دندرة تحتضن مؤتمر «الجوار».. نافذة على التراث النوبي الأصيل
على مدار ثلاثة أيام، احتضنت قرية دندرة بمحافظة قنا مؤتمر «دندرة الثقافي» تحت عنوان «الجوار» ليكون منصة للتعرف على التراث النوبي الأصيل. شهد المؤتمر فعاليات متنوعة، من المطبخ النوبي التقليدي إلى الموسيقى والزي والألعاب الشعبية، بالإضافة إلى جلسات حوارية حول الجوار والثقافة والفنون. وقدم الحضور فرصة لرؤية كيفية الحفاظ على الهوية النوبية ونقلها للأجيال الجديدة.
افتتاح المؤتمر
بدأ المؤتمر بكلمة ترحيب للضيوف من الأمير هاشم الدندراوي، الذي تحدث عن “الجوار”، باعتباره جوار وجدان لا بنيان. ثم ألقى نائب محافظ قنا، حازم عمر، كلمته عن الجوار وحياة الإنسان، تلاه هشام أبوزيد، نائب محافظ الأقصر، ورئيس جامعة جنوب الوادي،. ثم الأنبا بيمن، أسقف قوص ونقادة، الذي تحدث عند حسن اختيار الجار. كما تحدث الدكتور عمر الشوبكي، المفكر السياسي وأستاذ العلوم السياسية، عن أهمية حياة الإنسان وبناء قدراته. فيما ناقش أكرم القصاص، رئيس مجلس إدارة اليوم السابع، ثقافة الجنوب وإبداعه المتجدد.
وأقيمت جلسات حوارية بعنوان “الجوار في الأدب والفنون”، شارك فيها الدكتور أحمد عبد العال، أستاذ الفلسفة بجامعة الوادي الجديد، وعبد الله عبد السلام، الكاتب الصحفي بالمصري اليوم. فيما تحدث الدكتور أحمد موسى بدوي، أستاذ علم الاجتماع، عن تأصيل علاقة الجوار عند المصريين القدماء. كما تحدث القس باسخرون، نائب مطرانية قنا والأقصر والبحر الأحمر الإنجيلية، عن تراثنا الذي يدفعنا دائمًا نحو التقدم بين الجوار.
فعاليات متنوعة
كما أقيمت فعاليات أخرى على مدار الأيام الثلاثة. منها تدريبات الرسم للأطفال والمسرح،ولقاءات شعرية بين الشعراء المشاركين من مختلف المناطق. وأقيمت فعاليات “المرماح” وحلقات التحطيب التي يشارك فيها اللاعبون من البلاد المجاورة، لإحياء الألعاب التراثية التي تعكس هوية قنا.
التراث النوبي والهوية الثقافية
جاءت مؤسسة الأشرف الخيرية وجمعية تنمية المجتمع بأبو حنضل من على ضفاف النيل، من أقصى الجنوب في قرية نصر النوبة، إلى قنا. حاملين على عاتقهم نقل تراثهم وهويتهم النوبية الأصيلة عبر الأجيال، وضم المعرض النوبي جانبا كاملا من التراث النوبي من الضيافة إلى الحياة وطرق المعيشة.
المضيفة النوبية
يقول محمد جبر عبد الله، من قرية نصر النوبة: “لأول مرة أشارك في فعاليات هذا المؤتمر الجميل بدندرة. الضيافة النوبية لا مثيل لها، ولا يمكن تعويضها من مكان آخر، فهي جزء أصيل من هويتنا”. وأشار إلى أن التراث النوبي محفوظ بعناية. وأهم ما فيه الضيافة التي تبدأ بتقديم الفشار والبلح في طبق كبير مصنوع من سعف النخيل يسمى “الكرج” نسبة إلى كلمة “كر”. باللغة النوبية بمعنى: تعال هنا، أي: “تعال لتُضياف عندنا”.
وتتزين غرفة الضيافة بالبرش المصنوع من خوص النخيل، ويغطي جزءا من الأرض. كما نصنع غطاءً للكرج يسمى بالنوبي “الشور”. ومن المشروبات التقليدية “الأبريق”، المصنوع من الدقيق. ويضاف إليه الأعشاب لتغذية الجسم، خصوصا بعد الصيام.
