رسالة من النفايات تكشف لغز«الملك قشقاش» وتعيد كتابة تاريخ دنقلا في السودان
ورقة قديمة عُثِر عليها في كومة من النفايات بمدينة دنقلا القديمة بالسودان، مكنت الباحثين من تتبع خيط يثبت وجود واحد من أكثر الشخصيات غموضا في تاريخ السودان، وهو «الملك قشقاش»، الذي شاع أنه شخصية شبه أسطورية اقتصر وجودها على الروايات الشفهية المتوارثة. لكن هذه الوثيقة كشفت حضوره في الحكم والحياة اليومية، وفتحت نافذة على العلاقة بين الحاكم النوبي ودخول اللغة العربية إلى البلاط الملكي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، رغم استمرار انتشار اللغات النوبية بين السكان.
يستعرض «باب مصر» هذه الورقة البحثية، ولتقديم فهم أعمق للوثيقة وكيفية عثور علماء الآثار عليها، أجرى حوارا مع د. توماش بارانسكي، الباحث بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط التابع لجامعة وارسو، والباحث الرئيسي في الدراسة، وذلك لفهم تاريخ المدينة وتحولاتها من خلال هذه الوثيقة، ودلالاتها على دخول اللغة العربية إلى دوائر الحكم.
وثيقة باسم الملك قشقاش
تدور الورقة البحثية المنشورة حديثا حول وثيقة عربية تم اكتشافها مؤخرا في كومة من النفايات بأحد مساكن النخبة. وقد صدرت باسم الملك قشقاش. وتكمن أهميتها في أن هذا الملك كان يُعتقد أنه شخصية شبه أسطورية، ولم ترد عنه أي معلومات إلا في الروايات الشفهية المتوارثة.
وتتضمن الوثيقة أمرا بتبادل المنسوجات والماشية. ولتحليلها بدقة، لجأ الباحثون إلى الجمع بين الأدلة النقدية، والتأريخ بالكربون المشع، والمصادر المكتوبة.
ملخص الدراسة
تحمل الدراسة عنوان: «ملك النوبة أثناء عمله: السياق الأثري والنسخة النصية لوثيقة عربية من القرنين السادس عشر والسابع عشر من دنقلا القديمة». وكشفت الوثيقة، وهي “أمر ملكي” باسم الملك قشقاش، عن وجوده الفعلي. وتفاعلاته الاجتماعية، وطبيعة حكمه، وتأثيره في تعريب دنقلا في عهد الفونج. بعد أن كان ينظر إليه كشخصية شبه أسطورية.
ويعد البحث المنشور في مجلة “أزانيا: البحوث الأثرية في إفريقيا”، من أوائل نتائج الأبحاث التي أُجريت على الوثائق العربية المكتشفة في دنقلا القديمة. والتي يدرسها توماش بارانسكي، المتخصص في الدراسات العربية بمركز الدراسات التاريخية بجامعة واشنطن.
وبحسب الموقع الرسمي لـ“المركز البولندي لعلم آثار البحر الأبيض المتوسط”، خلصت الدراسة إلى إثبات وجود الملك. وكشفت عن طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في مملكة دنقلا، والعلاقة بين الملك ورعيته. أما الاكتشاف الأبرز، فهو أن اللغة العربية – بلهجة عامية – كانت مستخدمة بالفعل من قبل الكتبة الذين خدموا خلفاء مملكة مكوريا في مطلع القرنين السادس عشر والسابع عشر.
حاكم مدينة دنقلا
يستكشف البحث أدلة تاريخية جديدة تُشير إلى وجود الملك قشقاش حاكما فعليا لمدينة دنقلا. التي كانت العاصمة السابقة لمملكة مكوريا المسيحية خلال فترة دخول الإسلام السودان. وتقع مدينة دنقلا التاريخية على ضفاف نهر النيل، ونالت شهرة واسعة بزراعة القمح والقطن. فضلا عن كونها عاصمة لمملكة المقرة النوبية القديمة.
ومن خلال هذه الوثيقة، استنتج الباحثون ملامح عديدة للحياة في السودان خلال واحدة من أقل الفترات توثيقا في تاريخه. وهي الحقبة الواقعة بين انهيار النوبة في العصور الوسطى (القرنان الرابع عشر والخامس عشر) والغزو التركي المصري للسودان (1820-1821). وهي فترة تميزت بتسارع انتشار اللغة العربية واتساع رقعة الإسلام.
وبحسب الدراسة، تجنب الباحثون استخدام تصنيفات حادة مثل “مسيحية” أو “إسلامية”. مشيرين إلى أن الانتقال من دين سائد إلى آخر استغرق عدة قرون، وشهد تعايشا بين أتباع الديانتين.

بيت الملك
صمدت المخطوطة، المدونة على الورق، بحالة جيدة حتى الآن. ويشير الباحث إلى أن “لغتها ومهارات الخط لدى الناسخ تدل على مستوى نسخ غير متقن إلى حد ما. وهو أمر غير مستغرب في بيئة لم تكن العربية فيها اللغة الأم”.
