دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

بين الكهوف والكثبان.. أسرار الحياة البرية في «وادي إيمو»

قبل أن تشرق الشمس بقليل، وحين يكون الضوء خافتًا والهواء باردًا على غير عادة الصحراء، تبدو الأرض ساكنة تمامًا، فلا أصوات تسمع، ولا حركة تُرى. لكن من يقترب من سفح الجبل داخل محمية الوادي الأسيوطي، ويخفض نظره قليلًا إلى الرمال، سيكتشف أن الليل كان صاخبًا بالحياة.

آثار أقدام صغيرة بجوار أخرى أكبر، وخطوط متعرجة تركتها حركة حذرة، وبقايا فرائس متناثرة تحكي قصة مطاردة انتهت قبل ساعات. هنا، في «وادي إيمو».

منطقة الذئاب والضباع

يبدأ الدكتور إبراهيم نفادي، مدير المحمية، حديثه لـ«باب مصر» عن واحدة من أغنى مناطقها بالحياة البرية، قائلًا: “وادي إيمو ليس مجرد موقع داخل المحمية. بل عالم كامل يعيش وفق قوانينه الخاصة، بعيدًا عن أعين البشر”.

وتابع: “منطقة وادي “إيمو”، المعروفة بين الزوار باسم وادي الذئاب والضباع تعد محطة رئيسية للرحلات المدرسية والعائلية وطلاب الجامعات. لما تحمله من تنوع طبيعي فريد يجمع الكهوف الجبلية والكثبان الرملية في مشهد صحراوي بديع، يرون من خلاله الحياة البرية في بيتها الطبيعية”.

الكهوف الجبلية.. بيت تحت حماية الجبل

أسفل تكوين صخري يشبه المظلة الطبيعية، تقع ثلاثة كهوف متصلة ببعضها البعض. تبدأ بكهف صغير تتناثر داخله آثار الأقدام في كل زاوية، ثم كهف أكبر، وصولا إلى الكهف الرئيسي، وهو الأعمق والأوسع.

يقول نفادي: “الكهوف هنا بالمحمية ليست مجرد تجاويف صخرية، بل بيوت حقيقية للحيوانات. الكهف الرئيسي يمتد قرابة 15 مترًا داخل الجبل، وينخفض في الداخل ليمنح حماية من أي خطر محتمل. داخل هذه الكهوف تقضي الحيوانات ساعات النهار في هدوء تام، تختبئ من حرارة الشمس وتحتضن صغارها. وكأن الجبل نفسه يفتح ذراعيه ليحميها”.

ويضيف: “تم رصد ستة أنواع من الحيوانات البرية داخل الكهوف. من بينها الذئاب والثعالب والنمس والأرانب البرية، وأغلبها حيوانات ليلية”. ويشير إلى أن حياة هذه الحيوانات تبدأ حين ينام الإنسان. فهي تتحرك في الظلام بثقة، تعرف مساراتها جيدًا، وتعود قبل الفجر كأن شيئًا لم يكن. تخرج بحثًا عن غذائها ضمن السلسلة الغذائية الطبيعية. سواء من القوارض والأرانب البرية داخل نطاق المحمية أو مصادر أخرى. ويستدل على نشاطها من خلال آثار الأقدام وبقايا الطعام المنتشرة في محيط الكهوف”.

ابن آوى”.. حضور تاريخي ممتد

من بين الحيوانات التي تستوطن وادي “إيمو” يبرز “ابن آوى”، ذلك النوع من الذئاب الذي ارتبط بالحضارة الفرعونية القديمة. ويوضح “نفادي” أن الفراعنة جسدوا هيئته على جدران المعابد وفي التماثيل، لما كان يمثله من رمزية خاصة لديهم. مؤكدًا أن هذا الحيوان بطبيعته لا يهاجم الإنسان إلا في حالات نادرة إذا شعر بالتهديد ضمن مجموعة.

ويضيف أن الحياة البرية ليست عدوًا للإنسان، بل جزء من توازن أكبر، وكل كائن فيها يؤدي دوره.

الغزال المصري.. مشهد يمنح الأمل

في لحظة مختلفة من اليوم، ومع أول خيوط الفجر، يظهر مشهد يخطف الأنفاس، مجموعة من الغزلان تتحرك بخفة فوق الرمال.

