف المواقع الثقافية.

قصف قصر جولستان التاريخي

في الثاني من مارس الجاري، تعرض القصر لأضرار جراء الغارات الجوية على إيران. وبحسب وكالتي “إسنا” و”مهر” ونقلهما عن موقع “آرت فورم”، أظهرت الصور تدمير القصر التاريخي وانهيار الزجاج والجدران. وتناثر الحطام على أرضياته عقب هجوم صاروخي على ساحة أراغ.

ويعود تاريخ القصر إلى العصر الصفوي، وهو الموقع الوحيد في العاصمة الإيرانية المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وتخضع مواقع التراث العالمي لليونسكو للحماية بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلح. واتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي.

صورة من داخل قصر جولستان في طهران، بعد غارة جوية أمريكية إسرائيلية في مارس 2026.. مصدر الصورة ماجد سعيدي جيتي إيميجز
صورة من داخل قصر جولستان في طهران، بعد غارة جوية أمريكية إسرائيلية في مارس 2026.. مصدر الصورة ماجد سعيدي جيتي إيميجز
مصير آثار قصر جولستان

اتخذت طهران تدابير احترازية مُسبقة لحماية القطع الأثرية. إذ صرح سيد أحمد علوي، رئيس لجنة السياحة في مجلس مدينة طهران، بأن: “القطع الأثرية لقصر جولستان قد نُقلت بالفعل إلى مخازن آمنة”.

وبحسب موقع “آدميدل إيست”، لحقت بالمرايا والأبواب والنوافذ والأبواب الأورسية القديمة. كما تضررت طبقة الأسفلت داخل القصر. وقام وزير التراث الثقافي رضا صالحي عامري ونائبه علي دارابي بجولة في القصر لتقييم حجم الأضرار.

تاريخ قصر جولستان

يمتد تاريخ القصر لمئات السنين، ويعد واحدا من أقدم المباني في طهران. إذ تم تشييده في القرن السادس عشر الميلادي في عهد «شاه ماسب الأول» كجزء من قلعة محاطة بسور. وكانت توجد تحصينات سابقة في الموقع خلال العصر الصفوي (1501-1736).

وخضع القصر لاحقا للتعديل، وفي القرن الثامن عشر أصبح مقرا لحكم السلالة القاجارية. وأعيد بناؤه في منتصف القرن التاسع عشر. مجسدا مزيجا من التقاليد الأوروبية والفارسية التي ميزت العصر القاجاري. واتخذ القصر شكله النهائي في عهد السلالة القاجارية (1794-1925)، عندما أصبحت طهران عاصمة إيران.

أحداث هامة في قصر جولستان

تحول القصر إلى مركز احتفالي وإداري لحكم القاجاريين لأكثر من 100 عام. وكان مركزا للنقاش السياسي وشهد العديد من الاحتفالات مثل مراسم التتويج والاستقبالات الدبلوماسية والطقوس الرسمية.

كما شهد القصر تحولات سياسية هامة، من بينها لحظات مرتبطة بالثورة الدستورية الإيرانية. وأصبح شاهدا على تحول إيران من الملكية السلالية إلى الدولة الحديثة. ومن بين المناسبات التاريخية البارزة تتويج رضا شاه عام 1926، وحفل تتويج محمد رضا شاه عام 1967. وقد ظهر القصر على العملة الإيرانية في أوائل سبعينيات القرن العشرين.

يتسم القصر بتصميم فريد يمزج بين الطراز الفارسي التقليدي والتأثيرات الأوروبية في القرن التاسع عشر. ويتبع المجمع مبادئ الحدائق الفارسية الكلاسيكية، مع التخطيطات المتنوعة والتناظر الهندسي والساحات المغلقة المصممة لجعل داخل القصر غير مرئي، بحسب موقع “آدميدل إيست”.

أضرار لحقت بقصر جولستان في طهران.. المصدر موقع آدميدل إيست
أضرار لحقت بقصر جولستان في طهران.. المصدر موقع آدميدل إيست
التأثير الأوروبي

ظهر التأثير الأوروبي خلال حكم القاجار نتيجة التبادلات الدبلوماسية والثقافية مع أوروبا. حيث دمجت عناصر أجنبية في واجهات المباني وديكوراتها الداخلية، من الرسم الجداري والزخارف الكلاسيكية الجديدة إلى أعمال البلاط الفارسي. دون أن يفقد القصر تراثه الفني والتاريخي.

