«شونة الغلال» بالقصير.. صرح تاريخي مهجور يروي حكايات التجارة والقوافل
كانت «شونة الغلال» في القصير يوما قلبا نابضا للتجارة وحركة القوافل ومؤن الحرمين الشريفين، لكن اليوم يقف هذا الصرح التاريخي مهجورا، تتراكم فيه القمامة، رغم أنه يحمل بين جدرانه حكايات قرون من الغلال والحبوب والجمال والقوافل.المبنى الذي صُمم ليقاوم الزمن، أصبح شاهدا صامتا على الإهمال، في مشهد يسيء لتاريخه العظيم.
نشأة شونة الغلال
يحدد كمال الدين حسين، في كتابه “أعرف بلدك.. دليل تاريخي مختصر عن مدينة القصير”، تاريخ إنشاء الشونة. فيقول: “تعلو البوابة الرئيسية لهذا المبنى واجهة خشبية مسجل عليها تاريخ إنشائه سنة 1212هـ (1797 – 1789). ويقع هذا التاريخ في عهد السلطان العثماني سليم الثالث، إلا أن هذه اللوحة تم طمسها أثناء عملية طلاء الواجهة الخشبية” .
ويذكر أنه بالإضافة إلى شونة الغلال، كانت هناك شونة للجمال تطل بوابتها على شارع رمسيس، وشونة أخرى للأغنام بشارع السوق الرئيسي قبالة شونة الغلال. وكانت هذه الأحواش تضم واجهة خشبية بالدور العلوي عليها كتابات متنوعة. ومسجل عليها تاريخ يعود إلى عهد الخديوي محمد توفيق، إلا أنه يرى أنها لوحة منقولة من مكان آخر غير هذه الشونة.
أهمية الشونة في تصدير الغلال
يقول عادل عايش، رئيس مجلس إدارة جمعة المحافظة على التراث بالقصير، إن الشونة تم إنشاؤها تم وإعدادها للتشوين ثم التسويق. حيث كانت الغلال تنقل عن طريق المراكب إلى الدول المستوردة، في حقبة ازدهار مصر في تصدير الغلال، خاصة القمح والعدس والفول والشعير إلى الجزيرة العربية. من خلال منظومة تجارية اعتمدت على التبادل التجاري عبر ميناء القصير، الذي تحول لاحقا إلى أطلال. وذلك باستخدام القوافل التجارية القادمة من وادي النيل، خاصة من قنا. حيث كانت القافلة الواحدة لا يقل تعدادها عن ألف جمل، محملة بالغلال، وتستغرق في رحلتها ما بين 3 إلى 4 أيام.
طرق جلب الغلال إلى الشونة
يضيف عايش أن القوافل كانت تشق عدة طرق صحراوية من قنا إلى منطقة بئر عنبر، مرورا بوادي اللقيطة. ثم طريق وادي الحمامات، الذي يعد من أقدم طرق العالم. حتى تستقر على ساحل البحر الأحمر بمدينة القصير، حيث يتم تشوين الغلال تمهيدا لنقلها. وعند عودة هذه المراكب، كانت تحمل التوابل والأقمشة والتمور والبن اليمني، وغيرها من المنتجات التي لم تكن متوفرة في مصر، ليتم نقلها إلى قنا. ثم إلى بقية المحافظات، خاصة القاهرة والجيزة، عبر نهر النيل.
الشونة ومؤون الحرمين”ميرة الحرمين”
عن استخدام وأهمية الشونة، يقول طه الجواهري لـ«باب مصر» إن القصير في تلك الحقبة كانت عبارة عن مدينة تجارية أنشأها الإنجليز لتسهيل تجارتهم مع الجزيرة العربية والهند. لذلك كان بها أكثر من شونة، سواء للجمال أو للأغنام، حيث كانت تجارة هذه الأنواع رائجة بين مصر والبلدان الأخرى.