يقول إبراهيم نفادي إن الغزال المصري أحد أهم الثدييات داخل المحمية، مؤكدا أنه من الأنواع المهددة بالانقراض، ما يجعل حمايته مسؤولية أساسية. وقد رُصدت مجموعات بلغ عددها نحو 13 غزالة دفعة واحدة، وكان مشهدًا يمنح الأمل. فالغزال يختار النزول بعد الفجر مباشرة، حين تتغطى النباتات بطبقة من الندى، فيحصل على احتياجاته من المياه من الرطوبة الطبيعية، ما يمكنه من التكيف مع البيئة الجافة لأسيوط.

ويوضح أن الغزال المصري له مميزات وأهمية كبيرة، فعلى سبيل المثال، لون دمه يميل إلى الأحمر الوردي أو الفوشيا، على عكس لون دم الإنسان والحيوانات الأخرى. ويستشهد بقول أحد الشعراء: “والمسك بعض دم الغزال”. إذ يرتبط المسك تاريخيا بغدة موجودة في بطن نوع من الغزلان، تستخرج منها كتل خام تخفف ويصنع منها المسك.

كما يتميز الغزال بلحمه، فهو من أشهى أنواع اللحوم لاعتماده في غذائه على النباتات البرية والطبيعية، فأكله يعتبر غذاء ودواء في نفس الوقت. وتوجد مزارع في بعض القرى على طريق إسكندرية الصحراوي، منها قرية “الأسد”، تضم مزارع للغزال المصري وتقدم وجبات من لحمه. ونظرًا لكونه من الأنواع المهددة بالانقراض، فقد تم تجريم صيده.

بين الجفاف والحياة.. جهود لا تتوقف

في بيئة صحراوية نادرة الأمطار، كان لا بد من تدخل يحافظ على استمرارية هذا التوازن، لذلك أنشأت إدارة المحمية أحواض مياه في عمق الصحراء تملأ دوريا لدعم الحياة البرية، خاصة في ظل الطبيعة الجافة لمحافظة أسيوط وندرة سقوط الأمطار. ولهذا السبب يحصل الغزال المصري على ما يحتاجه من ماء من قطرات الندى التي تتناثر على النباتات، وقد يبقى لمدة عام دون شرب مياه.

ويقول نفادي: “نحن لا نطعم الطبيعة، بل نساعدها على الاستمرار، فدورنا أن نحمي هذا التوازن لا أن نغيره”. وتابع: “كثيرون يظنون أن الصحراء فراغ، لكنها في الحقيقة عالم متكامل، كل أثر قدم على الرمل دليل حياة، وكل كهف يحمل قصة بقاء”.

الزيارات المدرسية.. وزيادة الوعي

يؤكد إبراهيم أن حماية الوادي لا تعني فقط الحفاظ على الذئاب أو الغزلان، بل صون منظومة كاملة مترابطة، فاختفاء نوع واحد قد يخل بتوازن دقيق استغرق تشكيله مئات السنين. وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في رصد الحيوانات فحسب، بل في نشر الوعي بأهمية وجودها وحقها في الحياة.

موضحًا أنه حين يرى طفل آثار أقدام على الرمال ويسأل عنها، تبدأ أول خطوة نحو الوعي البيئي، فالرحلات المدرسية إلى المحمية ليست مجرد نزهة، بل فرصة لغرس مفهوم جديد عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

كهوف الوادي الأسيوطي وادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
كهوف الوادي الأسيوطي وادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
شمس تغرب.. وحياة تبدأ

مع اقتراب الغروب، وحين تتلون السماء بدرجات البرتقالي وتبدأ حرارة النهار في الانكسار، يعود وادي”إيمو” إلى هدوئه الظاهري. تختفي الحركة تدريجيًا داخل الكهوف، لتتهيأ الحيوانات ليوم جديد من دورة لا تتوقف. لكن هذا السكون ليس نهاية المشهد، بل استراحة قصيرة قبل أن يبدأ فصل جديد من الحكاية مع حلول الليل.

اقرأ أيضا:

من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟

«النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

«صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.