ويضم المجمع أقدم مبنى داخل السور التاريخي وهو أيوان تخت مرمر. كما يضم برج “شمس العمارة” (أو مبنى الشمس). يظهر البرج مزيجا من الخصائص المعمارية التقليدية والغربية. واستخدم فيه لأول مرة الحديد الزهر في الأعمدة والواجهة، كما أنه مقاوم للزلازل. وبخلاف جميع المجمعات الملكية في أنحاء العالم التي كانت دائما مُسيّجة وخاصة الإيرانية منها. فإن “شمس العمارة” هو في الواقع أول برج ترفيهي في إيران.

استديو سينمائي وفن معماري

يظهر ملف القصر أن قصر جولستان كان مركزا للإبداعات الفنية ومهد المدرسة المعمارية القاجارية في إيران والعالم. كما احتوى على أول استوديو سينمائي وتصوير في البلاد، وجمع الفنانين المشهورين في ذلك الوقت. ويشير الملف إلى أن التطورات المعمارية والفنية خلال حكم ناصر الدين شاه كانت مرتبطة بشخصيته الفنية. إذ كان مصورا ورساما وشاعرا وخطاطا.

كما تتنوع العناصر التي جعلت قصر جولستان فريدا من نوعه، ومن بينها النحت والمنسوجات والآثار. أما أكثرها تميزا فهو العرش الرخامي الذي أمر بصنعه الحاكم القاجاري «فتح علي شاه»، ويعد أحد أبرز معالم القصر الفنية.

ووفقا لموقع “آدميدل إيست” ، تم نحت العرش من عشرات القطع من الرخام الأصفر، مع دعمه بتماثيل منحوتة. ليعد شاهدا على السلطة الملكية والحرفية الفارسية في أوجها. واستخدام العرش في العديد من المناسبات، من بينها مراسم التتويج والاحتفالات الرسمية.

عرش رخامي في قصر جولستان.. مشاع إبداعي
عرش رخامي في قصر جولستان.. مشاع إبداعي
قاعة المرايا

يتميز القصر بقاعة المرايا، وهي واحدة من أشهر الأماكن في الفنون الزخرفية الإيرانية والعالمية. وتضم آلاف القطع الصغيرة من المرايا في الأسقف والجدران.

وتتزين واجهات القصر الداخلية والخارجية بزخارف فسيفساء من البلاط، مع نقوش فارسية ترمز إلى الحدائق والجنة والتجدد. ويحتوي القصر أيضا على مجموعات واسعة من اللوحات والأعمال المعدنية والخزفية والأدوات الاحتفالية.

المواقع التراثية أثناء الحرب

صمدت قلعة جولستان لعدة قرون، وظلت شاهدة على العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية. حتى تعرضت لأضرار واسعة بسبب القصف الأمريكي الإسرائيلي. وتحوي إيران أكثر من 800 متحف، وانضمت إلى معاهدة مواقع التراث العالمي في فبراير عام 1975. وكان أول موقع إيراني يتم إدراجه في القائمة هو “جغا زنبيل” عام 1979.

وتضم إيران 29 موقع مدرجا في قائمة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو. من بينها قصر جولستان، وحصلت 6 منها على مساعدات دولية. وتم تسجيل قصر جولستان على قائمة التراث العالمي عام 2013. واستمرت إيران في تسجيل المزيد من العناصر حتى عام 2025.

قصر جولستان في طهران.. المصدر ديزي لورينزي
قصر جولستان في طهران.. المصدر ديزي لورينزي
موقف اليونسكو

أعربت منظمة اليونسكو عن قلقها إزاء الأضرار، وقالت إنها أبلغت جميع الأطراف المعنية بالإحداثيات الجغرافية لمواقع التراث العالمي في إيران، بالإضافة إلى مواقع أخرى ذات أهمية دولية. وأكدت اليونسكو اهتمامها المستمر بالوضع، قائلة في بيان لها: “تواصل اليونسكو مراقبة وضع التراث الثقافي في البلاد والمنطقة عن كثب، بهدف ضمان حمايته”.

وأشار البيان إلى الحماية القانونية الدولية المخصصة لهذه المعالم، موضحا: “تُذكر اليونسكو بأن الممتلكات الثقافية محمية بموجب القانون الدولي. خاصة اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. وكذلك اتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي”.

