دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد

ما زالت بعض المهن التراثية تقاوم الاندثار بجهود أصحابها البسطاء. ومن بين هذه المهن «فتل الحبال» من نبات الحلفاء، تلك الحرفة القديمة التي ارتبطت بالزراعة والريف، وما زالت تحافظ على حضورها بفضل أياد خبيرة توارثتها عبر الأجيال، مثل الحاجة «رحمة» التي لم تمنعها قسوة العمر ولا آلام المرض من التمسك بحرفة ورثتها عن والدها لتكون سندا لها ولأسرتها.

ورثتها عند والدها منذ الصغر

الحاجة رحمة سيد جاد الرب واحدة من أشهر السيدات اللاتي يعملن في فتل الحبال وصناعة حصير الحلف. إذ توارثت هذه الحرفة عن والدها منذ صغرها، لتصبح مصدرا لقوت يومها. ومع مرور السنوات وزواجها توقفت عن العمل بها لفترة طويلة. قبل أن تعود إليها مجددا بعد زواج ابنتها وإنجابها خمسة أطفال صغار، لمساعدتها في أعباء المعيشة مع ارتفاع تكاليف الحياة.

تقول صاحبة الـ 65عامًا: “كنا أطفال صغيرين واتعلمناها من أبونا. بس أنا بطلتها حوالي 30 سنة، ورجعت لها تاني عشان بنتي عندها 5 بنات. فقلت أساعدها يعني في المعيشة، نجيب شوية دقيق وشوية سكر”.

تنشط في موسم الحصاد

توضح الحاجة رحمة أن أهم استخدامات حبال الحلف تكون في حزم القمح والقصب. لذلك تنشط صناعتها مع اقتراب موسم الحصاد، خاصة خلال شهري إبريل ومايو من كل عام. حيث يزداد الطلب عليها من قبل المزارعين والعمال في الحقول.

وعن سبب تفضيل بعض المزارعين لحبال الحلف عن البلاستيك، تقول إن هذه الحبال يتم صناعتها من نبات طبيعي. لذلك لا تسبب أي أضرار للمواشي إذا تناولتها. بعكس الخيوط البلاستيكية التي قد تضر بصحة الحيوانات. ورغم أن بعض المزارعين يلجؤون إلى البلاستيك بسبب انخفاض سعره. فإن من يمتلك خبرة في الزراعة أو يربي مواشي يفضل استخدام الحبال الطبيعية.

وتضيف أن أحد الأشخاص يتولى جمع نبات “الحلف” من الزراعات وحواف الترع، ثم يقوم بنقله بواسطة “التروسيكل”. ويبلغ سعر المجموعة الواحدة نحو 10 جنيهات. وقد يجلب الحرفي 5 أو 10 مجموعات حسب حاجته، بينما تصل تكلفة النقل إلى نحو 50 جنيها.

طريقة تصنيع الحبال

تستطرد الحاجة رحمة حديثها وتقول إن نبات “الحلف” يوضع في المياه لمدة سبعة أيام حتى يصبح أكثر ليونة وسهول في الفتل. كما يساعد ذلك على عدم إصابة الأيدي بالألم أثناء العمل، ويجعل الحبل أكثر قوة ومتانة.

بعد ذلك يتم افتراش الأرض والجلوس لبدء العمل. حيث تُجمع عدة خيوط من نبات الحلفاء المُبلل بالماء، وتلف بالأيدي وتضم معا بطريقة معينة حتى تتماسك وتكون حبلا قويا. وتستغرق صناعة المجموعة الواحدة من الحبال نحو ساعة تقريبا، وتتكون من 26 لفة بطول يقارب مترا وربع المتر.

حصير الحلف واستخداماته

أما حصير الحلف فيستغرق تصنيعه عدة أيام، ويجهز غالبا حسب طلب الزبائن، خاصة بعد انخفاض الإقبال عليه مقارنة بالماضي. ويعد أغلب زبائنه حاليا من المزارعين. إذ يستخدم في فرش الأرض ووضع الفواكه عليه مثل المانجو والبطيخ، نظرا لقدرة الحصير على تحمل الأوزان. كما يمكن استخدامه لتغطية الفواكه وحمايتها من حرارة الشمس.

وتشير إلى أن بعض الأشخاص يطلبون الحصير لأسباب صحية. إذ ينصح الأطباء أحيانا بالنوم عليه لمن يعانون من آلام الظهر، لما يوفره من سطح صلب يساعد على تخفيف الألم.

وبخصوص الأسعار، تقول إن سعر المجموعتين من الحبال يصل حاليا إلى نحو 25 جنيها. بينما كان سعر ثماني مجموعات في العام الماضي نحو 100 جنيه. وتلفت إلى أنها لم تعد قادرة على تصنيع أكثر من ثلاث مجموعات صغيرة يوميا بسبب إصابتها بمشكلات في الغضروف وآلام الظهر، قائلة: “عندي وجع في ضهري والغضروف.. ولولا الاحتياج ما كنتش اشتغلت”.

حرفة مهددة بالاختفاء

تعمل الحاجة رحمة في هذه الحرفة بمفردها، ولديها ابنة واحدة لم ترث عنها المهنة، مثل كثيرين تركوا هذه الحرفة واتجهوا إلى وظائف أخرى. وهو ما يزيد الضغط عليها في موسم الحصاد مع ارتفاع الطلب على الحبال.

أمنية بسيطة

رغم تعبها، تقول الحاجة رحمة إن ما تجنيه منذ هذه الحرفة لا يكفي لتلبية كل احتياجاتها، لكنه أفضل من الجلوس بلا عمل. خاصة أن البيع يقتصر على شهري إبريل ومايو فقط، وهما فرصتها الوحيدة للحصول على دخل سنوي.

وتروي أنها في العام الماضي خسرت جزءا كبيرا مما صنعته بعدما أتلفت الفئران الحبال التي قامت بفتلها بعد أيام طويلة من العمل والجلوس على الأرض. واضطرت رغم مرضها إلى إعادة جمع الحبال المقطوعة لتتمكن من بيعها قبل نهاية الموسم.

ومثل كثير من الأمهات، لا تحمل الحاجة رحمة أمنيات كبيرة، بل حلما بسيطا يتلخص في زيارة بيت الله الحرام، قائلة: “والله نفسي أزور بيت ربنا. ياريت ربنا يكتبهالي، تبقى حاجة جميلة الواحد ما ينساهاش طول عمره”.

اقرأ أيضا:

صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

«الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

«فوانيس جريد النخيل».. تراث رمضاني لا يختفي في الأقصر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.