دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

حنان حماد في «الماضي المجهول»: لماذا لَيلى مُراد؟

يواصل موقع «باب مصر» نشر مجموعة من إصدارات دور النشر المصرية، بالتزامن مع افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تستمر فعالياته حتى 3 فبراير المقبل. هنا نستعرض فصلا من كتاب «الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة»، الذي صدر حديثا عن دار الكتب خان، من تأليف الدكتورة حنان حماد وترجمة بسمة ناجي. يتناول الكتاب سيرة الفنانة ليلى مراد، ويكشف تفاصيل عن تحولات المجتمع المصري في القرن العشرين.

 حين توفيت المطربة ونجمة السينما لَيلى مُراد في القاهرة، نوفمبر 1995، كان عنوان مجلة الكواكب: “عاشت مُسلمة وماتت مُسلمة ودُفنت في مقابر المُسلمين”. أرادت المجلة نفي الشائعات التي تفيد بارتداد لَيلى مُراد (1918-1995) إلى اليهودية بعد اعتناقها الإسلام في الأربعينيات.

ظلت التساؤلات حول عقيدة لَيلى مُراد الدينية وولائها لمصر، وعلاقتها بإسرائيل وعلاقات جنسية ربطتها بأفراد من النخبة السياسية تطارد حياتها وإرثها بعد عقود من وفاتها. ومن عجيب المفارقات أنها حققت نجاحها كنجمة لها شعبيتها قبل فترة طويلة من اعتناقها الإسلام. فلم يشكل كونها يهودية وابنة المطرب اليهودي الشهير زكي مُراد عائقًا أمام شهرتها منذ بداية مسيرتها الفنية في عام 1932، حتى عَرض آخر فيلم لها في عام 1955.

***

قامت لَيلى مُراد ببطولة ثمانية وعشرين فيلمًا، تُعَد جميعها تقريبًا من كلاسيكيات السينما الغنائية المصرية والعربية. كانت أعلى نجمات السينما أجرًا، وإيرادات أفلامها من بين أعلى الإيرادات في شباك التذاكر. أطلق عليها معجبوها ونقاد السينما لقب سندريلا السينما المصرية وملكة السينما الغنائية العربية، ثم اعتزلت التمثيل السينمائي، أو بالأحرى، أُجبرت على الاعتزال، بعد ثلاث سنوات من نجاح الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري، عُرف لاحقًا باسم ثورة يوليو 1952. كانت ليلى في السابعة والثلاثين من عمرها حين توقفت مسيرتها الفنية فجأة في منتصف الخمسينيات، وناضلت لعقودٍ من الزمن من أجل العودة للعمل الفني، لكن دون جدوى.

إلا أن شعبية لَيلى لم تتراجع أبدًا، برغم أنها عاشت بقية حياتها في الظل، إذ واصَل معجبوها الاستماع إلى صوتها من خلال التسجيلات والبث الإذاعي والبرامج التلفزيونية. طوال حياتها، وحتى يومنا هذا، كانت لَيلى مُراد واحدة من أكثر المطربات شهرة في العالم العربي. كما حصدت أفلامها وأغانيها المُقرصَنة والمنشورة عبر موقع يوتيوب مئات الآلاف من المشاهدات. وبعد عقود من وفاتها، استمر الاهتمام الشعبي بحياتها، ولم ينقطع سرد قصتها على لسان أجيال من المصريين.

***

وُلِدت لَيلى مُراد في عائلة يهودية عام 1918، قبل عام واحد من ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني لمصر الذي بدأ في عام 1882. ربما فشلت الثورة القومية في إجبار البريطانيين على الجلاء من البلاد، لكنها حولت مصر إلى مَلَكية شبه مستقلة، وبشَّرت بما صار يُعرف بالعهد الليبرالي في مصر الحديثة (1923-1952). وبرغم بُعدها عن الديمقراطية واستمرار الوصاية البريطانية، حُكِمت مصر في تلك الحقبة بمنظومة برلمانية دستورية وتمتعت بثقافة عامة تعددية كوزموبوليتانية مزدهرة.