ويفسر شكلها غير المنتظم بأنها ربما كانت مسودة للوثيقة الأصلية. وقد عثر عليها في مبنى سكني كبير، إلى جانب أكثر من عشرين وثيقة عربية. وقطع أثرية أخرى تدل على فخامة المكان، مثل الأقمشة القطنية والكتانية والحريرية. إضافة إلى مصنوعات من العاج وقرن وحيد القرن.
واللافت أن السكان لا يزالون يطلقون على هذا المبنى اسم “بيت الملك”.
العثور على خطاب الملك قشقاش
يتحدث د. توماش بارانسكي، عن كواليس الاكتشاف. وقصة العثور على هذه الوثيقة العربية في دنقلا القديمة. ويقول في أول تصريحات له بالعربية لـ«باب مصر»: “عُثر على الوثيقة خلال أعمال التنقيب الأثري التي أجراها المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، جامعة وارسو، في إطار مشروع UMMA ERC بقيادة البروفيسور أرتور أوبلوسكي”.
ويهدف المشروع إلى دراسة تحول مركز حضري كبير في العصور الوسطى – عاصمة مكوريا المسيحية – إلى مدينة إسلامية في الفترات اللاحقة، قبل أن تندثر تدريجيا. وأضاف أن الوثيقة وجدت تحديدا في أطلال مسكن للنخبة، لا يزال يعرف بين القبائل المحلية باسم “بيت الملك”.
تعريب دنقلا وتمائم الحجاب
لكن ماذا تغير في فهم تاريخ دنقلا بعد تأكيد وجود الملك قشقاش؟ وما دلالة أن كاتب الوثيقة لم يكن متمكنا من العربية الفصحى؟ يجيب بارانسكي: “يعد أمر الملك واحدا من نحو 50 وثيقة عربية مكتوبة على الورق عثر عليها خلال الحفريات في دنقلا القديمة”.
ويعمل حاليا على إعداد النسخة العلمية لهذه المجموعة، التي تشمل رسائل خاصة، ووثائق قانونية وإدارية. بالإضافة إلى تمائم مكتوبة تُعرف باسم “الحجاب”، كانت تستخدم للحماية من الشر.
ويؤكد أن رسالة قشقاش لا تغير ما ورد في المرجع التاريخية بقدر ما تقدم دليلا ماديا ملموسا على وجود حاكم لم يكن معروفا من قبل إلا عبر الروايات الشفهية. وهو ما يعيد قراءة هذه المرحلة الغامضة من تاريخ السودان.
هوية الشعب السوداني
هل يمكن اعتبار هذه الوثيقة دليلا على أن اللغة العربية أصبحت لغة الإدارة في البلاط الملكي؟ يوضح د. توماش: “تعد دراسة تعريب وأسلمة النوبة موضوعا واسعا يستحق اهتماما كبيرا. إذ إنها بالغة الأهمية لفهم الهوية المعقدة للشعب السوداني، ليس فقط في الماضي بل في الحاضر أيضا”.
وتؤكد هذه الوثيقة استخدام اللغة العربية في الإدارة الملكية خلال القرن السابع عشر، “لكن لا شك أن اللغات النوبية ظلت الأكثر انتشارا في وادي النيل لفترة طويلة. حتى بعد الفتح التركي المصري للسودان”، كما قال لـ«باب مصر».
العصور المظلمة في تاريخ دنقلا
تشير الدراسة إلى ما يعرف بـ”العصور المظلمة” في تاريخ دنقلا. وهي فترة لا نعرف عنها سوى القليل. ويوضح توماش أن مرحلة ما بعد العصور الوسطى، أي الفترة بين تفكك مملكة المكرّة في القرن الرابع عشر وتأسيس سلطنة الفونج في القرن السادس عشر. موثقة بشكل ضعيف في السجلات التاريخية.
وتتسم هذه الفترة، التي أعقبت تراجع الممالك النوبية المسيحية، بانخفاض واضح في حجم السجلات المكتوبة. لذا وصفت بـ”المظلمة” لافتقارها إلى المصادر التاريخية. واعتمادها بشكل أساسي على الروايات الشفهية. بخلاف العصور السابقة التي خلفت وثائق أكثر وفرة.
ويُشار إلى هذه الحقبة أحيانا باسم “العصور المظلمة” في التاريخ السوداني. على غرار ما حدث في أوروبا في أوائل العصور الوسطى، التي عانت هي الأخرى من نقص نسبي في الأدلة التاريخية. خاصة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.
ويضيف لـ«باب مصر»: “بفضل أعمال التنقيب الأثري والبحوث اللاحقة، أصبحنا قادرين على استعادة المزيد من تفاصيل تاريخ دنقلا خلال تلك الفترة. ليس فقط عن حكامها ونخبتها، بل أيضا عن سكانها، ونظامهم الغذائي، وعاداتهم، وإلى حد ما، هويتهم وعقليتهم”.
