دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

على خطى والده.. «زياد قنوع» يواصل رحلة التنورة ويحلم بتمثيل مصر عالميًا

على أحد أسطح المنازل البسيطة بمحافظة سوهاج، بدأت حكاية أب وابنه جمعهما حب التنورة قبل خشبات المسارح. فعلى إيقاعات الموسيقى الشعبية وحركات الدوران المتقنة، نشأ زياد السيد قنوع على خطى والده السيد قنوع، راقص التنورة المعروف، ليحمل الشغف ذاته ويواصل رحلة بدأت منذ سنوات داخل الأسرة، حتى تحولت من مهنة وفن موروث إلى حلم يسعى الابن من خلاله إلى تمثيل مصر أمام العالم.

ورغم الانتشار الواسع لفن التنورة، لا يزال كثيرون يخلطون بينه وبين المولوية، باعتبار أن كليهما يعتمد على الدوران، إلا أن التنورة المصرية تُعد فنًا شعبيًا واستعراضيًا مستوحى من التراث الصوفي، وتتميز بالألوان الزاهية والحركات الاستعراضية والتفاعل مع الجمهور، بينما ترتبط المولوية بطقوس روحية صوفية ذات دلالات دينية ورمزية خاصة. وبين هذا الفن الشعبي وذلك الإرث الروحي، يواصل الأب وابنه الحفاظ على التنورة المصرية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

الأب والابن

يقول زياد السيد قنوع، طالب بالصف الثالث الثانوي ولاعب تنورة شهير بسوهاج: “توارثت المهنة عن والدي، بدأت أتعلم على سطح بيتنا وكان عمري 5 سنوات، ومرت سنوات طويلة من التدريب حتى وصلت إلى الوقوف على خشبة المسرح بمفردي، وأحلم بأن أقدم عروضًا خارج مصر”.

ويقف وراء زياد والده السيد قنوع، أول من رقص التنورة في سوهاج، بعدما تعرف على الفنون الشعبية خلال الأنشطة المدرسية واليوم الرياضي وهو في المرحلة الإعدادية، حيث تتلمذ على يد المدرب جمال عبد الخالق، الذي اكتشف موهبته ودفعه للانضمام متدربًا بقصر ثقافة سوهاج.

اقرأ أيضًا: «Take Bike».. مبادرة شبابية تجمع بين الرياضة واستكشاف الطبيعة في سوهاج

راقص التنورة السيد قانوع (الأب).. الصورة من أرشيف الراقص
راقص التنورة السيد قانوع (الأب).. الصورة من أرشيف الراقص
33 عامًا من الدوران

يقول السيد قنوع، الذي تجاوز الخمسين من عمره: “عملت راقصًا للتنورة قرابة 33 عامًا، قبل أن أتوقف منذ ثلاث سنوات. التحقت بفرقة الفنون الشعبية بقصر ثقافة سوهاج وأنا في الخامسة عشرة من عمري، وبعد سنوات من التدريب على رقصات الفنون الشعبية، تحولت الهواية إلى عمل، شاركت من خلاله في حفلات ومهرجانات داخل مصر وخارجها. ومع كثرة السفر والاحتكاك بالفرق المختلفة من خلال تبادل الزيارات، بدأت أبحث عن لون فني يميزني عن الآخرين، فلفت انتباهي رقص التنورة، وهو ما كان ينقصنا في سوهاج”.

ويتابع: “لم يكن لدينا في ذلك الوقت مدرب تنورة في سوهاج، كما لم يكن  يوجد بها من يمارس هذا الفن سوى شخص واحد هو محمد آية، وكان يقدم عروضه خارج المحافظة بسبب عدم فهم واستيعاب الجمهور السوهاجي لهذا الفن آنذاك، لذا بدأت التعلم بنفسي من خلال تبادل الزيارات مع الفرق الأخرى بحكم عملي في قصر الثقافة”.

ويضيف: “كنت أسأل الراقصين عن أسرار هذا الفن وكيفية التوازن أثناء الدوران، فتعلمت ما يُعرف بمحور الارتكاز، وهو عبارة عن ساق ثابتة وأخرى متحركة، مثل البرجل، وبدأت التدريب دقيقة واحدة يوميًا، حتى استطعت السيطرة على الدوران يومًا بعد يوم”.

قنوع الابن وبداية الدوران

مع مرور السنوات، لم يحتفظ السيد قنوع بالفن لنفسه، بل انتقل الشغف تلقائيًا إلى ابنه، الذي كان حريصًا على حضور حفلات وعروض والده. ويقول الأب إن ابنه كان متعلقا بالتنورة منذ طفولته، ففصل له تنورة صغيرة تناسب سنه عندما كان في الخامسة أو السادسة من عمره، لكنها كانت من دون “سير” حتى يستطيع الحركة بسهولة والتعلم عليها.

وكان الطفل الصغير يدخل غرفته أو يصعد إلى سطح المنزل، ويدور لخمس أو عشر ثوانٍ فقط يوميًا، قبل أن تتحول المحاولات البسيطة إلى مصدر رزق وشهرة له.

وعلى الرغم من حب زياد المبكر للتنورة، رفض والده في البداية أن يعمل بها حتى يتفوق في دراسته، ثم بدأ تدريجيًا يعلمه الأصول الصحيحة لهذا الفن، ويرتدي الزى الرسمي للتنورة ويتدرب لفترات أطول، من خمس دقائق إلى عشر، حتى وصل إلى ساعتين من الدوران المتواصل، وذلك في المسابقات الكبرى وليس الحفلات.

اقرأ أيضًا: ورش الفخار في سوهاج.. مهنة تقاوم الاندثار وتحفظ التراث

حب التنورة

يقول زياد: “أحببت التنورة وأنا صغير، لما كنت بروح قصر الثقافة وأشوف العروض، وأشوف نظرة واحترام الجمهور لبابا وفرحتهم وسعادتهم به، وكمان لما شفت انبهار الأجانب وهو يعرض برا مصر، حسيت إنه بيتكلم باسم مصر كلها”.

وعلى سطح المنزل، بدأ زياد يقلد فيديوهات والده، ويشاهد مقاطع أخرى على الإنترنت ليتعلم أكثر، حتى حصل وهو في الثالثة عشرة من عمره على لقب أفضل راقص تنورة، وتم تكريمه من وزير الشباب والرياضة وقصر ثقافة الإسكندرية.

ويتابع: “اكتشفت أن التنورة مش مجرد لف وحركات، الموضوع أكبر بكتير، وأنا بلف بحس إني بطلع الطاقة السلبية اللي جوايا، وتلك الحركة الصوفية بتقربني من ربنا بالدعاء، وببقى ناسي العالم كله، وده كمان بعد ما اتعلمتها صح من بابا”. ويقول بفخر: “كنت ببقى سعيد جدًا لما أنزل شغل باسم أبويا، والناس تطلبني عشان اسمه، لأنه سلمني الراية ومبقاش بيشتغل”.

السيد قنوع راقص التنورة الشهير في سوهاج.. الصورة بإذن منه
السيد قنوع راقص التنورة الشهير في سوهاج.. الصورة بإذن منه
 الأصول والاحترام

يشير السيد قنوع، الذي يعمل موظفًا بمديرية الصحة، إلى أن أكبر نجاح حققه ليس الشهرة، بل تربية زياد. ويقول: “علمته الأصول والاحترام وإزاي يتعامل مع الناس، ويحترم الجمهور حتى لو يعمل أمام شخص واحد. ولما الناس تشكر في أخلاقه وتقول دي تربية كويسة، بحس بالفخر والرضا”.

وعن التطور الذي شهده فن التنورة في مصر، يقول: “حدث تغير كبير بين الماضي والحاضر، فقديمًا كانت التنورة أقرب إلى الطابع الصوفي البسيط في الزى، الذي كان عبارة عن جلباب ووشاح فقط، أما اليوم فأصبحت عروضًا استعراضية تناسب الأفراح والمناسبات، وتعتمد على الإضاءة والألوان والملابس المزينة بالترتر والخامات الفسفورية”.