نشأت لَيلى مُراد في أسرة من الطبقة المتوسطة بالقاهرة خلال فترة شهدت تنوعًا عرقيًّا ودينيًّا. كان والدها، زكي مُراد (حوالي 1880-1946)، مطربًا مشهورًا ازدهرت حياته الفنية حتى منتصف عشرينيات القرن العشرين. وفي أوائل الثلاثينيات، يسَّرت خبرته واتصالاته في المشهد الموسيقي إطلاق مسيرة لَيلى الغنائية وهي لم تزَل مراهقة. فبعد نجاحها كمطربة، قامت ببطولة أول فيلم لها، “يحيا الحب” للمخرج محمد كريم (1938)، مع المطرب والموسيقار النجم محمد عبد الوهاب (حوالي 1902-1991).

غلاف كتاب «الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة»
«الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة»
***

في عام 1945، تزوجت لَيلى مُراد من الممثل أنور وجدي وشكَّلا معًا الثنائي الأشهر في السينما العربية. عاش الثنائي لَيلى وأنور حياة فنية ناجحة وحياة أسرية مُعقدة، فتزوجا وتطلقا لثلاث مرات خلال سبع سنوات، وملأت أخبار مشاكلهما الأسرية أعمدة شائعات المشاهير. وفي أثناء زواجهما، وثقت لَيلى مُراد اعتناقها الإسلام في سجلات المحكمة عام 1947، وأشهرته في عام 1948 في أعقاب أول حرب عربية – إسرائيلية في فلسطين. استمر نجاحها حيث سجلت رقمًا قياسيًّا كأعلى الممثلات أجرًا في عام 1950، وصوَّت لها الجمهور كأفضل ممثلة ومطربة في استطلاعات الرأي لعام 1951.

وتثبُت شعبيتها بحقيقة أن دور السينما كانت تعرض فيلمين أو ثلاثة أفلام لها في نفس الموسم كل عام تقريبًا بين عامي 1941 و1952. ثم بعد شهر واحد من تولي الضباط الأحرار المصريين السلطة في يوليو 1952، حظرت سوريا أفلام لَيلى مُراد وأغانيها بسبب شائعات حول تبرعها بالمال سرًّا لإسرائيل وزيارتها لها. إلا أن التحقيقات المصرية التي أجراها النظام العسكري الجديد في القاهرة دحضت هذه الشائعات، فواصلت لَيلى مُراد العمل وقامت ببطولة أفلام جديدة، كما أيدت بصوتها نظام الضباط الأحرار بالأغاني الوطنية وبدعم المبادرات التي يقودها الجيش في الحياة العامة.

***

ثم على نحو مفاجئ، توقفت عن العمل في السينما بعد عرض فيلم “الحبيب المجهول” (حسن الصيفي، 1955)، برغم العديد من الخطط والمحاولات لاستئناف مسيرتها السينمائية. حتى الآن، تحرص الإذاعة على بَث أغانيها ويعرض التلفزيون أفلامها القديمة بانتظام، ما يحفظ صورتها الشابة في الذاكرة الشعبية كواحدة من أحب المطربات في مصر والعالم العربي. لا يزال الجمهور من جميع الأعمار يستمع إلى أغانيها القصيرة ذات الإيقاع السريع، ويشاهد أفلامها الغنائية بعد عقود من وفاتها. كما يُعيد المطربون المعاصرون تقديم أغانيها في ألبومات وحفلات مباشرة مخصصة للاحتفاء بالكلاسيكيات العربية الحديثة. ولا يزال النقاد والكتاب ينشرون المقالات والكتب التي تغذي الاهتمام الجماهيري بها.

لأهمية الغناء في الثقافة والسينما المصرية، لا تعتبر لَيلى مُراد مجرد نجمة. فقد حظيَت بنجومية هائلة وصارت إحدى أحب المطربات والممثلات في مصر، وظلت شعبيتها ثابتة لعقودٍ بعد وفاتها. على هذا الأساس وحده، استحقت حياتها ومسيرتها الفنية الدراسة. وفي القلب من هذه الدراسة، تتلخص التساؤلات الجوهرية حول سبب توقف مسيرتها السينمائية في منتصف الخمسينيات بعد انطلاقة صارخة النجاح؟ وكيف أثرت حقيقة ولادتها لعائلة يهودية والحظر السوري لأفلامها على مسيرتها الفنية؟

***

وما هي تداعيات علاقتها الحميمة بأحد الضباط الأحرار؟ وما الدور الذي لعبته جنسانيتها وعمرها وصورة جسدها المتغيرة في مسيرة حياتها؟ وكيف يتذكرها الناس؟ لا يُمثِّل تاريخ لَيلى مُراد قصة نجمة شهيرة لها مكانتها فحسب، بل يروي تاريخ الزوجات اليهوديات والمتحولات إلى الإسلام والأسر متعددة الأديان في مصر الحديثة. هنا، أستخدمُ قصتها كمنظور لإعادة سرد تاريخ الثقافة والسياسة المصرية، مع تأمل دور النجمات الإناث والمعايير المزدوجة والتوقعات الاجتماعية التي خضعن لها. كما يعمق التركيز على قرارها باعتناق الإسلام وتوقيت إعلانه فهمنا للتشابك بين السياسات الاجتماعية والدينية والجندرية.

طوال النصف الثاني من القرن العشرين، ارتبطت حياة لَيلى مُراد بالسياسة الوطنية والإقليمية الكبرى. بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في يوليو 1952، أطلقوا على انقلابهم العسكري اسم الحركة المباركة، وحوَّل الدعم الشعبي الانقلاب العسكري إلى ثورة 23 يوليو. نفى الضباط الأحرار الملك فاروق، الذي حكم مصر في الفترة بين عامي 1936-1952، وألغوا النظام الملكي، ثم أطاحوا بالنظام البرلماني، وحلوا الأحزاب السياسية، وأعلنوا الجمهورية في عام 1953.

***

منذ بداية حركتهم، خاض الضباط الأحرار صراعًا داخليًّا وحشيًّا على السلطة، برز من خلاله جمال عبد الناصر كقائد للمجلس العسكري.[1] فبعد ترسيخ حكمه كثاني رئيس للجمهورية، أطلق ناصر (حكم 1954-1970) برامج طموحة للتنمية الاقتصادية والبشرية. وبالنسبة لليهود المصريين، مثَّلت السنوات التأسيسية للجمهورية فترة حَرِجة. في الأسابيع الأولى التي أعقبت ثورة 23 يوليو، أكد الضباط الأحرار التزامهم بحماية اليهود المصريين، وزار القائد الرسمي للضباط الأحرار وأول رئيس مصري، اللواء محمد نجيب (حكم كرئيس جمهورية من يونيو 1953 إلى نوفمبر 1954)، المعبد اليهودي الرئيسي بوسط القاهرة في يوم الغفران من عام 1952.

كما زار نجيب معبد القرائين في العباسية، مؤكدًا التزام النظام بالمواطنة والحقوق العلمانية الليبرالية: “لا فرق بين اليهود والمُسلمين والمسيحيين. الدين لله، والوطن للجميع”.[2] مع ذلك، جنَّدت شبكات التجسس الإسرائيلية بعض اليهود المحليين لتنفيذ سلسلة من أعمال التخريب ضد المصالح الغربية بالقاهرة والإسكندرية في عام 1954، بغرض إحراج النظام الجديد باعتباره غير كفء وعاجزًا عن حفظ استقرار مصر.

***

أدت هذه الحملة التخريبية المعروفة باسم قضية لافون ويُشار لها أيضًا بعملية سوزانا، والتي أعقبها العدوان الثلاثي، الإسرائيلي البريطاني الفرنسي، على مصر (حرب السويس عام 1956)، إلى زيادة صعوبة حياة اليهود المصريين. إلا أن النظام وأنصاره لم يحرصوا على، وفي بعض الحالات لم يشغلهم، التمييز بين اليهود والصهاينة.

وقعت لَيلى مُراد في شِراك التحولات السياسية الكبرى خلال خمسينيات القرن الماضي – وكلفتها تعقيدات تلك التحولات حياتها الفنية. وبرغم اعتناقها الإسلام في أواخر الأربعينيات، إلا أن تجاربها ألقت الضوء على بعض الضغوط التي واجهها بقية اليهود في مصر في الخمسينيات. طالتها شائعات خبيثة زعمت أنها تدعم إسرائيل، الاتهامات التي برأها النظام منها في النهاية. وبتقصي الحقائق المتعلقة بهذا الافتراء، تعكس هذه الدراسة دور الصحافة الشعبية وتأثير الصراع العربي الإسرائيلي على يهود مصر. في أعقاب ثورة الضباط الأحرار، وبينما كانت تواصل محاولاتها الجادة لتبرئة نفسها واستعادة دعم معجبيها العرب، ارتبطت لَيلى مُراد عاطفيًّا بأحد الضباط الأحرار، الذي تبرأ من علاقته بها بعد حملها.

