بحيرة «نبع الحمرا»… حكايات النشأة وأسرار الاستشفاء وصرخات من الإهمال الرسمي
في قلب صحراء مصر، وتحديدًا في وادي النطرون بمحافظة البحيرة، تقع بحيرة «نبع الحمراء» كظاهرة طبيعية فريدة تجمع بين سحر الطبيعة وغموض النشأة. وتشتهر البحيرة بقيمة علاجية يتداولها السكان، كما تحمل على ضفافها حكايات متعددة حول بداياتها وأسرار ظهور نبع مياه عذبة داخل بحيرة تُعد من أكثر بحيرات مصر ملوحة.
وتتنوع الروايات حول نشأة هذا النبع، فبين رواية تُرجع الأمر إلى مرور السيدة مريم العذراء والسيد المسيح بوادي النطرون خلال رحلة العائلة المقدسة، وأخرى يتناقلها بعض سكان المدينة تربط ظهور النبع بأعمال تنقيب بريطانية عن البترول خلال القرن التاسع عشر، تظل البحيرة محاطة بكثير من الغموض والأساطير المحلية.
عين من المياه العذبة داخل بحيرة مالحة
بعيدًا عن تعدد الروايات، فإن البحيرة تكتسب قيمة كبيرة لدى الأهالي والزائرين، خاصة فيما يتعلق بما يُتداول عن قدرة مياهها الكبريتية على المساعدة في علاج بعض الأمراض الجلدية. وتُعد تلك التركيبة الطبيعية من الظواهر النادرة، حيث تمتزج المياه شديدة الملوحة مع عين مياه عذبة تتدفق في نقطة واحدة، في مشهد استثنائي جذب اهتمام الباحثين ومحبي الطبيعة على حد سواء.
أيضًا تعتبر “نبع الحمراء” جزءًا من المنظومة الطبيعية الغنية لمنطقة وادي النطرون، التي اشتهرت تاريخيًا ببحيراتها المالحة وخصائصها البيئية الفريدة. كما اكتسب المكان عبر الزمن بعدًا سياحيًا وعلاجيًا، إذ يتردد عليه الزائرون بحثًا عن الاستشفاء بالطين والمعادن الطبيعية، إلى جانب خوض تجربة بيئية مختلفة وسط سكون الصحراء واتساعها. وتحمل “نبع الحمرا” قيمة جيولوجية وبيئية كبيرة تجعلها واحدة من المواقع التي تستحق التوقف أمامها لفهم أسرار الطبيعة في واحدة من أكثر البيئات تطرفًا في مصر.
اقرأ أيضا: «أوبرا دمنهور».. صرح يجمع بين جماليات العمارة الإيطالية والتراث الإسلامي

إهمال رسمي للإمكانات السياحية والبيئية
رغم هذا الثراء التاريخي والجيولوجي، فإن المنطقة تعاني من الإهمال منذ عقود طويلة، وسط مطالبات باعتبارها “محمية طبيعية” واستثمار إمكاناتها السياحية والبيئية النادرة، وهو حلم ما زال أهالي وادي النطرون يرونه حبيس الأدراج.
وتعددت الروايات حول نشأة بحيرة “نبع الحمرا”، التي ارتبط اسمها بوجودها في قرية الحمراء بوادي النطرون، كما يرجع البعض تسميتها إلى اللون المائل إلى الحمرة الذي تظهر به المياه نتيجة تركيبة جيولوجية نادرة.
السيدة مريم وبحيرة نبع الحمرا
تشير الدكتورة شهد البياع، مفتش آثار وادي النطرون، إلى أن بحيرة “نبع الحمرا” تكتسب أهميتها لأسباب عدة، منها ما ذكره البابا ثاؤفيلس، الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، في أحد مخطوطاته، حيث أشار إلى أن السيدة مريم جاءت إلى وادي النطرون وشربت من مياه البحيرة، وتنبأت بأن المكان سيسكن فيه النساك والزهاد.
ومن جانبه، قال الراهب القمص عزرا بيشوي إن التاريخ يشير إلى أن السيدة العذراء خلال زيارتها إلى مصر مع العائلة المقدسة شربت من مياه “نبع الحمرا”، ويطلق البعض على النبع اسم “عين مريم”. وأضاف أن بعض الروايات تشير إلى تحول المياه الكبريتية إلى مياه عذبة، وهو ما ورد لدى عدد من المؤرخين، من بينهم الطبري، والأنبا زاخرياس أسقف سخا، والمقريزي، والأمير عمر طوسون.
ويقول منصور قطب هواش، موجه تاريخ بالمعاش، إن وادي النطرون كان أحد أقاليم مصر القديمة، ويتمتع بأهمية كبيرة في الحضارة المصرية بسبب استخراج ملح النطرون المستخدم في التحنيط.