لا ترتبط بعمر معين

يرى زياد أن التنورة ليست مرتبطة بعمر معين، لكنها تحتاج إلى لياقة وانضباط رياضي، موضحًا: “لازم الراقص يهتم بصحته ويأكل أكلًا صحيًا ويقلل الدهون عشان يبقى خفيف في الحركة، وكمان مينفعش يكون مدخن، لأن التنورة نفسها ممكن يوصل وزنها إلى 12 كيلو، وتحتاج إلى قوة بدنية كبيرة”.

ورغم انشغاله بالتنورة، لا يزال زياد متمسكًا بحلمه الدراسي، إذ يسعى للالتحاق بكلية الحاسبات والمعلومات، مؤكدًا أن الفن سيظل هوايته الأقرب إلى قلبه. ويختتم حديثه قائلًا: “نفسي أعلم عيالي التنورة كما علمني والدي، لكنني لن أسمح لهم بالعمل إلا بعد أن يكبروا وينهوا تعليمهم”.

 المولوية والتنورة

يخلط البعض بين المولوية والتنورة إلى درجة أن كثيرين يعتقدون أنهما مترادفتان، بينما العلاقة بينهما تشبه علاقة الجنس بالنوع، هكذا بدأ حديثه الدكتور مسعود شومان، الباحث في التراث والفلكلور الشعبي.

وتابع: “المولوية طريقة صوفية شهيرة تنتسب إلى مؤسسها مولانا جلال الدين الرومي، واسمها مشتق من مفردة “مولانا” التي كانت تسبق اسمه. وتنبع شهرة هذه الطريقة من دعوة مؤسسها إلى التماسك والرقى بالذات، ونبذ العنف، والاتحاد في مواجهة الفتنة والاضطراب.

وكانت المولوية إحدى العلامات المميزة لهذه الطريقة، متمثلة في الرقص القائم على الدوران، حيث تقود هذه الحركات  الإنسان إلى السمو بالروح بعيدًا عن أدران الجسد، والخروج من العالم المادي إلى التحليق بالأرواح، والوصول إلى حالة من النشوة تشبه ما يُعرف بـ”النيرفانا”.

ومع الرقص تأتى آلة الناي، التي يعتبرها البعض صوت الطبيعة الممهد للصعود إلى الأصل السماوي الأول، كما اتسعت فلسفة المولوية لتشمل مختلف الأجناس والأديان، حيث يشارك الجميع في الرقص رغبة في الوصول إلى السمو الروحي”.

التنورة.. الصورة من أرشيف الراقص السيد قنوع
التنورة.. الصورة من أرشيف الراقص السيد قنوع
فن يعتمد على الاستعراض

يكمل شومان: “في هذا السياق تأتى التنورة بوصفها رقصة شعبية خرجت من رحم المولوية، لتتحول من كونها رقصة طقسية ترتبط بفكرة الدين والوصول إلى الله عبر معارج الروح،  إلى فن استعراضي يحاول أن يتماس مع الفكرة الصوفية.

وبالرغم من انتشار التنورة في معظم فرق الفنون الشعبية المصرية، إلا أنها لا تعد تراثًا شعبيًا مصريًا. وقد سعى بعض الفنانين إلى استلهام هذه الرقصة وتوظيفها، اعتمادًا على فلسفة الدائرة وما تحمله من رموز مرتبطة بالاكتمال والنشوة والوصول، حيث يدور الإنسان حول مركز الكون ثم ينتهي إلى النقطة التي بدأ منها”.

ويضيف: “تمثل هذه الرقصات محاكاة رمزية لدوران الأرض حول الشمس. فالإنسان الترابي يدور حول النور سعيًا إلى السمو بروحه. ورغم أن التنورة ليست رقصة متجذرة في التربة المصرية، فإن المصريين أبدعوا في تطويرها وأشكالها المختلفة، وحولوها إلى نوع من الدراما الحركية التي تحاكي رحلة الإنسان من الميلاد إلى الممات، وسعيه الدائم إلى الارتقاء بروحه وتحقيق النشوة والاكتمال من خلال الصفاء والتخلص من سجن الجسد”.

اقرأ أيضًا: «مدد يا طيبة».. ورش إنشاد ديني وسيرة هلالية للأطفال في مكتبة مصر العامة بالأقصر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.