ويبين الجواهري أن محمد علي باشا استخدم شونة الغلال، أسوة بمستودعات السويس، لتشوين الغلال خلال حروبه في الجزيرة العربية ضد الوهابيين 1811م. فضلا عن أهميتها الكبرى سنويا في تلك الفترة في إرسال ما يقرب من تسعة عشر طنا من القمح والشعير والعدس. فيما كان يسمى آنذاك “ميرة الحرمين الشريفين”، وهي سنة اتبعها حكام وسلاطين الدولة العثمانية لشعورهم بالمسؤولية الدينية والأدبية تجاه سكان وزوار مدن الحجاز. سواء كانوا من الحجيج أو المقيمين هناك.
ويكمل الجواهري أن أبناء قبيلة العبابدة كان لهم دور في حراسة القوافل القادمة إلى الشونة، لما اشتهروا به من القوة والشجاعة، ومعرفتهم بدروب الأودية والجبال. وكان عمال الشونة يقومون بجمع الغلال، ومنها القمح، على هيئة أكوام أحصرها في ساحة الشونة.
ويشهد على ذلك اللوحة الموجودة أمام شونة الغلال، التي يرجع تاريخها إلى عام 1860م. ومكتوب عليها: “تم تشكيل تلال عظيمة من الحبوب، يرتقي العمال أعلاها على ألواح خشبية على جوانبها. وفي المساء كانت الشونة تغلق وتختم بخاتم كبير من الطين لضمان حمايتها من العابثين”.
موقع الشونة
يقول الدكتور ياسر خليل، من أبناء مدينة القصير، إن شونة الغلال تقع خلف مبنى قصر الحكومة، وقريبة من البحر، وتتمتع بثلاث واجهات. بينما تلتصق واجهتها الشمالية بمنازل شارع الجلاء، المعروف سابقا بدرب السمان. وتمتد من الجهة الغربية التي تضم الباب الرئيسي، بينما تطل الواجهة القبلية على شارع باندونج، الذي يفصلها عن مبنى الحكومة. في حين تطل الواجهة الشرقية على شارع عبد الخالق ثروت المتفرع من شارع باندونج.
وظائف العاملين بالشونة
كان يعمل داخل الشونة موظفون وعمال، لكل منهم دور محدد وواضح في هذا الصرح الكبير. وكان الجهاز الإداري يخضع لإشراف المحافظ، ويتألف من ناظر الشونة، وأمين الشونة، ومقدم ربع الشونة، ومباشر الشونة، وشيخ الشيالين. فضلا عن البواب وغفر الحراسة، واثنين من الكتبة، وطائفة من الكيالين يرأسهم شيخ الكيالة، وطائفة من الشيالين يرأسهم شيخهم.
إنقاذ الشونة مهمة رسمية
يشير طه الجواهري، بصوت يملؤه الأسى، إلى إن الشونة، رغم اعتبارها مبنى تاريخيا وأثريا عريقا، تعاني إهمالا صارخا ضرب بتاريخها. وحولها من بوابة للتجارة الدولية إلى مساحة مهجورة تلقى فيها القمامة، ويستغل سورها لقضاء الحاجة. في مشهد يسيء إلى قيمتها التاريخية ويلحق بها ضررا بالغا، وسط لا مبالاة من الأجهزة المعنية في الدولة بالحفاظ على هذه المعالم التي تسجل قيمة ومكانة مصر ودورها المحوري خلال حقبة من الزمان.
ويطالب بتحويل هذا المكان إلى مزار تاريخي متكامل على غرار قلعة محمد علي، بما يليق بقيمته الأثرية، ويعيد إليه اعتباره كأحد الشواهد المهمة على تاريخ مصر، ويجعله نقطة جذب ثقافي وسياحي، وسجلا ماديا يشرح للأجيال تاريخ مصر، ويربط الحاضر بالماضي.
اقرأ أيضا:
«لمسة مصرية».. معرض لإحياء التراث الثقافي ودعم الحرفيين بالبحر الأحمر
تراث يتنفس على إيقاع السمسمية.. حكاية «فرقة القصير للفن التلقائي»








