جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي
مرت منذ أيام الذكرى الـ55 لافتتاح السد العالي. المشروع الذي لم يكن مجرد إنجاز هندسي عملاق، بل ملحمة وطنية خاضها المصريون بإرادة صلبة وعزيمة لا تعرف التراجع. وفي 15 يناير 1971، اليوم الذي اتخذته محافظة أسوان عيدا قوميا لها، تعود إلى الذاكرة حكايات بناة السد الذين وقفوا خلف هذا الإنجاز التاريخي، ويشاركون ذكرياتهم لـ«باب مصر».
مسعف بناة السد: كنا نعمل وسط التفجيرات
يروي الحاج إبراهيم محمد حامد، 86 عاما، الشهير بـ”الدراش”، والمقيم حتى اليوم في مستعمرة السد العالي شرق. وهي المساكن التي خُصصت للعاملين بالمشروع، أنه التحق بالعمل في إنشاء السد عام 1960. في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى الأيدي العاملة والخبرات التخصصية، خاصة في المواقع الخطرة.
ويضيف: “عملت في مجال الإسعافات داخل المستشفيات والأقسام الطبية المختلفة. وهو ما أهلني للعمل مسعفا في مواقع إنشاء السد العالي”. ومع بداية عمله، تسلم حقيبة إسعافات طبية، وكُلف بالعمل داخل “كشك طبي” خشبي متنقل. يتم نقله من موقع إلى آخر بحسب أماكن تجمع العمال وحركة العمل اليومية.
لم يكن العمل سهلا
يوضح الحاج إبراهيم أن العمل لم يكن سهلا، فالساعات تمتد إلى 12 ساعة متواصلة، يتولى بعدها زميل آخر المهمة. وفي كثير من الأحيان، كان يجلس وحيدا داخل الكشك الطبي، يعاونه مساعد واحد فقط، مهمته المساعدة في نقل المصابين أو المتوفين عند الحاجة.
ويضيف: “كنت أستقبل العمال المصابين، وأجري الكشف الطبي المبدئي، وأتعامل مع الإصابات البسيطة في الموقع. أما الحالات الخطرة فكانت تُنقل فورا بسيارات الإسعاف إلى المستشفى”.
ويتابع أن جميع العاملين في مشروع السد العالي كانوا يحصلون على العلاج الكامل والجراحات اللازمة مجانا، دون تحميلهم أي أعباء مالية. وفي حالات الوفاة، كان يرافق الجثمان والمتعلقات الشخصية حتى المشرحة. في مشهد إنساني لم يكن يخلو من الألم.
ويسترجع أحد أصعب المواقف التي لا تزال محفورة في ذاكرته، حين كان يعمل داخل الكشك الطبي في منطقة القناة الأمامية للسد قبل تحويل مجرى نهر النيل. قائلا: “لم أكن أعلم بموعد التفجيرات اليومية، التي كانت تتم في تمام الثانية والنصف ظهرا”. لافتا إلى أن أحد العاملين تدخل في اللحظة الأخيرة وأبعده عن الموقع لمسافة تقارب الكيلومتر.
ويتابع: “بعد دقائق، شاهدت الصخور تتساقط من الجبال عقب التفجير، كأنها مطر ينهمر من السماء. مما تسبب في تدمير الكشك الطبي بالكامل”. ورغم نجاته بأعجوبة، شعر بالحزن لفقدان العُهدة الطبية. خاصة أنه كان حديث العهد بالعمل، وتوجه إلى الإدارة وهو يبكي. إلا أن الرد جاء مطمئنا: «المهم سلامتك قبل أي حاجة، وإحنا محتاجينك تكمل معانا، وهنسلمك حقيبة إسعافات أخرى”.

مرحلة جديدة
يشير “مسعف بناة السد العالي” إلى أنه مع الانتهاء من تحويل مجرى النيل عام 1964، بدأت مرحلة جديدة من المشروع، أكثر استقرارًا وأقل خطورة. حيث انخفضت معدلات الإصابات، ودخل السد مرحلة التشييد والتشغيل. وكانت هناك زيارات متكررة للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يحرص على التواجد وسط العمال، والاطمئنان عليهم.
ويؤكد أن العاملين كانوا يعملون بروح واحدة، كخلية نحل لا تهدأ، تضم آلاف العمال من مختلف التخصصات. من لحامين وفنيين وميكانيكيين وحمالين، إلى جانب الخبراء الروس، مضيفا: “كان المصاب أحيانا يغرق في دمائه. ومع ذلك يصر على استكمال العمل حتى لا يتعطل المشروع”.
وعن ظروف المعيشة، أوضح أن الأجر الشهري لم يكن يتجاوز 20 جنيهًا، لكن روح التعاون كانت تعوض كل شيء. حيث كان العمال يتقاسمون الطعام والاحتياجات اليومية. كما منحتهم الدولة وحدات سكنية بالمجان داخل مستعمرة السد. ويعبر عن سعادته بأنه أتم رسالته مع أبنائه، حتى حصلوا على مؤهلات عليا.
الحاج “ملا”: كنا نعمل بروح واحدة
يقول الحاج محمد عبد الله ملا، أحد بناة السد العالي، من مواليد 26 إبريل 1945. والذي عمل كبير فنيين بالسد قبل خروجه على المعاش، إنه حصل على دبلوم الصنايع من مدرسة كوم أمبو الثانوية الصناعية، قسم كهرباء، عام 1965. وبمجرد تخرجه التحق بالعمل في مشروع السد العالي مباشرة. ضمن دفعة كاملة جرى استلامها من مختلف محافظات الجمهورية، نظرا لاحتياج المشروع إلى أعداد كبيرة من الفنيين المتخصصين.
وأوضح أن مراحل الخرسانة والقواعد وجسم السد كانت قد انتهت. وبدأ العمل في التركيبات الكهربائية والميكانيكية وتركيب البوابات. حيث كان تخصصه في التركيبات الكهربائية، إضافة إلى تجهيز المعدات القادمة من الاتحاد السوفيتي تمهيدا لتركيبها داخل السد.
وأشار إلى أنه تلقى مع زملائه تدريبا عمليا استمر ستة أشهر في مركز التدريب بحي شرق أسوان. شمل أعمال اللحام والتركيبات الكهربائية وتجميع المعدات، لتكون جاهزة للتركيب دون الحاجة إلى تعديلات إضافية. مشيرا إلى أنهم “كانوا يعملون وفق رسومات هندسية دقيقة تصلهم من الخبراء المصريين والروس لتنفيذ قواعد المعدات القادمة من الاتحاد السوفيتي”.

خلية نحل.. جنبًا إلى جنب
عن أجواء العمل داخل السد العالي، أكد الحاج “ملا” أن الموقع كان أشبه بخلية نحل لا تهدأ، فكل عامل كان يعرف دوره جيدا. والجميع يعمل بروح واحدة دون تفرقة، والهدف كان واحدا: إنجاز المشروع.
وأضاف أن الخبراء الروس كانوا يعملون جنبا إلى جنب مع المصريين دون أي تعال، وكانوا مثالًا للجدية والانضباط. إذ كانوا يعملون لساعات طويلة قد تصل أحيانا إلى 24 ساعة متواصلة،.ما زرع في الجميع روح الالتزام والعمل الجاد.
ويروي الحاج”ملا” أحد المواقف التي لا ينساها، حين تعرض عامل روسي لإصابة بالغة أثناء تشغيل ماكينة تقطيع الصاج. حيث بُتر أحد أصابعه، لكنه أمسك بالإصبع المقطوع وربطه بمنديل. وطلب عدم إبلاغ أحد حتى لا يتم ترحيله. ثم واصل عمله دون إسعاف أو علاج، في مشهد يعكس حجم الإصرار على استكمال العمل.
وأوضح أن يوم العمل كان يبدأ في الرابعة فجرا. حيث يستقل العمال القطار في الخامسة صباحا إلى موقع السد، ويبدؤون العمل في السادسة، ويعودون في الثانية ظهرا عقب انتهاء الوردية. وكان السكن مخصصا للعاملين في منطقة السيل، حيث كانت تسكن أسرتان في شقة واحدة مجهزة بالكامل. ومع الوقت تحولت هذه الأسر إلى عائلة واحدة مترابطة.
وأضاف أن الوجبات كانت تقدم للعاملين بأسعار رمزية. إذ كانت الوجبة المتكاملة من لحم وأرز وخضار تُباع بثلاثة قروش فقط، ويتم إعدادها في وحدات الطعام بالموقع ومناطق السيل وصحاري.
وعن الأجر، قال إن راتبه كان 15 جنيها شهريا، إضافة إلى حافز قدره 3 جنيهات. وكان هذا المبلغ كافيا للمعيشة، بل ويدخر منه. وأشار إلى أن والده كان يدخر جزءا من راتبه حتى جمع له مبلغا ساعده لاحقا في تكاليف الزواج.
علاقات اجتماعية قوية
أكد الحاج “ملا” أن العمل في السد العالي خلق علاقات اجتماعية قوية بين العاملين القادمين من مختلف محافظات مصر. حيث نشأت بينهم صداقات وروابط أسرية وصلت إلى المصاهرة، ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
واختتم حديثه باستدعاء أحد أكثر المشاهد تأثيرا في حياته، حين كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يتفقد موقع السد ويمشي وسط العمال دون حراسة. ويتذكر لحظة مرور عبد الناصر برفقة الرئيس الروسي نيكيتا خروتشوف في سيارة مكشوفة، قائلا: “في البداية كنت أتعجب من الناس التي تجري خلفه. لكن عندما اقترب مني وجدت نفسي أجري وراء السيارة دون شعور، وشعرت بقشعريرة في جسدي”. وأضاف أن رؤية عبد الناصر وحدها كانت كافية لشحن العمال بالحماس والنشاط، دون أن يتحدث، فقد كان له حضور وهيبة.

الجيل الثاني من بناة السد
قال الحاج محمد يوسف محمد عبد المطلب، من أبناء محافظة سوهاج والمقيم بأسوان، وأحد أبناء الجيل الثاني من بناة السد العالي، إن العمل في المشروع جمع أطياف الشعب المصري من مختلف المحافظات بروح واحدة. مضيفًا: “ما زلنا متواصلين ومتحابين كإخوة، وتعلمنا من بعضنا الوفاء والإخلاص في العمل”.
وأوضح أن مراسم افتتاح السد كانت مليئة بالاحتفالات الفنية والثقافية. حيث شاركت الفرق الشعبية من مختلف المحافظات وجابت مدينة أسوان لنشر البهجة بين الأهالي. وأضاف أن الرؤساء والملوك الذين حضروا الافتتاح كانوا يختلطون بالعمال عن قرب دون حراسة. تقديرا لهذه الشخصيات وحرصا على حسن استقبالهم.
وأشار إلى أن زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت من الذكريات العميقة في قلوب العاملين. مؤكدا روح الحب والتفاني التي كانت سائدة بين الجميع. ومطالبا بإقامة نصب تذكاري للعامل المجهول الذي استشهد أثناء بناء السد، أسوة بالنصب التذكاري للجندي المجهول.
ولفت إلى أن بناة السد كانوا يتغنون بأغنية: “كنا هنبني وأدينا بنينا السد العالي”، معبرين عن فخرهم بتحويل حلم السد إلى حقيقة.
الجيل الثالث من بناة السد
من الجيل الثالث، قال الحاج عبد الرحيم السيد إسماعيل، من أبناء محافظة قنا، إنه جرى تعيينه في مكتب المعاشات بالإدارة العامة بصحاري. حيث كان يتابع ملفات العاملين من عام 1960 حتى 1965، في وقت كان سن المعاش 60 عاما.
وأوضح أن والده التحق بالعمل في محطة كهرباء خزان أسوان عام 1956. ثم انتقل للعمل في محطة كهرباء السد العالي عند بدء المشروع عام 1960. حيث شارك فيه عمال من جميع المحافظات. ولفت إلى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يصافح العاملين ويمنحهم أوسمة وشهادات تقدير وميداليات تذكارية تقديرًا لمجهوداتهم.
اقرأ أيضا:
حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان
«شبابيك للثقافة والفنون».. ملتقى يفتح نوافذ الإبداع على مواهب الجنوب