العصور المظلمة
بحسب البحث، دخلت مدينة دنقلا، بحلول منتصف القرن الرابع عشر، ما يعرف بـ”العصور المظلمة” في التاريخ السوداني. ولم تعد عاصمة لمملكة مكوريا. ولم يعرف إلا القليل عن القرون الثلاثة التالية. وظلت النوبة، عبر آلاف السنين، مركزا حيويا لحركة الناس والسلع والأفكار. حيث مرت عبرها سلع مثل الذهب والعاج والعبيد. وأسهمت بفعالية في تشكيل هذه التدفقات.
ويوضح بارانسكي أن هذا التحول لم يكن مفاجئا. إذ أن النوبة لم تكن منطقة هامشية أو معزولة في وادي النيل، بل كانت ممرا هاما يربط بين عالم البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وتشير الدراسة إلى “كتاب الطبقات”، وهو معجم ببليوغرافي من القرن التاسع عشر جمع من روايات شفهية عن رجال الدين السودانيين حيث: “تقلص حجم المدينة تدريجيا. ولم يتبق منها سوى القلعة المركزية ومحيطها. وقد وردت إشارات إلى المدينة وحكامها، من بينهم رجل يُدعى قشقاش، يقال إنه الجد الأكبر للشيخ الهلالي، ابن محمد بن عيسى سوار الذهب. أحد أهم الشخصيات الدينية في السودان حتى اليوم”.

من الملك قشقاش إلى الخضر
في عام 2018، بدأ مشروع «التحول الحضري لمجتمع عاصمة إفريقية من العصور الوسطى» (UMMA) مرحلة جديدة من دراسة تاريخ مدينة دنقلا. مركزا على استكشاف ماضيها السياسي والعمراني، خاصة منطقة القلعة والمناطق المحيطة بها.
وخلال أعمال التنقيب، درس الباحثون المبنى المعروف باسم A.1، والذي تشير الروايات الشفهية إلى أنه كان مقر إقامة ملوك دنقلا. وكشفت الحفريات عن مجموعة من اللقى الأثرية المرتبطة بحياة النخبة الحاكمة. من بينها منسوجات فاخرة من القطن والكتان والحرير، وأحذية جلدية، وقطع من العاج، ومقبض خنجر مصنوع من قرن وحيد القرن، فضلًا عن خاتم ذهبي.
كما عثر الباحثون على أكثر من 23 نصا عربيا جديدا. من بينها وثيقة تم العثور عليها في كومة من النفايات، تتضمن أمرا صادرا عن الملك قشقاش.
نص الرسالة:
“من الملك قشقاش إلى الخضر بن شهد: حالما يصل إليك محمد العرب، فخذ منه ثلاثة أردية، وأعطه نعجة وذريتها. وأجمع من عبد الجابر النعجة وذريتها، وأعدها إلى صاحبها دون تأخير. لا تتردد في تنفيذ ذلك. هذه رسالتي إليك، كتبها كاتبه حمد. سلام..».
وتتابع الرسالة بتعليمات إضافية:
«وأنت يا خضر، أعط عبد الجابر ثلاث قطع من القماش القطني وغطاء رأس، أو ثلاثة أغطية رأس قطنية. وأجمع النعجة وذريتها لتُعاد إلى صاحبها».
العامية في البلاط الملكي
تؤكد الوثيقة وجود قشقاش، الذي كان ينظر إليه سابقا كشخصية شبه أسطورية. وتقدم دليلا على كونه أحد أقدم الحكام المعروفين لمدينة دنقلا في الفترات اللاحقة للعصور الوسطى. ويكشف تحليل النص عن دلالات لغوية مهمة. إذ لم يكن الكاتب متمكنا من العربية الفصحى. حيث استخدم ضمائر الملكية دون تمييز بين العدد والجنس، كما جاءت الكتابة مختصرة وتميل إلى الأسلوب العامي.
وتُظهر هذه السمات كيف بدأت اللغة العربية تتحول إلى لغة الكتابة الأساسية في البلاط الملكي. رغم أنها لم تكن قد أصبحت بعد اللغة الرسمية الكاملة للمدينة.
واستند الباحثون في تحليلهم إلى عدة مصادر للمقارنة، من بينها وثائق قصر إبريم، وكتاب «الطبقات لود ضيف الله» لمحمد نور بن ضيف الله عن الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان. بالإضافة إلى روايات أجنبية مثل كتابات كرامب وبونسيه حوالي عام 1700.
وفي المقابل، تتناقض ملاحظة ليو أفريكانوس، التي تشير إلى أن “ملك النوبة كان دائما في حالة حرب”، مع مضمون هذه الوثيقة. التي تكشف اهتمام الحكم بالشؤون الداخلية وتسيير الأعمال اليومية. وهو ما يقدم رؤية جديدة للتاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة دنقلا، ويؤكد أهميتها عند ملتقى مصر العثمانية.
اقرأ أيضا:
«قصر جولستان».. أيقونة الفن المعماري الإيراني في مرمى الغارات
هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص
صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات