صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية
ما بين توقف إلقاء الزريعة، وطرق الصيد غير الشرعية بالكهرباء والسُم، فضلًا عن ارتفاع منسوب المياه، وانخفاض درجات الحرارة في الشتاء وارتفاعها في فصل الصيف بشكل ملحوظ نتيجة التغيرات المناخية، يجد الصيادون بمحافظة الأقصر صعوبة في ممارسة مهنتهم التي اعتادوا عليها منذ سنوات طويلة وأصبحوا يواجهون صعوبة في الحصول على قوت يومهم وإعالة أبنائهم.
الفلوكة والمجداف.. وسائل الصياد في الصيد
“ماشية بالستر معانا، مالهاش حسابات، ممكن أقعد في الميه 4 ساعات وممكن 12ساعة. وممكن يطلع سمك وممكن لأ”. هكذا بدأ حديثه أحمد سيد أحمد، في الثلاثينات من العمر، ويعمل في مهنة الصيد منذ قرابة 22عامًا. ولديه ثلاثة أطفال ينفق عليهم من العمل في صيد السمك بمحافظة الأقصر. وفي حال توفرت فرصة عمل أخرى يعمل بها، لكن الصيد يظل مهنته الأساسية.
وعلى الرغم أن مراكب الصيد الصغيرة أو “الفلوكة” يمكنها العمل بالموتور الكهربائي أو بالمجداف. لكن أحمد يفضل العمل على المركب ذات الموتور، فهي أفضل في العمل وأكثر قدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة في نهر النيل. كما توفر الوقت والجهد معًا.
وأضاف أحمد أن استعمال الموتور في مركب الصيد يقصر المسافات. فيمكنه خلال 4 ساعات توفير 3 ساعات إضافية يستغرقها الصيد بالمجداف. فمثلا الصيد في منطقة كأرمنت يستغرق الوصول إليها ثلاث بالمجداف، لكن بواسطة الموتور يستغرق الوصول إليها ساعة ونصف أو أقل. كما أن صوت الموتور لا يسبب إزعاجا للأسماك. فعقب الوصول إلى المنطقة وبدء الصيد يتم فصله نهائيًا.
الجوابي وشباك الغزل.. كل موسم أداة
عن أفضلية العمل باستخدام الشباك أو الجوابي، يقول أحمد: “استخدام الجوابي في الصيد مؤخرًا أفضل من الشباك ذات التكلفة العالية التي تصل إلى 2000جنيه. نظرًا لتعدد مكوناتها من الفل والرصاص والأسلاك والفتلة،. فضلا عن سرعة تلافها وانقضاء عمرها خلال شهرين فقط من العمل. على عكس الجوابي التي يصل عمرها الافتراضي إلى عام كامل”.
أما خالد عبد الفتاح، الذي يعمل في الصيد تقريبًا من السابعة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرا يوميًا، يفضل الصيد باستخدام الجوابي أيضًا. لكنه يرى أن لكل موسم صيد أداة أفضل من الأخرى.
ويوضح طريقة عملها: “يتم إلقاء الجوابي كل يومين أو ثلاثة أيام في منطقة معينة من النيل وتثبيتها بخشب صغير. وبعد انقضاء المدة يتم رفعها بواسطة المركب. وهي مثل الشباك، فقد تصطاد كمية من 4 إلى 5كجم، أو كيلو جراما واحدا فقط، أو لا تصطاد شيئا”.
ارتفاع منسوب المياه بسبب التغيرات المناخية
“عبد الفتاح”، الذي توارث مهنة الصيد منذ المرحلة الابتدائية عن والده وأعمامه وأحبها، يوضح طريقة عمل الجوابي. إذ تعمل بنظام محدد يجعل الأسماك تدخل من إحدى فتحاتها، مع وضعها عكس اتجاه مجرى المياه وبحسب اتجاه سير الأسماك. ثم تُغطى لمنع رؤيتها من قبل الأسماك.
ويؤكد انخفاض أعداد الأسماك مؤخرًا مقارنة بالسنوات الماضية، موضحا أن لكل فصل من العام ظروفه. ففي الشتاء ينخفض منسوب المياه في نهر النيل، فتظهر الأسماك التي تختبئ خلف الحشائش في المياه. ويمكن صيدها بسهولة سواء بالجوابي أو شباك الغزل أو بالصنارة. أما في موسم الصيف، فمع ارتفاع منسوب المياه عادة ما يتم استخدام الجوابي، كما أن الصيد يكون ضعيفًا فيه.
وأضاف: “رغم أننا في موسم الشتاء، فإن هناك ارتفاعا في منسوب نهر النيل تقريبًا للعام الثاني على التوالي. وبالتالي تأثر جميع الصيادين سلبيًا بهذا الارتفاع الذي يقلل من إمكانية الصيد. رغم أن المعتاد هو ارتفاع منسوب المياه فقط في فصل الصيف، وحينها كان الصياد يستطيع جلب كميات من الأسماك. لكن تغير المنسوب في غير موسمه أمر يضر بالصياد والأسماك معًا”.
