دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«عمار» يعيد إحياء الفرن البلدي في بيوت العوامية

في أحد شوارع منطقة العوامية بالأقصر، ينهمك «عمار عبدالنبي» في تشكيل الطين بيديه داخل منزل «صابر عبدالوهاب»، الذي قرر العودة للفرن البلدي مرة أخرى بعد فشل الفرن الحديدي في تلبية توقعاته، بينما تفوح رائحة الطين في مشهد يعيد إلى الأذهان زمنًا كانت فيه الأفران البلدية جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية في القرى.

تلك المهنة العريقة كادت أن تختفي مع انتشار الأفران الحديثة، لكنها بدأت تستعيد حضورها من جديد، مدفوعة بتغير الظروف الاقتصادية وحنين الناس إلى المذاق الطبيعي للخبز التقليدي.

عودة إلى التراث لأسباب اقتصادية

يقول عمار، الذي يعمل في بناء الأفران منذ نحو 15 عاما، إنه بدأ العمل في مجال المحارة، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى هذا التخصص. موضحا أن الخبرة المتراكمة عبر السنوات ساعدته على تطوير طريقة البناء وإضافة تفاصيل جديدة تسهّل الاستخدام اليومي، خاصة لكبار السن.

وخلال السنوات الماضية، اتجهت كثير من الأسر إلى استخدام أفران الغاز، لكن ارتفاع أسعار أسطوانات البوتاجاز أعاد الاهتمام بالأفران الطينية. إذ يؤكد عمار أن العامل الاقتصادي كان السبب الرئيسي في هذه العودة، إلى جانب جودة الخبز. مضيفا أن العيش في الفرن البلدي “يستوي على مهل وبحرارة موزعة، وده بيخليه يعيش فترة أطول من غير ما يعفن. غير طعمه اللي الناس متعودة عليه من زمان”. إضافة إلى تفضيل الأسر الكبيرة هذا النوع من الأفران، خاصة في القرى التي ما زالت تحافظ على عادة الخبز الجماعي أو الأسبوعي.

مراحل بناء الفرن

يستغرق بناء الفرن البلدي ما بين أسبوع وعشرة أيام، وهي مدة مرتبطة بوقت جفاف القاعدة الطينية أو البلاطة. إذ تبدأ العملية بإنشاء القاعدة أو “الكرسي”، ثم تنفيذ البلاطة الرئيسية. وبعد جفافها يبدأ تشكيل جسم الفرن وفتحات النار والتهوية. ويشير عمار إلى أن استخدام الطين عنصر أساسي في نجاح الفرن، لأن الأسمنت لا يصلح لهذا النوع من البناء. حيث إنه يحتفظ بالحرارة بشكل غير مناسب، وقد يؤثر على جودة الخبز. فضلًا عن أنه يمنع الفرن من “التنفس” أثناء التشغيل.

كما تُخلط نسبة من الرمل ومواد حرارية خاصة داخل البلاطة، تساعد على الاحتفاظ بدرجة الحرارة لفترة أطول. ما يسمح بإتمام أكثر من دورة خّبز دون الحاجة إلى إعادة إشعال النار.

تصميم حسب احتياجات كل بيت

لا توجد مقاسات ثابتة للأفران البلدية، إذ يتم تحديد الحجم وفق عدد أفراد الأسرة وكمية الخبز المطلوبة. فبعض الأفران تستوعب نحو 20 رغيفًا. بينما تصل سعة الأفران الأكبر إلى 50 رغيفًا في المرة الواحدة. ويضيف عمار أن تصميم الفرن يتم أحيانًا وفق طريقة عمل صاحبة المنزل. سواء كانت تستخدم يدها اليمنى أو اليسرى، لضمان سهولة الحركة أثناء الرص وإخراج الخبز. كما يضيف بعض اللمسات والتطويرات البسيطة، مثل مسند جانبي لوضع أدوات الخّبز، وارتفاعات مختلفة للجلوس لتخفيف الجهد أثناء العمل.

عزل الحرارة وإجراءات الأمان

في حال تركيب الفرن أعلى أسطح المنازل، يتم تنفيذ طبقة عزل باستخدام الملح الخشن. ثم تغطيتها بطبقة من الطوب، لمنع انتقال الحرارة إلى الأدوار السكنية أسفل السطح. أما إذا كان الفرن مقامًا على الأرض، فلا يحتاج إلى هذه الطبقة، خاصة في الأراضي الزراعية التي قد تتعرض للرطوبة.

مرحلة «الحرق» قبل الاستخدام

يؤكد عمار أنه بعد الانتهاء من البناء، لا يكون الفرن جاهزًا للعمل مباشرة، إذ يحتاج إلى ما يُعرف بمرحلة “الحرق”. حيث تُشعل النار داخله لعدة ساعات حتى تجف مكوناته تمامًا وتثبت طبقاته، ثم يُترك مغلقًا حتى اليوم التالي. وتعد هذه الخطوة ضرورية لضمان سلامة الفرن وقدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة أثناء الاستخدام اليومي.

من البيوت إلى السياحة

لم يعد استخدام الأفران البلدية مقتصرًا على المنازل فقط. إذ بدأت بعض القرى السياحية والفنادق في إنشاء أفران تقليدية لتقديم تجربة تراثية للزائرين. وفي بعض الحالات تُستخدم للعرض فقط كجزء من الديكور الريفي، بينما تعتمد أماكن أخرى عليها فعليًا في إعداد الخبز البلدي للسياح.

عمر افتراضي طويل

يختتم عمار حديثه ويقول: “يصل العمر الافتراضي للفرن البلدي إلى نحو عشر سنوات. وقد يزيد أو يقل حسب كثافة الاستخدام. ويتركز التآكل عادة في البلاطة الداخلية نتيجة التعرض المستمر للحرارة. بينما يظل الهيكل الخارجي صالحًا لفترات أطول. ورغم بساطة المهنة، فإن الطلب عليها يشهد تزايدًا ملحوظًا في قرى الأقصر. في مؤشر على عودة بعض الممارسات التقليدية إلى الحياة اليومية”.

اقرأ أيضا:

إسنا تفقد جزءا من تراثها.. إزالة منزل عمره أكثر من 100 عام

«جداريات الملقطة».. مشروع فني يحول جدران الأقصر إلى متحف مفتوح

غضب في الأقصر بعد هدم منزل «حسن فتحي» وإعادة بنائه بشكل مخالف للتصميم الأصلي

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.