دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«دير الأنبا بيشوي» بوادي النطرون.. ذاكرة للرهبنة في مصر

في قلب الصحراء الغربية، وعلى مسافة تقارب 120 كيلومترًا من القاهرة، تستقر مدينة وادي النطرون في منخفض صحراوي عريق، لتبقى واحدة من أبرز المدن الأثرية والدينية في مصر، بما تضمه من أديرة تُعد من أقدم وأعرق الأديرة في التاريخ المصري.

ظلت المدينة شاهدة على حياة الرهبنة المصرية بما تحمله من روح الزهد والعزلة والتأمل، فذابت قدسية المكان في رمال الصحراء لتصنع فرادة لهذا الوادي التاريخي

ويأتي دير الأنبا بيشوي في صدارة تلك الأديرة، لما يتمتع به من مكانة روحية وتراثية خاصة، ازدادت حضورًا بعد أن اختاره البابا شنودة الثالث قبل رحيله عام 2012 مقرًا لمرقده الأخير، ليظل الدير واحدًا من أبرز المعالم الدينية التي يقصدها الزائرون من داخل مصر وخارجها.

الوادي التاريخي والأسماء المتعددة

تشير الدكتورة سلفانا جورج عطية، متخصصة في التاريخ القبطي، إلى أن مدينة وادي النطرون واحدة من المدن المصرية القديمة التي يرجع تاريخها إلى ألفي سنة قبل الميلاد، وقد بنى فيها المصريون القدماء المعابد والمحميات العسكرية اللازمة لتأمين حدود مصر الغربية، وكانوا يستخرجون منها ملح النطرون الذي كان يُستخدم في التحنيط وصناعة الأصباغ وكثير من الكيماويات.

وقد سُمي وادي النطرون بعدة أسماء، منها: وادي الملح، والأسقيط المقدس، وبرية شيهيت، ووادي هبيب. وتكتسب المدينة صفة “الوادي” لانخفاضها الطبيعي، وتُسمى وادي الملح لأنها غنية بملح النطرون، وهو مختلف تمامًا عن ملح الطعام.

أما تسمية “برية شيهيت” فتعنى بالقبطية “ميزان القلوب”، أي إن كل من كان يسكن متعبدًا في هذه المنطقة يستطيع أن يزن قلبه، ويعرف نفسه وأين هو من حياة الكمال والفضيلة. أما كلمة “الأسقيط” فتعنى “مركز العبادة” أو “مكان النسك”، وكانت تضم حسب مصادر تقديرية أكثر من سبعين ألف راهب في منتصف القرن السابع الميلادي.

وتشير سلفانا إلى أن عدد الرهبان الآن يبلغ حوالي ثمانمائة راهب، بينما كلمة “وادي هبيب” مشتقة من كلمة قبطية مكونة من مقطعين: “ها” وتعني متعدد، و”بيب” وتعني مغارات، وبذلك يكون معناها “وادي المغارات المتعددة”.

أكبر مجتمع رهباني ومقر قداسة البابا شنودة

من جانبه، يقول الراهب القمص عزرا الأنبا بيشوي، مسؤول الزيارات بدير الأنبا بيشوي، إن “بيشوي” كلمة قبطية تعني السامي أو المرتفع، وقد ولد القديس الأنبا بيشوي عام 320م بقرية شنتنا الحجر بمحافظة المنوفية، من أسرة مكونة من سبعة أشقاء. وأوضح أن القديس الأنبا بيشوي ترهب سنة 340م، وكان يبلغ من العمر عشرين عامًا، وسكن في صحراء وادي النطرون، وقام بإنشاء الدير.

وحول أهمية الدير، أشار الراهب عزرا إلى أن الدير يمثل أحد أهم الأديرة في مصر والعالم، ويعود ذلك إلى أربعة أسباب، تتمثل في كونه أكبر مجتمع رهباني، حيث يصل عدد الرهبان به إلى 220 راهبًا، وكذلك وجود المقر البابوي لقداسة البابا شنودة، ليكون بذلك المقر الثالث للبابا بعد مقر العباسية والإسكندرية.

كما تعود أهميته إلى أنه الدير الذي تخرج منه ثلاثة بطاركة، وهم البابا غبريال الثامن رقم 97، والبابا مكاريوس الثالث رقم 114، والبطريرك الحالي رقم 118، وهو البابا تواضروس الثاني، الذي جلس على الكرسي المرقسي في نوفمبر 2012، فضلا عن وجود مزار البابا شنودة الثالث، بما يمثله من شهرة وأهمية في العالم أجمع.

اقرأ أيضا: «أوبرا دمنهور».. صرح يجمع بين جماليات العمارة الإيطالية والتراث الإسلامي

مباني مميزة داخل دير الأنبا بيشوي

عن مكونات الدير، الذي تبلغ مساحته حوالي 3 أفدنة و16 قيراطًا، فهو يضم عددا من المباني المهمة والمميزة من حيث الطراز المعماري، من بينها “بئر الشهداء”، وهو الذي قام بحفره تلاميذ الأنبا بيشوي بغرض شرب الماء، لكن بعد فترة حدثت هجمات من البربر على الدير، وخلال الهجمة الثالثة عام 444م قتلوا 49 راهبا في دير أبو مقار، وخلال عودتهم غسلوا سيوفهم في البئر، ومن ذلك اليوم أطلق عليه “بئر الشهداء”.

كما تضم كنيسة الأنبا بيشوي، التي تحتوي على الرفات الكاملة للأنبا بيشوي، عددًا من الملحقات، تتمثل في كنيسة الأنبا بنيامين الثاني وكنيسة أبو سخيرون، التي يوجد بها صندوق يضم رفاته.

ويوجد بها حامل الأيقونات الأثرية، الذي يرجع تاريخه إلى القرن الخامس عشر الميلادي، لافتا إلى أن معظم البنية الأساسية في الدير ترجع إلى ما بعد القرن التاسع، وذلك بسبب هجمات البربر التي كانت تقتل الرهبان وتدمر كل شيء، وقد نجا من ذلك بعض المكونات، مثل باب الهيكل الرئيسي الذي يرجع إلى القرن السابع الميلادي.

اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.. تصوير: محمود دوير
دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.. تصوير: محمود دوير
النمل الأبيض تسبب في انهيار المبنى

حول سقف الكنيسة، يقول القمص عزرا بيشوى إن السقف القديم كان من الخشب، وقد تسبب هجوم النمل الأبيض في انهيار المبنى، حتى جاء البابا بنيامين الثاني، البابا رقم 82 (1327- 1339م)، وقام بإنشاء سقف من الحجر الجيري، وهو يضم ثلاثة أنواع من الفنون، وهي: الصليب القبطي، والنجمة السداسية “نجمة داود”، وكذلك النجمة الثمانية التي تنتمي للفن الإسلامي.

وتوجد أيقونة للسيدة العذراء يرجع تاريخها إلى ما بين القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر، وبجوارها توجد مكتبة صغيرة تعود إلى القرن التاسع.

ومن أهم معالم الدير، يوضح القمص عزرا، منطقة الحصن التي يرجع تاريخها إلى عام 475م، وقد بنى الحصون في كل الأديرة الإمبراطور الرومانى زينون، وكان الغرض من بنائها حماية الرهبان من هجمات البربر.

ويتكون الحصن من ثلاثة طوابق، يضم الطابق الأول بئر مياه ومخزنًا للحبوب و”قلاية” – أي سكنًا واستراحة للرهبان – بينما يحتوي الطابق الثاني على كنيسة، أما الطابق الثالث فيضم كنيسة تحمل اسم الملاك ميخائيل، وذلك لأن العقيدة المسيحية تؤمن بأن الملاك ميخائيل يحمي سطح الحصن.

وحول مزار البابا شنودة الثالث، يقول القمص عزرا بيشوي إن البابا شنودة الثالث، الذي رحل عام 2012، كان قد أوصى بأن يُدفن في دير الأنبا بيشوي، ويضم المزار، إضافة إلى جثمان الراحل، عددًا كبيرًا من متعلقاته وأدواته الشخصية، مثل الملابس والمخطوطات والأقلام التي كان يستخدمها، إلى جانب معرض يضم صوره مع رموز وشخصيات دينية وسياسية وفكرية.

الدير ينتمي للطراز المعماري البازيليكي

تقول الدكتورة شهد البياع، مدير تطوير المواقع الأثرية بوادي النطرون، إن دير الأنبا بيشوي واحد من أهم الأديرة في المدينة، ويتميز بطراز معماري فريد، حيث يحيط به سور يتراوح ارتفاعه بين 12 و13 مترًا.

وأضافت أن داخل الدير يوجد عدد من الكنائس، أهمها كنيسة الأنبا بيشوي، التي تنتمي إلى الطراز المعماري البازيليكي، ويعتمد سقفها على نظام الأقبية، وهي من أبرز سمات هذا الطراز، كما تتضمن الكنيسة عددًا من الصور واللوحات العريقة، إلى جانب احتواء الدير على عدد من الكنائس الأخرى.

وأشارت مدير تطوير المواقع الأثرية بوادي النطرون إلى أن هناك اختلافا واضحا بين كنائس وادي النطرون، وكنائس باقي محافظات مصر، موضحة أن التسقيف خارج وادي النطرون يعتمد غالبا على القباب، التي قد يصل عددها في بعض الكنائس إلى 22 قبة، وربما يعود ذلك إلى ارتفاع درجات الحرارة في صعيد مصر أو أديرة البحر الأحمر.

وطالبت البياع بضم وادي النطرون بكل محتوياته إلى قائمة التراث العالمي، لما يتميز به من طراز ونسق معماري فريد يختلف عن الأديرة الموجودة في مختلف مدن مصر.

اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.