***
ليلى مراد
ليلى مراد

تتيح لنا دراسة حياة لَيلى مُراد ومسيرتها الفنية تتبُّع تأثير السياسة الإقليمية والوطنية على الحياة اليومية للفرد. كما توضح كيف تأثر الأفراد بالسياسات الكبرى المتمثلة في الانتقال من الملكية شبه الاستعمارية إلى الحكم العسكري، من صعود القومية العربية والإسلام السياسي إلى هزيمتهما، وكيف تفاعلوا معها. إلى أي مدى حدد موقف لَيلى مُراد كامرأة ونجمة من أصل يهودي خياراتها الشخصية والفنية للاستفادة من الفرص وتجنب التهديدات المصاحبة للانتقال من الملكية إلى نظام ناصر بعد عام 1954؟

إن اعتزالها القسري لصناعة السينما هو قصة مشاعر ومخاوف وتطلعات وصراعات مر بها الكثيرون في مصر في مرحلة ما بعد الاستعمار. فخلال عِقدٍ واحد بعد ثورة 1952، شهدت لَيلى مُراد، كحال مصريين كُثُر، تقلبات عاطفية ومهنية شديدة بسبب حرب السويس (العدوان الثلاثي)، ورحيل اليهود عن مصر، والانتقال من اقتصاد السوق المفتوح وما أطلق عليه الكثيرون التعددية في العصر الليبرالي إلى رأسمالية الدولة وسيطرة الدولة على وسائل الإعلام والمجال العام. تزامنت حياة لَيلى مع الاضطرابات التي شهدتها مصر إثر الحروب العربية – الإسرائيلية (1948 و1956 و1967 و1973) وإبرام اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل (1979)، ما جعلها تُعايش بحث المصريين عن تعريف لهويتهم الوطنية، من التعددية الليبرالية والقومية العربية وثقافة السلام إلى الإسلاموية.

***

أثَّرت كل هذه التطورات بشكل كبير على أسرتها ومسيرتها الفنية، لكنها لم تكن امرأة قوية دومًا كما لم تكُن امرأة قليلة الحيلة كذلك. إن إعادة بناء الكيفية التي مررت بها لَيلى مُراد هذه السنوات تتطلب أكثر من مجرد مناقشة واعتراف بقدرة فنانة استثنائية على التعبير عن نفسها في مجتمعٍ مُعقد. بل تتطلب استقصاء الواقع المعاش للآلام والآمال الحميمة المتجسدة في تجربة الفرد وتمثيلها لتجارب العديدين غيره.

ومع هذه التغيرات السياسية والثقافية السريعة، عاشت لَيلى مُراد أحيانًا كسيدة استثنائية منتمية إلى أقلية. مع ذلك، عكست حياتها في كثير من الأحيان الواقع الجنساني للديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها كثيراتٌ من نساء مصر في القرن العشرين. فمثل العديد من النساء في مصر الحديثة، كانت زوجةً وامرأة عاملة وأُمًّا. لكن على عكس الكثيرات، تزوجت من رجال ذوي شهرة وسلطة ثم طُلقت منهم. واجهت لَيلى مشاكلها الشخصية والأسرية تحت أضواء الشهرة الساطعة والهشاشة المراوغة للنساء من الأقليات وفي أسرة متعددة الأديان وتحت حُكم البطريركية الاجتماعية، ما كشَف ضعفها لأنظار الجمهور أثناء بحثها عن الحب والحماية في علاقة مع أحد الضباط الأحرار الشباب.

***

يجب وضع تجارب لَيلى مُراد في إطار البيئة القانونية والتجارب المعاشة لدولة ومجتمع لا يزالان يُغالبان أسئلة النوع الاجتماعي والجنسانية وأمومة العزباوات والأقليات الدينية. إن فحص شبكة المفاهيم الاجتماعية والعلاقات والمؤسسات والأفراد التي شكلت عالمها يجعل حياتها بيانًا لحياة العديد من الناس، المشاهير والعاديين على حد سواء. قد يقدم البحث في السيرة الذاتية رؤًى ثرية حول ديناميكيات التفاعل بين الأفراد والتاريخ، والعالمين الخاص والعام، والذات والآخر.[3]

بمزج تاريخ مصر الحديثة مع سيرة لَيلى مُراد، أسعى إلى ربط الظواهر الاجتماعية المتباينة بالتجارب الشخصية. وبرغم كون السِّيَر لا تزال ابنةً ممقوتةً للتاريخ، فإنها توفر معلومات أكثر أهمية من أي شكل آخر من أشكال السرد التاريخي وتوضح كيف أثرت التطورات التاريخية على مماثلي لَيلى في الجنس والعرق والطبقة والمصاعِب.[4]

بعبارة أخرى، توظف هذه الدراسة سيرة لَيلى مُراد لتفكيك السرديات الكبرى للقومية المصرية واستعادة ما تتجاهله هذه السرديات القومية، بقصدٍ أو بغير قصد، أو تستبعده أو تسكت عنه.[5] كمؤرخة ومصرية، فإن مزج التاريخ بالسيرة ينقذ تحليلي النقدي من الوقوع في فخ السرديات السِّيَريَّة والسرديات القومية المعتادة التي إما تقدح في شخص موضوعها أو تُقدسه.

***

يتعامل هذا الكتاب مع مسيرة لَيلى مُراد باعتبارها منظورًا يمكن من خلاله فحص وتحليل التحولات التاريخية من خلال تطلعاتها الفردية وانتصاراتها ومشاعرها وآلامها. كما تتيح دراسة حياتها وإرثها إجراء تقييم دقيق للنجاح الاقتصادي للسينما ومكانة التسامح في المجتمع المصري قبل عام 1952 وبعده.

الأهم من ذلك، تجسيد تجربتها لسياسات القومية العربية ومقاطعة إسرائيل في الخطاب الرسمي والتطبيق. لا يتحقق فَهم كامل لتاريخ مصر بعد يوليو 1952 دون فَهم المشاعر المتناقضة التي عاشها الأفراد والجماعات في تعاملهم مع التغيُّرات الاجتماعية والسياسية التي أدخلها النظام. عاشت لَيلى مُراد حياتها كابنة وأخت وزميلة عمل وزوجة وحبيبة داخل شبكات عائلية واجتماعية ومؤسسية ومهنية مُحكمة ومتداخلة. باستنطاق تجربتها.

ليلى مراد
ليلى مراد
***

يتناول هذا الكتاب مجالَي الترفيه والإعلام وعلاقاتهما بالسياسة الوطنية والإقليمية وشؤون الأقليات الدينية والنوع الاجتماعي في لحظات حرجة من تاريخ مصر الحديث. فبدلًا من تقديم حالة للاحتفاء بنجمة ناجحة في مقابل القوى الأبوية للمجتمع، تُسلط حياة لَيلى مُراد الضوء على الحقائق الفوضوية والمتناقضة لتقويض النساء أنفسهن لقواهن، عمدًا أو بغير قصد، من خلال توظيف أدوات النظام الأبوي وتعزيزه.

لا تعكس كل أفعال تقويض الهيمنة الأبوية مقاومة نِسوية بالضرورة، ولا تُفلِح كل عملية تكريس لقوة امرأة لتحقيق نجاح تجاري أو نجاة فردية في تجنب النتائج غير المقصودة. في عملها وحياتها الشخصية، اتخذت لَيلى مُراد خيارات نفعتها وضَرتها في الوقت نفسه، بغض النظر عن مدى نِسوية هذه الخيارات. ففي نجاحاتها، وكذلك إخفاقاتها، كانت تعرف موضعيتها وواعية بقوتها وحدود خياراتها.

الترفيه التجاري

يتناول هذا الكتاب الدور الذي لعبته صناعة الترفيه في البناء الاجتماعي للهُويات الوطنية المُجَندَرة، والجنسانية، والأخلاقيات العامة في مصر والعالم العربي بأكمله. كانت السينما “أداة لإنتاج الوعي على نطاق واسع، وآلة لتقطيب القضايا باتساق وثبوتية وهميَّين، وحزمة من الاستراتيجيات الأسلوبية التي تلحِم المتعة بالمعنى لإعادة إنتاج التسلسلات الهرمية الاجتماعية والجندرية المهيمنة ذاتها”.[6]

ينطلق هذا الكتاب من حقيقة أن الأفلام التجارية ومجلات أخبار النجوم كانت “النصوص” الأكثر مقروئية على أوسع نطاق فيما يخص النوع الاجتماعي والطبقة في العالم العربي خلال القرن العشرين. وهنا يجب علينا الحرص كي لا نخلط بين التجاري والمُبتذل أو نقارنه بالإنتاجات السينمائية الفكرية الأكثر تعقيدًا.

