جدل حول مبانٍ خرسانية أسفل «معبد كلابشة» يثير انتقادات واسعة
وسط حالة من الجدل بين الأثريين والمهتمين بالتراث، أثارت المباني الخرسانية المقامة أسفل «معبد كلابشة» في أسوان موجة واسعة من الانتقادات، بعد تداول صور على منصات التواصل الاجتماعي اعتبرها البعض تشويهًا بصريًا لأحد أهم المعابد النوبية في مصر، فيما أكد مسؤول أثري أن تلك المنشآت خدمية ولا تؤثر على الرؤية البصرية للموقع الأثري.
تشويه صريح وطمس للهوية البصرية
قال تامر مرزوق، مرمم أثري، إن ما يحدث أمام معبد كلابشة لا يمكن اعتباره تطويرًا بأي شكل، بل هو تشويه صريح لواحد من أهم المشاهد الأثرية في مصر، مؤكدًا أن إقامة أي مبانٍ حديثة بهذه الصورة أمام واجهة المعبد تمثل طمسًا للهوية البصرية وتشويهًا للبانوراما التاريخية التي تميز الأثر منذ آلاف السنين، مضيفًا أن الآثار ليست مجرد حجارة قديمة، بل تاريخ وهوية وصورة مصر أمام العالم.
وأوضح مرزوق أن الطبيعة الجغرافية لمعبد كلابشة تجعل مشاهدته مرتبطة بالرحلات النهرية، حيث يمر السائح عبر موانئ السد العالي ويشاهد المعبد من مسافة مفتوحة خلال الرحلة في البحيرة، وأن إقامة تلك الكتل الخرسانية “تحجب الرؤية البصرية للمشهد الأثري”، مشيرًا إلى أن هناك عشرات البدائل التي يمكن تنفيذها لإنشاء خدمات أو مبانٍ إدارية دون التأثير على واجهة المعبد أو المشهد العام للموقع، مطالبًا بالإزالة الفورية للمنشآت الخرسانية ومحاسبة المسؤولين عن الموافقة عليها.
اقرأ أيضا:«غرب سهيل».. قرية نوبية تتحول إلى وجهة سياحية عالمية

مخصصة للأمن والتذاكر
في المقابل، نفى أثري بوزارة السياحة والآثار ــ رفض ذكر اسمه ــ وجود تشويه بصري بالموقع، مؤكدًا أن الغرف الخرسانية مخصصة للأمن والتذاكر، وليس لها علاقة بأعمال ترميم المعبد، موضحًا أن أسقف الغرف تقع أسفل مستوى المعبد بنحو 60 سنتيمترًا، وتم اختيار موقعها من خلال مهندسين ومصممين وأثريين، بحيث لا تتأثر عند ارتفاع منسوب المياه في بحيرة ناصر.
وأكد أن تلك المنشآت لا تمنع الرؤية البصرية للمعبد للسائحين المارين عبر النيل، وأن بعض الصور المتداولة التُقطت بزوايا توحي بأنها في واجهة المعبد بشكل مباشر.
وأضاف أن معبد كلابشة يخضع بصورة مستمرة لأعمال صيانة وتنظيف، خاصة بسبب مخلفات الطيور التي تُعد ــ بحسب وصفه ــ أكثر ما يؤثر على المعبد حاليًا، موضحًا أنه يجري تنفيذ حلول لمنع دخول الطيور إلى داخل المعبد عبر تركيب أسلاك شبكية في أماكن مداخل الطيور، لمنع دخولها وتسهيل أعمال التنظيف والحفاظ على الحالة الجيدة للأثر.
وأكد أن الحالة الإنشائية للمعبد جيدة جدًا ولا توجد به أضرار، لافتًا إلى أن أعمال الترميم الحالية تقتصر على التنظيف الميكانيكي وإزالة مخلفات الطيور بشكل دوري، مشيرًا إلى أن فرق الترميم التابعة للوزارة تنفذ أعمال متابعة مستمرة للحفاظ على المعبد في أفضل صورة.
اقرأ أيضا: جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي

أبرز المواقع الأثرية النوبية
تابع المصدر أن معبد كلابشة يقع جنوب أسوان بالقرب من بحيرة ناصر، ويُعد من أبرز المواقع الأثرية النوبية التي جرى إنقاذها بعد بناء السد العالي، حيث تم تفكيكه ونقله حجرًا حجرًا خلال حملة دولية أطلقتها اليونسكو في ستينيات القرن الماضي لحماية آثار النوبة من الغرق.
وأوضح أن معبد كلابشة يُعد أكبر معابد النوبة بعد معبد أبو سمبل، وقد شُيد في العصر الروماني فوق بقايا تعود إلى العصر البطلمي، وكان مخصصًا لعبادة الإله النوبي المصري “مندوليس”، فيما تضم المنطقة أيضًا معابد بيت الوالي وجرف حسين ومقصورة قرتاسي، التي تمثل مزيجًا فريدًا بين الحضارات المصرية والنوبية والرومانية.
اقرأ أيضا:«كنيسة العذراء مريم».. صرح تاريخي يجمع بين العبادة والخدمة في أسوان
تعدي على حرم المعبد
من جانبها، ناشدت الدكتورة عبير محمود الطنطاوي، مرشدة سياحية، المسؤولين في وزارة السياحة والآثار المصرية، عدم السماح بأي أعمال بناء داخل المناطق السياحية، لأن ذلك يُعد تعديًا على حرم المعبد، لافتة إلى أن هذه المباني تسببت في تشويه واجهة معبد كلابشة.
وأضافت أنه عند الوصول إلى مرسى المعبد، يرى الزائر الواجهة العظيمة التي تستقبله بمهابتها، مشيرة إلى أنه منذ إنقاذ معابد النوبة جرى استخدام حلول ذكية لبناء حمامات مخفية لا تؤثر على المشهد البصري للأثر. وأوضحت أن الموقع يتمتع بمكانة استراتيجية آمنة لوجوده خلف السد العالي مباشرة، مؤكدة أنه إذا لزم إنشاء مثل هذه المباني، فيجب أن تكون في مكان جانبي مخفي بعيدًا عن الواجهة.



