دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

في أسبوع الآلام.. طواجن الفريك عادة لا تغيب في «أربعاء أيوب»

في أسيوط، لا يقتصر الطعام على كونه وجبة تُطهى وتؤكل، بل هو وجبة وحكاية ممتدة عبر آلاف السنين، تحمل في طياتها بعدا تاريخيا وثقافيا، خاصة مع حلول أسبوع الآلام والاحتفال بـ«أربعاء أيوب»، من خلال طهي «طواجن الفريك»، في البيوت، وهي عادة ارتبطت بقصة النبي يوسف عليه السلام.

من الغيط إلى الطاجن

تجلس نجوى علي، 55 عامًا، ربة منزل، مستعدة كعادتها كل عام لاستقبال أسبوع الآلام، أو ما يطلق عليه “أربع أيوب”. وهو الذي يحتفل به المسلمون والأقباط معًا، ليس كطقس ديني فقط، بل كعادة متوارثة عبر الأجيال. تتمثل في إعداد طواجن الفريك.

تقول نجوى، بابتسامة تحمل دفء الماضي: “الفريك عندنا مش مجرد أكل.. دي حكاية جميلة بنعيشها كل سنة”. وتضيف أن تجهيز الفريك يبدأ قبل “أربعاء أيوب”، لأنه يأتي دائما يوم أربعاء. حيث يقوم الأهالي بقطع سنابل القمح الخضراء من الحقول. ثم تترك في الشمس لأكثر من خمس ساعات، قبل أن تحرق وتجفف في مكان مشمس لعدة أيام. ثم تدرس لاستخراج الفريك، لتبدأ بعد ذلك مرحلة تنظيفه بعناية.

اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

تنقية الفريك ودشه

تتابع نجوى: بعد ذلك تتم تنقية الفريك، أو كما نقول “نسرب الفريك”، من الطوب أو أي شوائب صلبة. ثم يغربل للتخلص من الأتربة الخفيفة، وبعدها يرسل إلى المطحن لـ”دشه”، ليصبح جاهزا للطهي. وتؤكد أن الفريك لا يتحول إلى دقيق، بل يحتفظ بقوامه المميز ولونه الأخضر الذي يفرقه عن القمح العادي.

داخل المطبخ، تبدأ نجوى خطوات التحضير بحب واضح، فتغسل الفريك جيدا. ثم تتركه في الماء لمدة تتراوح بين نصف ساعة وساعة. وتوضح: “بعد النقع بجهز البصل، وفي ناس بتقطعه شرائح صغيرة على الفريك. لكن أنا بفضل أشوحه شوية علشان يدي طعم مميز. وبعدها أضيف صلصة خفيفة أو مرقة مع مياه عادية، وبهارات بسيطة زي الملح والفلفل الأسود. وبكده تكون شوربة الطاجن جاهزة”.

بعد ذلك، يوضع الفريك المنقوع في طواجن فخارية حسب الكمية. ثم تضاف الشوربة، ويدخل الفرن على درجة حرارة متوسطة حتى يكتسب لونا ذهبيا خفيفا وينضج تماما. ويقدم على المائدة، حيث يفضله البعض بمفرده. بينما يتناوله آخرون مع الخبز البلدي.

“أربعاء أيوب”.. عادة لا تغيب

تؤكد نجوى لـ«باب مصر» أن “أربعاء أيوب” عادة لا تغيب، بل أحيانا يتم إعداد الفريك في أيام أخرى اشتياقا لرائحته وطعمه. مشيرة إلى أن هذه العادة ارتبطت ارتباطا وثيقا بأهالي أسيوط. وتمارس سنويا خلال أسبوع الآلام، وتحديدا في هذا اليوم.

وتضيف أن هناك عادة أخرى، تتمثل في تشكيل سنابل القمح على هيئة وردة، وتعليقها على أبواب البيوت لجلب الخير والسعادة. ويتم تجديدها سنويا، وهي عادة مرتبطة بقصة تفسير النبي يوسف لرؤيا الملك.

اقرأ أيضا: كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة

طاجن الفريك بعد خروجه من الفرن.. تصوير: جاسمين مهني
طاجن الفريك بعد خروجه من الفرن.. تصوير: جاسمين مهني
الفريك.. حكاية متوارثة

توضح نجوي علي أن أصل هذه العادة يعود إلى قصة النبي يوسف عليه السلام، أو كما يطلق عليه الأقباط “القديس يوسف”. عندما فسر رؤيا ملك مصر، التي رأى فيها سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. وهو ما كان سببا في إنقاذ مصر من المجاعة. وتختتم: “تيمنا بهذه القصة، واحتفاءً بالخير وزراعة القمح، بنحتفل في أسيوط بعمل طواجن الفريك، علشان يكون فال خير وسعادة لكل بيت”.

وما زال الفريك يفرض حضوره، ليس كطعام فحسب. بل كطقس حي يحمل ذكريات الزمن، ويتغلغل بروحه في بيوت الأسايطة، كحكاية تروى وتعاش، وتنتقل من جيل إلى جيل.

اقرأ أيضا: الكنيسة الأرثوذكسية بدمياط.. سجل حي لتاريخ الجاليات الأجنبية وتحولات المدينة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.