***

جميع الأفلام الروائية التي أُنتِجت في مصر ووُزِعَت في جميع أنحاء العالم العربي خلال فترة منتصف القرن العشرين كانت تجارية، ما يعني أنها أُنتجت كفنٍّ مُوجَّه لجمهور من جميع الطبقات ومستويات التعليم. وقد تنوعت الأفلام من حيث مستوى طرحها الفكري، وتفاعلها الواقعي مع القضايا الاجتماعية، وجمالياتها، وتمويلها، إلا أن الهدف من كل ذلك في النهاية كان تحقيق الربح من خلال بيع التذاكر وإرضاء الجماهير الغفيرة.

أدت الإنتاجات التي تستهدف الإشادات النقدية والجوائز في المقام الأول إلى التمييز بين السينما التجارية والسينما “الفكرية”، والتي ظهرت في منتصف الخمسينيات. وقد أظهر مسح تاريخي شامل للأفلام المصرية الأكثر رواجًا، سواء التي أثبتت أهميتها بنجاحها في شباك التذاكر وأصالتها أو التي ظلت معروفة على نطاق واسع، أن الأفلام الرائجة تبنَّت خطابات حول النوع الاجتماعي والطبقة والقومية.[7]

***

شكلت الأفلام التي أُنتِجت في مصر خلال فترة ما بين الحربين العالميتين والعقود التالية جزءًا من التكوين التاريخي للحداثة المصرية، وهي حزمة واسعة من التحولات الثقافية والجمالية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.[8] وبالتالي، فإن أفلام لَيلى مُراد هي أحد أشكال الخطاب الذي يعبر عن الحداثة ويتعاطى معها. فبرغم اجتذاب السينما في فترة ما بين الحربين العالميتين للجماهير من جميع الفئات الاجتماعية، فإنها أسست لمعايير الطبقة المتوسطة المصرية تحديدًا.[9] كان إنتاج الأفلام يهدف إلى الترفيه، إلا أنه ساهم في تشكيل الخطاب العام حول النوع الاجتماعي، وجنسانية النساء، وغيرها من القضايا الاجتماعية. وكجميع الأفلام التجارية، كانت له أهمية كبرى في عملية بناء المُركَّب الثقافي للبرجوازية.

أتعاملُ مع أفلام لَيلى مُراد باعتبارها نصوصًا متعددة الطبقات ذات رؤى مختلفة، وأقارن الخطابات الاجتماعية التي تنتشر من خلالها بالحياة التي عاشتها هذه النجمة والتي منحت تلك الخطابات صوتًا وصورة. بمقارنة الحياة الحقيقية للَيلى مُراد كامرأة عاملة ومهنية ناجحة بشخصياتها على الشاشة، أتساءل كيف ولماذا روجت رسائل تعارِض عمل المرأة خارج المنزل ودعت إلى تقييد جنسانية النساء.

***

كانت أفلامها ناجحة تجاريًّا وجذبت جماهير من جميع قطاعات المجتمع. وكغيرها من الفنانات الناجحات، عملت لَيلى مُراد على تطوير مهاراتها باستمرار واستخدام مواهبها لتحقيق الشهرة والثروة. كانت تدرك أن نجاحها يعتمد على وصول أغانيها وأفلامها إلى جمهور عريض وتحقيق أرباح مالية، وبالتالي، لتحقيق أهدافها، كان عليها أن تتعاون بشكل انتقائي مع الأفراد والجماعات والمؤسسات. لم تكن ليلى خاضعة بالكامل ولا حرة تمامًا؛ بل كانت تشارك بفاعلية وتتعاون مع آخرين للظهور في أنجح الأفلام وكسب أكبر قدر ممكن من المال.

يمكن كتابة التاريخ الاجتماعي لأي أمة من خلال تتبع حياة نجومها السينمائيين، حيث تعكس حياة هؤلاء النجوم، وخاصة النجمات الإناث، صورة المجتمع التي يتوافق الجمهور معها.[10] لم يجذب انتباه الباحثين سوى عدد قليل من المطربات العربيات، في حين تظل المسارات الشخصية والفنية للكثيرات منهن مصادر غير مكتشفة لدراسة السياسات الاجتماعية الثقافية العربية.

***

فالدراسات حول الفنانات العربيات ركزت على قدرتهن الاستثنائية ونجاحهن في ترسيخ مكانتهن كرموز ثقافية وطنية.[11] فرسَّخ الباحثون بشكل قاطع دور أم كلثوم (حوالي 1904-1975) وفيروز (1934- ) في بناء الأمة وتقديم أنفسهن كرموز وطنية في القرن العشرين. إن افتراض قصدية هاتين المطربتين فيما يتعلق بدوريهما يتجاهل مساهمة الجهات الاجتماعية الفاعلة الأخرى في تشكيل وضع المرأة في القومية المصرية واللبنانية على التوالي، والثقافة العربية.

أثقَل دور النساء في المشاريع الوطنية كاهل النجمات البارزات بأدوار مَجازية في عملية بناء الأمة.[12] كما جردت الثقافة الاجتماعية الأبوية النساء من جنسانيتهن، فكان على فيروز أن تبالغ في ممارسة أمومتها وأن تعمل بجدية أكبر لإثبات ملاءمتها لمكانها كرمز للأمة.[13] كما ساهمت أم كلثوم، التي يمكن القول بأنها أهم فنانة عربية ظهرت خلال القرن العشرين، في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية بطريقة تعزز أيديولوجية الهُوية المصرية وتصبغها بتعبير خاص يُعتبر إسلاميًّا ومصريًّا وعربيًّا أصيلًا.[14]

لكن يجب ألا نُغفِل السرديات التي أعدت المطربات العربيات ليصبحن أيقونات وطنية واستخدمت هؤلاء النساء الموهوبات في صياغة سردية قومية متسقة مع نفسها ومتناغمة. بعبارة أخرى، امتزجت الصور والواقع بعضهما مع بعض بل وربما عرَّف كل منهما الآخر.[15]

***

طوال القرن العشرين وحتى اليوم – بعد عقود من وفاتها – ظلت لَيلى مُراد اسمًا مألوفًا في الثقافة الشعبية المصرية والعربية. تطرح مساراتها الشخصية والفنية ومكانتها التي خصصها لها المصريون من ثقافتهم الشعبية رؤًى حول السياسات الدينية العرقية المُجندَرة لصناعة الترفيه ودور نجوم السينما كوسطاء وأدوات في بناء الأنظمة الطبقية والجندرية والجنسانية. فقد شكَّلَ بناء وتمثيل شخصية لَيلى مُراد من قبل الدولة ومتوسطي الثقافة ​​من الطيف السياسي قصة حياتها بصورة تخدم مصالحهم.

لقد رَوَوا قصتهم عنها، لا قصتها، من خلال عمليات استيعاب للتنقل عبر الصِّلات دائمة التغيُّر بين الدين والقومية المصرية. بسرد قصة صعود لَيلى مُراد إلى قمة النجومية، ثم اختفائها المفاجئ من شاشات السينما، في وقتٍ غير مناسب، روى المصريون نسخهم المتناقضة لتاريخ الدولة والمجتمع المصري الحديث ومحاولاتهم لفهم معنى أن تكون مصريًّا. أتناول هنا سرديات حياة وشخصية لَيلى مُراد في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة وفي المشاركات المكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا كخطابات عامة حول النوع والعرق ومكانة اليهود في التاريخ والثقافة المصرية الحديثة.

***

وكما روتها هي وآخرون، توضح قصتها الدور الحاسم الذي لعبته الثقافة الشعبية والسينما التجارية ومجلات أخبار النجوم في بناء هُوية مصرية عربية – إسلامية حصرًا. توضِّح قصة لَيلى مُراد كيف تمتد جذور أسلمة المجتمع المصري في فترة أواخر القرن العشرين في وسائل الإعلام العلمانية، وبخاصة الدوريات الفنية ومجلات أخبار النجوم والمعجبين. وكما “عَلمَنت” وسائل الإعلام طقوس الأعياد الدينية،

فقد أضفت أيضًا على شخصيات نجوم السينما صبغة دينية. تقدم قصة حياة لَيلى مُراد متعددة الأوجه فرصة لدراسة كيف تم تشكيل الثقافة الشعبية وإعادة تشكيلها باستمرار من خلال تفسير المصريين للهُوية المصرية والقبول ضمنها أو الإقصاء من حدودها. إن هذه التفسيرات توضح استغلال الثقافة الشعبية في بناء الهُوية المصرية والتعبير عنها فيما يتعلق بالأنوثة الصالحة والعروبة والإسلام.

***

يبين هذا الكتاب كيف نجحت لَيلى مُراد في بناء مسيرة فنية ناجحة وساهمت في تكوين الثقافة الشعبية العربية والمصرية، وكيف ولماذا حولها الآخرون إلى موضوع ضمن عمليات الاستيعاب لبناء الهُوية المصرية المعاصرة باعتبارها عربية-إسلامية حصرًا. إذ تعتمد الهُوية الوطنية على علاقة مرنة ومتغيرة باستمرار بين الذات والآخرين.[16]

كانت لَيلى مُراد نجمة مشهورة ويهودية اعتنقت الإسلام في ظل قتامة الأوضاع بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. وازدهرت مسيرتها الفنية المُبهرة في ظل النظام الملكي ثم منحت صوتًا غنائيًّا للضباط الأحرار الجُدد أثناء صعودهم إلى السلطة بعد يوليو 1952؛ ثم انتهت مسيرتها بعد فترة وجيزة من استقرار السلطة في يد ناصر، إثر العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.

هوامش

[1]  لوصف شامل لنظام الضباط الأحرار، انظر:

Joel Gordon, Nasser’s Blessed Movement: Egypt’s Free Officers and the July Revolution (Oxford: Oxford University Press, 1992).

[2] Joel Beinin, The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern Diaspora (Cairo: American University in Cairo Press, 2005), 75.

[3] Barbara Merrill and Linden West, Using Biographical Methods in Social Research

(London: SAGE, 2009), 1.

[4] David Nasaw, “AHR Roundtable Historians and Biography: Introduction,” American Historical Review 114, no. 3 (June 2009): 573–578, here 573; Peter Ackroyd, Lon- don: The Biography (London: Chatto & Windus, 2000), 2.

[5] Barbara Caine, Biography and History (London: Palgrave Macmillan, 2010), 7.

[6]  Miriam Hansen, “The Mass Production of the Senses: Classical Cinema as Vernacular Modernism,” Modernism/Modernity 6, no. 2 (1999): 59–77, here 63.

[7]  Viola Shafik, Popular Egyptian Cinema: Gender, Class, and Nation (Cairo: Ameri- can University in Cairo Press, 2007).

[8]  Hansen, “Mass Production of the Senses,” 62.

[9] Walter Armbrust, “The Golden Age before the Golden Age: Commercial Egyptian Cinema before the 1960s,” in Mass Mediations: New Approaches to Popular Culture in the Middle East and Beyond, ed. Walter Armbrust (Berkeley: University of California Press, 2000), 292–328.

[10] Jennifer Coates, Making Icons: Repetition and the Female Image in Japanese Cinema, 1945–1964 (Hong Kong: Hong Kong University Press, 2016), 33.

[11] Virginia Danielson, The Voice of Egypt: Umm Kulthum, Arabic Song, and Egyptian Society in the Twentieth Century (Chicago: University of Chicago Press, 1997); Ifdal Elsaket, “The Star of the East: Umm Kulthum and Egyptian Cinema,” in Stars in World Cinema: Screen Icons and Star Systems across Cultures, ed. Andrea Bandhauer and Michelle Royer (London: I. B. Tauris, 2015), 36–50; Sherifa Zuhur, Asmahan’s Secrets: Woman, War, and Song (Austin: University of Texas Press, 2000); Christopher Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation (New York: Routledge, 2008);

منى أحمد غندور، (سلطانات الشاشة: رائدات السينما المصرية (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2005.

[12] Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon, 12.

[13] Stone, 12.

[14] Danielson, Voice of Egypt, 1–2.

[15] Walter Armbrust, Mass Culture and Modernism in Egypt (Cambridge: Cam- bridge University Press, 1996), 3, 21.

[16] Yingjin Zhang, “From ‘Minority Film’ to ‘Minority Discourse’: Questions of Nationhood and Ethnicity in Chinese Cinema,” Cinema Journal 36, no. 3 (Spring 1997): 73–90, here 3–4.

اقرأ ايضا:

ممدوح صقر يكتب: الحرف في السينما المصرية.. حوار المشربية والخيامية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.