دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«فول نابت طاب واستوى».. حكاية مهنة لم تخرج من يد عائلة «الترامسية» في قوص

عندما تعيش في دروب وأرجاء محافظة قنا، وخصوصًا مدينة قوص، تجد الكثير من المهن التي ارتبطت بالعائلات كما ارتبط الإنسان بالطبيعة. ومن هذه المهن مهنة صناعة الفول النابت، الذي أضيف إليه فيما بعد الفول المدمس والطعمية، مستخدمين أدوات من الطبيعة كالأواني الفخارية والنحاسية. وارتبطت تلك المهنة بعائلة الترامسية في منطقتي البطحة والنوبة بمدينة قوص، حيث كانت البطحة مكان انبطاح الجمال للعبور عن طريق الحجاج بقوص إلى ميناء عيذاب، وتُعد من أقدم مناطق المدينة.

صناعة الفول النابت

تعود صناعة الفول النابت في قوص إلى أكثر من 700 عام. ويزداد الطلب على شراء الفول النابت والمدمس في شهر رمضان الكريم.

يقول المعلم طه الترامسي، وهو في الخمسينات من عمره، إن جده صاحب الصنعة، وإن مهنة الفول النابت تعود لعائلة الترامسية. فهم أول من امتهنوها منذ ما يزيد على 700 عام، حين كانت قوص تمر بها قوافل الحجاج قديمًا القادمين من أنحاء شمال إفريقيا، ليمروا بها حتى يصلوا إلى ميناء عيذاب في القصير عبر البحر الأحمر. تمهيدا للدخول إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وكانت العائلة تستضيف هؤلاء الحجاج في منطقة البطحة، وتقدم لهم أطباقا من الفول النابت مجانا كضيافة وزاد يعينهم على استكمال الطريق الشاقة.

بئر تاريخي

في تلك المنطقة كان يوجد بئر يعود تاريخه إلى العصر الروماني، كان يشرف عليه أهل الترامسية، ويقدمون منه المياه للحجاج. لذلك اشتهروا بالكرم والجود والشهامة، وهي صفات توارثتها الأجيال حتى الآن.

وتوارث أهل الترامسية تلك المهنة عبر الأجيال المتعاقبة. وأصبح لديهم خبرات عميقة في صناعة الفول النابت، فلا يكاد زائر غريب يأتي إلى مدينة قوص إلا ويقصدهم لتناول الفول النابت لديهم. وكانت العائلة تصنع وتجهز الفول النابت بالطريقة التقليدية القديمة. إذ كان يتم سربه وتنظيفه وغسله، ثم يُبل في ماجور برام أو شقف كبير من الفخار.

وفي السابق كانت العائلة تكتفي بتقديم الفول النابت للزبائن. أما الآن فقد أدخل الورثة الفول المدمس والطعمية إلى جانب الفول النابت. فاقت شهرة العائلة مدينة قوص وقراها، بل أصبح القادمون من خارجها يقصدونهم للأكل لديهم. ولم يغيروا مكان الأجداد في البيع والشراء، ويؤكدون أن سر نجاحهم يكمن في إرضاء جميع الزبائن، فلا يخرج زبون غاضب.

قدرة الفخار التي تعود لأكثر من 100 عام

يقول محمد طه، وريث المهنة، إنه بعد استواء الفول النابت يتم وضعه في قدرة مصنوعة من الفخار تعود لأكثر من مائة عام. وهي القدرة الفخارية الوحيدة المستخدمة في حفظ الفول النابت في قنا.

ويضيف: ورثناها عن أجدادنا، وكانوا يستخدمونها أثناء البيع ليظل الفول محتفظًا بسخونته. سواء تناوله الزبون في أطباق داخل المحل أو أخذه في فوالات منزلية قديما أو في أكياس حاليا. ويقبل البعض على الفول النابت لحالات التعب والإعياء، بينما يتناوله آخرون في وجبة العشاء لأنه منخفض السعر.

وما زلنا نحتفظ بطريقة الصناعة ووضع الفول والبيع منه في قدرة الفخار الكبيرة التي لا مثيل لها بسبب قدمها. ورغم ثقلها في الرفع والنقل، فإننا نلتزم بطريقة الأجداد حفاظا على ثقة الزبائن الممتدة منذ سنوات طويلة.

مهنة الأجداد

يحكي محمد طه الترامسي، 42 عامًا، أنه ورث المهنة عن والده وأجداده. كان يخرج مع والده صغيرا، يراقبه ويتعلم كيف يعمل وكيف يتعامل مع الزبائن. وكان يملأ الزعافة الفخارية، ويخرج بها إلى المحل حيث البيع.

ويضيف: “ورثت مهنة صناعة الفول النابت عن والدي ومن قبله أجدادي، حفاظًا على الصنعة وتاريخ العائلة وتراث المهنة، التي مرت بمراحل متغيرة. إذ كان الفول يستوي وينضج على الجل والوقيد، ثم على بابور الجاز، وصولا إلى البوتاجاز الآن”.

ويتابع: “كان عمري أقل من عشر سنوات. وكنت أري والدي يضع الفول بعد غسله في ديست نحاسي ليستوي على نار هادئة لمدة 15 ساعة، ثم يوضع في قدرة فخار ليحتفظ بسخونته”.

الترامسية في رمضان

يقول الترامسي: “نصنع الفول النابت ونبيعه طوال العام، لكن في رمضان يزداد الطلب عليه. ونضيف حاليًا المخلل والفول المطبوخ، بسبب كثرة الطلب من السيدات والرجال”.

ويشير إلى أنهم يضطرون، لكثرة الطلب، إلى افتراش مكان أمام المحل لتلبية احتياجات الزبائن. من الساعة الثامنة صباحًا حتى قبيل أذان المغرب. ويضيف: “نشتري كميات من الفول ونبدأ في تجهيزها من أول رمضان، ونستمر يوميًا في التحضير. فكلما انتهى بيع قدر بدأنا في بيع آخر حتى ينتهي اليوم، وهكذا طوال الشهر الكريم”.

المهنة للعائلة فقط

يؤكد الترامسي أن أجداده لم يكونوا يسمحون لأي شخص من خارج العائلة أن يضع يده في الصنعة. حتى في تنظيف الفول، حفاظا على الأمانة وثقة الزبون. ففي الماضي كانت العائلات تعمل أمام منازلها في الهواء الطلق، وكان جده يخرج الطبلية لجرد الفول من أي عود أو حصى. ويرفض أن يساعده أحد من خارج العائلة، خشية أن تمر حصاة تؤذي زبونا. وكان يقول لوالده: “هي أمانة قبل أن تكون تجارة، فلا بد أن تصنعها بيدك”، لذلك لم تخرج المهنة من يد العائلة.

ويضيف أنه كان يرى والده في المطعم يراقب الزبائن. فمنهم من يدخل يأكل ويدفع، ومنهم من يأكل ويغادر دون دفع، فكان يتركه ولا يستوقفه، قائلا: “اتركها لله، فربما لم يكن معه ثمن الطبق”، وكان يوصيه دائما بأن يتركها لله.

ويكمل الترامسي: “قبل 30 عامًا كنا نبيع الفول النابت في فوالات. حيث يأتي المشتري بطبق أو فوالة من منزله ليأخذ فيها”، وذلك قبل انتشار الأكياس الشفافة. أما الآن، فمن يشتري نبيع له في كيس، ومن يجلس للأكل يقدم له في طبق ويعيده إلى مكانه بعد الانتهاء”.

فول عائلة الترامسية.. تصوير: أسماء الشرقاوي
فول عائلة الترامسية.. تصوير: أسماء الشرقاوي
من قروش حتى 5 جنيهات للطبق

منذ سنوات كان ثمن طبق الفول النابت قروشا قليلة، ثم وصل إلى جنيهين قبل عدة سنوات. وبعد ارتفاع سعر الفول في عام 2020 بلغ سعر الطبق خمسة جنيهات، وما يزال يحظى بإقبال كبير حتى الآن.

وفى مشهد غريب لم أكن أتوقعه، وأثناء حديثي – المحررة- داخل المحل بمنطقة النوبة بمركز قوص بمحافظة قنا، دخل علينا رجل مسن. وعندما وجدنا نتحدث عن الأجداد وتاريخ العائلة، مد يده وقرأ الفاتحة، واغرورقت عيناه بالدموع. وقال لي: “الله يرحم أبوه ، كنت آخذ منه الفول النابت، ولم يسألني عن الدفع يوما. ولم يحصل مني على ثمن طعامي قط في هذا المكان الذي لم يتغير”.

طيبة الأجداد سر الصنعة

يكمل طه حديثه بعد مغادرة الرجل، قائلا إن والده كان يوصيه بنظافة الفول وغسله جيدًا، لأن في كل حبة “خطا أسمر” – يقصد به الخط الأسود الذي يشبه حرف الألف-. وهو أول حرف في اسم الله، رمز الجلالة، لذلك يجب احترامها وغسلها جيدا، فهي مباركة من عند الله، ولا يجوز تقديمها للزبون غير نظيفة.

ويقول إن سيدات ما زلن حتى الآن يشترين منه، ويسألنه: “ماذا تضيفون إلى الفول النابت ليخرج لديكم أفضل مما نصنعه في منازلنا؟ فيرد: هذا من بركة الأجداد”. ويشير الترامسي إلى أنه كان، بمجرد دخوله الشارع الذي يسكن فيه بمنطقة البطحة، يشم رائحة الفول على النار ويحدد درجة استوائه. ما أكسبه خبرة عميقة في صناعة الفول النابت.

الديست النحاسي القديم

يختتم الترامسي حديثه ويقول: “نحن لا نسوي الفول إلا على نار هادئة بطيئة. نتحكم في درجتها حسب تغير لون الحبة ودرجة نضجها داخل الديست النحاسي. لأننا نصنع كميات كبيرة يستغرق استواؤها نحو 15 ساعة، لذلك نصبر عليها حتى تنضج جيدًا لنقدمها للزبائن بأفضل صورة”.

ويؤكد أنه إذا خرجت الحبة غير مكتملة النضج فلا يقدمها للزبون. بل يخصصها للمنزل ويبدأ في إعداد كمية جديدة، حفاظا على الثقة. فالزبون هو الهدف الأساسي وإرضاؤه سر النجاح، ويساعده في عمله زوجته. وكانت تساعده والدته في المنزل حتى وفاتها منذ أيام.

اقرأ أيضا:

عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»

من المزود إلى شجرة الميلاد.. طقوس عيد الميلاد المجيد في قنا

«كيهك».. شهر النور والتسبيح بين الكنيسة والحقول

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.