ويتابع حديثه: ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وانخفاضها في فصل الشتاء بشكل أكبر خلال السنوات الأخيرة زاد من الأمر سوءًا. ففي الصيف تؤدي الحرارة المرتفعة إلى خروج الأسماء طافية على سطح المياه ولا يمكن اصطيادها بسهولة. ومع انخفاض درجات الحرارة الشديد في الشتاء تقل حركة الأسماك في المياه. ما يصعب صيدها أيضا، بينما يعد الجو المعتدل الأفضل لعمليات الصيد.
انخفاض كميات الأسماك بسبب توقف إلقاء الزريعة
عن الأسماك المتوفرة حاليًا، يقول “عبد الفتاح”: “لم تعد هناك أنواع كثيرة في نهر النيل حاليًا، وأشهرها: المشاط، والبلطي، والبني، وفتيل، ويموش، وكلب الماء. وجميعها بأحجام متنوعة لكنها أقل من السابق. ويرجع السبب الرئيسي إلى توقف إلقاء الزريعة في نهر النيل منذ حوالي 10 سنوات. ما أثر سلبا على كميات الأسماك وأنواعها”.
ومن بين الزريعة كانت سمكة المبروكة، التي تقوم بعملية تنظيف للمياه ويكبر حجمها حتى يصل إلى 30 كجم. ورغم انخفاض ثمنها فإن لها زبائنها، لكنها انقرضت حاليا، مثل أسماك البوري. ورغم انخفاض أحجام الأسماك، يضطر الصياد إلى مواصلة الصيد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة ورغبته في الإنفاق على أبنائه. كما أن أسماك الزريعة كانت مفيدة للصيادين، خاصة في فصل الصيف. حيث يزداد منسوب المياه وتصعب عمليات الصيد.
الصيد بالكهرباء.. إحدى الطرق غير الشرعية
مصطفى جلال تعلّم مهنة الصيد منذ كان عمره 13عامًا، وزاد حبه لها مع مرور الوقت حتى امتهنها. ويشير إلى أن الأسماك يمكنها التمييز بين النهار والليل، لذا مع قدوم الليل تختبئ وسط الحشائش والأحجار في المياه. لكن اغلب الصيادين يعلمون أماكن اختبائها ويسهل صيدها حينئذ. وهو عادة يبحث عن الأسماك في أماكن متنوعة، وقد نجح في صيد سمكة كبيرة الحجم في إحدى المرات بلغ وزنها 30 كجم منذ سنوات. لكنها أصبحت نادرة حاليًا.
وأرجع “مصطفى” سبب انخفاض الثروة السمكية إلى عمليات الصيد الجائر الخاطئة والمضرة بالأسماك والبيئة معًا، ومنها استخدام الكهرباء في الصيد. موضحًا أن جميع الصيادين يحصلون على رخص للصيد من مكتب المصايد مع تسديد رسوم تجديد الرخصة سنويًا. لكن بعض المخالفين يستخدمون طرقا غير شرعية في الصيد مثل الكهرباء والسم.
وأكد أن هذه الطرق تتسبب في مغادرة الأسماك للمنطقة وعدم عودتها مرة أخرى. إذ تسيطر الكهرباء على نحو متر من المياه، مُسببة ماسا كهربائيا يقتل الأسماك لمسافة تصل إلى 4 أمتار. وقد ينتج عن هذا الماس الكهربائي إصابة أحد الصيادين بالخطأ أثناء الصيد.
وأوضح أنه منذ سنوات كان بعض المخالفين يسرقون الكهرباء من أعمدة الشوارع بواسطة جريدة من النخيل. يقومون بإيصالها بالعمود من خلال أسلاك طويلة تصل إلى نحو 1000متر، ويتحركون بها لمسافات ثم يلقونها في المياه. لكنهم حاليا يستخدمون مولدا كهربائيا في عمليات الصيد غير الشرعية.

استخدام السُم في صيد الأسماك
يتابع “مصطفى” حديثه ويقول إن إحدى الطرق غير الشرعية في الصيد هي استخدام السُم، وهو عبارة عن مبيد زراعي سام يُستخدم في الأراضي الزراعية لقتل الحشرات، مثل مبيد “لانيت”. حيث يجلبه المخالفون من المحال الزراعية ثم يلقونه في منطقة معينة من المياه، لتبدأ بعدها عملية جمع الأسماك بأنواعها وأحجامها بعد نفوقها بفعل السموم، ثم تُباع في الأسواق دون أن يعلم الزبون أنها مسمومة.
ولفت إلى وجود حملات من قبل شرطة المسطحات للتفتيش ليلًا على المخالفين، وفي كثير من الأحيان لا يرونهم، لكن في بعض الأوقات يتم القبض عليهم وتغريمهم.
اقرأ أيضا:
«الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه
«فوانيس جريد النخيل».. تراث رمضاني لا يختفي في الأقصر
تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة







