فلسطين والهنود الحمر.. كيف عبّر فنانون من الغرب والشرق عن السلام؟
في قرية «البعيرات» غرب الأقصر، اجتمع نحو 20 فنانا من الشرق والغرب، يحملون فنونا وثقافات متنوعة، في محاولة لتجسيد مفهوم السلام عبر فرشاتهم، من خلال جدارية تحمل بصمتهم الخاصة. إذ عبر كل فنان عن مفهوم السلام من منظوره وثقافته. فمنهم من رمز له بالحمامة التي تمسك غصنا، وآخر جسدها في ثقافة الهنود الحمر. بينما رأى غيرهم أن السلام يتجسد في طائر العقاب وعلاقته بالهنود الحمر.
تعكس الجدارية تسلسلا زمنيا وفلسفيا دقيقا، يبدأ بـ«حتحور»، إلهة الحب والجمال والسلام عند المصريين القدماء، لتنطلق منها مجموعة من الشخصيات التي تمشي في اتجاه واحد. في إشارة إلى وحدة المصير الإنساني. وفي قلب هذا الموكب، تبرز امرأة ترتدي الشال الفلسطيني، كرمز للقضية الإنسانية والعدالة، وصولا إلى المرأة المصرية التي تمثل الهوية والوطن. وتختتم الجدارية مشهدها برسمة مهيبة للإلهة «إيزيس» وهي تُطعم طفلا صغيرا.
تجسيد السلام: من كاليفورنيا إلى الأقصر
في مركز «Art Hub» الفني، حيث نظمت مؤسسة «بشر الصعيد» فعالية فنية، شارك فيها عدد من الفنانين التشكيليين، من بينهم الفنانة الأمريكية «كاي» القادمة من ولاية كاليفورنيا. التي بدت في غاية الحماس وهي تتوسط الجدارية التي ازدحمت بالشخصيات. تقول كاي لـ«باب مصر»: “بدلاً من مجرد الحديث عن السلام، سألنا أنفسنا: كيف نعيشه ونظهره؟”.
وبالنسبة لكاي، فإن «التجسيد» هو جوهر عملها كفنانة. حيث ترى أن عمل أشخاص من ثقافات وأديان ولغات مختلفة معا يمثل التطبيق العملي للسلام على أرض الواقع.
كما أعربت بسعادة عن مشاركتها في رسم “جسد المرأة الفلسطينية”. واصفة إياها بـ”اللحظة الشريفة”، إذ كانت تملأ الفراغات باللون الأبيض. بينما كان يساعدها صبي مصري في وضع اللون الأسود. في مشهد يعكس تعاونا عابرا للأجيال والحدود. ولم تغفل كاي عن وضع بصمتها الوطنية برؤية إنسانية. إذ أضافت رسمة “العقاب” (Eagle). مؤكدة أنه رمز الولايات المتحدة، لكنها ربطته بتراث الهنود الحمر (السكان الأصليين). لتذكير العالم بجذور الأرض وقصص أهلها الأوائل.
رؤية «هواري»: الفن لغة إنسانية بلا طبقية
خلف هذا المشروع الفني، يؤكد الفنان محمود هواري، صاحب الفكرة ومنظم المشروع لـ«باب مصر»، أن الهدف كان إشراك أكثر من 20 يدا من دول مختلفة في عمل فني واحد. بحيث يشعر كل فنان أجنبي بأنه ممثل في هذه اللوحة، مشددا على أن الفن لغة إنسانية لا تعرف الطبقية أو العنصرية.
ويتابع أن الفريق صمم شخصيات تمثل مختلف القارات. فنجد الهنود الحمر ممثلين لأمريكا، إلى جانب شخصيات يابانية وصينية وإفريقية. مشيرا إلى أن الإقبال كان مذهلا، إذ وضع فنانون فرنسيون وأمريكيون ونوبيون توقيعاتهم جنبا إلى جنب. ليتحول الجدار إلى سجل عالمي للتآخي والمحبة.
كما ترمز الجدارية إلى “التراث الحي”؛ فإيزيس لا تُطعم الطفل لبنا فقط. بل تُغذيه بالثقافة والتاريخ، لتؤكد أن الماضي هو الذي يبني الحاضر ويمنحه القوة للاستمرار.
لمسة أكاديمية: «هيوستن الأقصر»
لم يكن المشروع بعيدا عن الجانب الأكاديمي. إذ شاركت مريم الغرباوي، طالبة بكلية الفنون الجميلة بالأقصر، ضمن مبادرة “Humans of Upper Egypt”. وتوضح مريم أن العمل استغرق حوالي 4 ساعات لإنجاز نصفه الأول. حيث تخصص كل فنان في المجال الذي يتقنه.
وتؤكد مريم أن الجزء المصري من الجدارية يحمل بصمة واضحة للفنانين المصريين، الذين حرصوا على ربط الماضي بالحاضر. مضيفة أن الجدارية تدعو إلى التعايش من خلال جمع ثقافات عانت من التهجير أو الظلم، مثل الفلسطينيين والهنود الحمر، ووضعهم جميعا في إطار فني واحد.
ديمقراطية الفن
أما جاكلين جانزفز، فنانة أمريكية مشاركة في العمل، فقد ركزت على مفهوم “ديمقراطية الفن” في هذا المشروع. إذ فتح مركز “Art Hub” أبوابه منذ الصباح الباكر لكل عابر سبيل؛ فلم يقتصر الأمر على المحترفين، بل كان بإمكان أي شخص يمر بالمكان أن يمسك بالفرشاة ويضيف لوناً.
وأكدت أنها شاركت في رسم طائر العقاب لأنه رمز للقوة والتراث، وليس مجرد “حمامة”، مشيرة إلى أن الجمال الحقيقي للجدارية يكمن في بساطة المشاركة، التي تمثل دعوة مفتوحة للسلام تبدأ من لمسة بسيطة على جدار في صعيد مصر، لتصل رسالتها إلى العالم أجمع.
وأردفت قائلة إن جدارية “سلام” في الأقصر تعد شاهدا على أن الفن قادر على ردم الفجوات التي تخلفها السياسة، فهنا، في مواجهة معابد الفراعنة، التقى “عقاب” أمريكا بشال فلسطين، وباركتهم “إيزيس” المصرية، ليقول الجميع بصوت واحد: “نحن هنا.. ونحن معا”.
اقرأ أيضا:
«جداريات الملقطة».. مشروع فني يحول جدران الأقصر إلى متحف مفتوح
غضب في الأقصر بعد هدم منزل «حسن فتحي» وإعادة بنائه بشكل مخالف للتصميم الأصلي
بمشاركة 100 طيار.. الأقصر تختتم فعاليات الدورة السابعة من «إيجيبت جيت» للطيران الشراعي