وأضاف:يمثل الخوص 90% من منتجات النوبة والباقي منتجات تُصنع من طمي النيل ومنه نصنع “الدوكة” وهي أداة مدورة لصناعة الخبز النوبي اليومي المسمى “الكابد”. كما يوجد خبز رقيق يسمى “الجرايا”.
الحفاظ على التراث النوبي
يقول محمد الدفا، أحد المشاركين النوبيين، إن هدفنا من كل المشاركات الحفاظ على التراث النوبي وامتداده لكل الأجيال القادمة في جميع المناحي. فنحن ما زلنا نحافظ على تراث الأفراح والأحزان وطقوس رمضان،ومنها الإفطار الجماعي حيث يحمل الرجال صينية عليها الطعام، ويخرجون بها إلى الشارع لتناول الإفطار مع المشروبات التقليدية.
وأضاف، لا نغفل الفن النوبي، حيث الزفة النوبية التي تتم بواسطة الدف التقليدي القديم المصنوع من جلد الماعز، والأراجيد والرقص النوبي، ويُزف العروسان إلى بيت الزوجية مشيًا على الأقدام ضمن مراسم “محمل العروسة” أو “شيلة العروسة”.
المطبخ النوبي التراثي
تشير مني محروس، إحدى المشاركات في المعرض النوبي، إلى تنوع الأكلات النوبية، منها خبز “الكابد” السميك الذي يؤكل مع كل الطعام المطبوخ، و”عيش القرايا” الخفيف الذي يؤكل مع الأكلات الخفيفة.
وتابعت، ” كان الخبيز يتم في أفران “الدوكة”. وهي عبارة عن صوان كانت تصنع من الفخار وتحولت إلى معدن لاحقا. قبل ظهور الغاز الطبيعي والبوتاجازات. كانت هذه الأفران تعمل بوقود من مخلفات النخيل”.
وتكمل، يضم المعرض النوبي العديد من أواني الفخار التي يُصنع فيها الطعام داخل الأفران. بالإضافة إلى القفف المصنوعة من الخوص، التي تستخدم لوضع الخضار ومنتجات الشراء، وتصنعها السيدات في المنازل النوبية. كما يضم المعرض المشعلية النوبية. التي كانت تستخدم في الماضي لتعليق الطعام في وسط المطبخ لحفظه في الهواء وحمايته من التعفن. وتتخذ المشعلية أشكالا مختلفة من الخوص. وتزين بصدف النيل، أو بخيوط الصوف، أو بسعف النخيل.
وعُرضت كذلك الخضاضة المصنوعة من قرع العسل، حيث يجوف قرع العسل ويجفف ليستخدم في حفظ اللبن. الذي يصُنع منه الجبن والسمن البلدي. كما تم عرض المفراكة النوبية، التي تختلف عن مفراكات الصعيد. ولها طرفان مدببان، وتستخدم لفرك “الإتر”، وهو طبق طعام يشبه الملوخية ويصنع من البقدونس والشمر.
مشروبات رئيسية في رمضان
تحدثت منى عن مشروب الأبريق الذي يصنع من الخبز الخفيف. ويعد المشروب الرئيسي في شهر رمضان الكريم، بالإضافة إلى مشروب الكركديه البارد الذي يزرعونه محليا. كما تم عرض منتجات أخرى مصنوعة الخوص وسعف النخيل، مزخرفة بالألوان والتطريز النوبي. وتعبر جميعها عن التراث الشعبي النوبي القديم، الذي تطور مع امتزاجه بالثقافات الأخرى وأثر في ثقافات المناطق المجاورة.
ويضم المعرض أيضا الزي النوبي التقليدي، المتمثل فى “الجرجار” وهو زي النساء. عبارة عن ثوب أسود شفاف مرسوم بأوراق خفيفة تعكس شفافية النيل حيث نشأتهم. وكذلك الجلابية البيضاء النوبية، التي يُلبس أسفلها “العراقي” وهو قميص طويل خفيف أبيض.
اقرأ أيضا:
عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»