لكن تهديد قصف القصر التاريخي ليس جديدا، إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب المواقع الثقافية الإيرانية في يناير2020، بعد غارة أمريكية بطائرة مسيرة على مطار بغداد أسفرت عن مقتل قائد عسكري إيراني. وقد واجهت تصريحاته استنكارا واسعا، وأقر لاحقا وزير الدفاع آنذاك مارك تي. إسبر بأن أي عمل يتم تنفيذه ضد المواقع التاريخية سيُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي.

طهران التاريخية

يمتد تاريخ العاصمة طهران لأكثر من 5000 عام، وكانت قبل وصول السلالة الصفوية إلى السلطة مجرد قرية تطورت تدريجيا إلى مدينة خلال عهد الصفويين (960هـ/1553م). وكانت المدينة محصنة بأربعة أبواب و114 برجا وخمسة أحياء، هي: أودلاجان، وسانجلاج، وشاله ميدان، والبازار، وأرج، الذي كان بمثابة مركز حكومي.

ويُعد أقدم جزء من أرج (قصر جولستان) هو حديقة جولستان، التي تُمثل طراز الحدائق الفارسية، ويعود تاريخها إلى العصر الصفوي، وحظيت بحماية خاصة في عهد السلالة الزندية، لكن في عهد القاجاريين تم اختيارها كمركز حكومي وعاصمة سياسية لإيران عام (1200هـ/1785م) نظرًا لموقعها الاستراتيجي والجغرافي.

فيما كان قصر جولستان مقر إقامة ملوك القاجار لأكثر من قرنين، وقاعدة حكمهم، ويعرف كنموذج أولي للفن المدمج بين إيران والغرب. وكان هناك مجمعان قاجاريان في ذلك الوقت: “مجمع تبريز” أو دار الخلافة، مقر إقامة ولي العهد (أو نائب الخلافة)، ومجمع طهران المسمى دار الحكمة، مقر إقامة ملوك القاجار.

قاعة تالار بقصر جولستان.. المصدر وثيقة قدمتها إيران لمنظمة اليونسكو لتسجيل القصر
قاعة تالار بقصر جولستان.. المصدر وثيقة قدمتها إيران لمنظمة اليونسكو لتسجيل القصر
تالار سلام

تضم الحديقة العديد من الكنوز، منها قاعة “تالار سلام”، واحدة من أكبر القاعات الملكية في القصور الإيرانية. إذ تبلغ مساحتها حوالي 877 مترا مربعا، بعرض 10.44 متر وارتفاع 10.88 متر. ويقف هيكلها الضخم على أعمدة دقيقة (80×140سم)، ما يُعد ابتكارا فريدا في استخدام أعمدة الطوب مقارنة بالفترات السابقة واللاحقة.

وتحمل جدران القصر عرضا لمسار تطور الفن والأدب الإيراني، بالإضافة إلى أحداثه الاجتماعية والثقافية والسياسية، بطريقة شيقة خلال حلقات تاريخية مختلفة قبل الإسلام وبعده، وخاصة خلال حكم الأسر الأخمينية والبارثية والساسانية والصفوية والزندية.

حكايات البلاط الملكي

تنوعت الأعمال الفنية في القصر، وهي نتاج فنانين ومهندسين معماريين ورسامين وخطاطين إيرانيين رواد، مثل المنمنمات واللوحات والخطوط وأعمال البلاط، التي وثقت الملاحم والمعتقدات الإيرانية القديمة، بما في ذلك قصص ملوك إيران القدماء ومواضيع من شاهنامة الفردوسي، إضافة إلى أعمال مختارة لشعراء إيرانيين آخرين.

وبحسب ملف “قصر جولستان” لمنظمة اليونسكو، كان من بين أشهر رسامي تلك الحقبة: كمال الملك، آقا لطف علي سرتجار، أبو الحسن قفاري، ومحمود خان ملك الشعراء. أما ميرزا قلم رضا أصفهاني فكان أمهر خطاطي العصر الناصري، وميرزا أبو الحسن معمار باشي هو مهندس برج “شمس العمارة”. كما يعد محمد إبراهيم خان وميرزا رضا من كبار البنائين الذين شاركوا في بناء دار الفنون.

ويعتبر هؤلاء الفنانون من بين أكثر الشخصيات تأثيرا خلال حكم ناصر الدين شاه، وهي الفترة التي تُعرف بـ«العصر الفني»، والتي أعقبت المدرسة القاجارية في إيران.

اقرأ أيضا:

هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص

صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات

حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

Back to top button
باب مصر
Close

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.