تجارب شعبية للاستشفاء
يؤكد أيمن أبو المعاطي أن بعض الحالات المصابة بالروماتيزم والرمد الحبيبي كانت تتوجه إلى البحيرة للاستفادة من مياهها، بحسب ما يرويه الأهالي استنادًا إلى تجاربهم الشخصية. وأضاف أنه خلال جائحة كورونا كان بعض المرضى يقصدون المنطقة لاستنشاق الهواء في اتجاهات محددة، مشيرًا إلى أن كثيرين يعتقدون أن ملوحة البحيرة تساعد في علاج بعض الأمراض الجلدية مثل حمو النيل وحب الشباب.
ويروي عبدالجواد موسى، أحد أبناء منطقة الحمرا، تجربته قائلًا: “أنا شخصيًا جربت العلاج بمياه البحيرة وكنت أعاني من بعض المشكلات الجلدية وتحسنت حالتي”.
اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان
متنفس للأهالي ومصدر للحرف التقليدية
يؤكد محمد حجازي، موظف بشركة الكهرباء، أن البحيرة تُعد متنفسًا لأهالي المنطقة، حيث يتوجهون إليها خلال الأعياد وشم النسيم وأشهر الصيف. وأضاف أن النباتات التي تنمو حول البحيرة مثل الخوص والبوص كانت تُستخدم في بعض الصناعات والحرف اليدوية التقليدية.
ويشير سامي حمودة، أحد أبناء قرية الحمرا، إلى أن البئر العذب في نبع الحمرا تم حفره عام 1882 على يد شركات إنجليزية كانت تبحث عن البترول، بينا حُفر بئر آخر عام 1956، مؤكدًا أن هذه الرواية متوارثة بين الأجيال.
من جانبها، شددت سهير الشيخ، من سيدات وادي النطرون، على أن بحيرة “نبع الحمرا” تمتلك قيمة تاريخية كبيرة لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي، مؤكدة أن استثمارها في السياحة البيئية والعلاجية يمكن أن يوفر فرص عمل عديدة للشباب.

لم تُصنف كمحمية طبيعية
حول الوضع القانوني للبحيرة، قال علي دومة، مدير فرع جهاز شؤون البيئة بالبحيرة، إن “نبع الحمرا” لم تُصنف حتى الآن كمحمية طبيعية، رغم أنها بحيرة قديمة تخضع حاليًا لدراسات متخصصة لتحديد مدى استحقاقها لهذا التصنيف. وأشار إلى أن الدراسات تركز على طبيعة المياه والخصائص البيئية المختلفة، وتنفذها جهات بحثية متخصصة في علوم البحيرات والمياه.
وأوضح أن هذه الدراسات مستمرة منذ فترة طويلة، وما زال الأمر قيد البحث، ولم تصدر حتى الآن قرارات نهائية بشأن اعتبار المنطقة محمية طبيعية أو موقعًا بيئيًا نادرًا.
وعن سبب تأخر الإجراءات، أوضح علي دومة أن هذه الدراسات مستمرة منذ فترة طويلة، وأن الأمر لا يزال قيد البحث. وفيما يتعلق بتحليل المياه، أشار إلى أن جهاز شؤون البيئة يمتلك معامل محدودة الإمكانيات، بينما تُرسل العينات المتخصصة إلى المعامل الرئيسية بالإسكندرية، التي تخدم محافظات الإسكندرية والبحيرة ومطروح.
وأوضح أن دور وزارة البيئة يقتصر على فحص مدى تلوث المياه والتأكد من مطابقتها للمعايير البيئية، وليس تصنيفها كمياه نادرة أو اتخاذ قرار بتحويل المنطقة إلى محمية طبيعية، لأن هذا الأمر يدخل ضمن اختصاص معاهد البحوث والجهات العلمية المتخصصة.
الاستخدامات التاريخية في التحنيط
يقول الكيميائي أحمد عقدة إن البحيرات الكبريتية تُعد من أهم المقاصد العلاجية في العالم، لما تحتويه من مركبات كيميائية تسهم في علاج عدد من الأمراض. وأوضح أن من أبرز هذه البحيرات في مصر بحيرة “نبع الحمرا” بوادي النطرون، حيث تتميز بدرجة ملوحة مرتفعة نتيجة احتوائها على نسب كبيرة من بيكربونات البوتاسيوم، وهي أحد المكونات الأساسية لملح النطرون الذي استخدمه المصري القديم في النظافة الشخصية وعمليات التحنيط.
وأضاف أن البحيرة تحتوي أيضًا على كميات كبيرة من أملاح البوتاسيوم الطبيعية والكبريتات، التي تدخل في علاج العديد من الأمراض الجلدية مثل الصدفية والإكزيما وحب الشباب. كما تتميز باحتوائها على عنصر الكبريت، إذ تمتلك مركباته خصائص مضادة للالتهابات، ما يسهم في تخفيف الألم والمساعدة في علاج الالتهابات، بالإضافة إلى دورها في تحسين بعض حالات الروماتيزم والتهابات المفاصل.
وحول سبل حمايتها والاستفادة منها، شدد “عقدة” على ضرورة تطويرها كمقصد مهم للسياحة العلاجية، مؤكدًا أن ذلك يتطلب تطوير المناطق المحيطة بها من خلال تحسين الطرق والإنارة ووسائل المواصلات، وتوفير أماكن إقامة مناسبة للزائرين، إلى جانب إنشاء مرافق خدمية وترفيهية مثل المطاعم والأسواق والمراكز الطبية والمستشفيات، بما يسهم في إقامة منتجع سياحي متكامل.
وأضاف أن الموقع يمتلك مقومات إضافية تدعم هذا التوجه، من بينها وجود عين المياه العذبة المتفجرة وسط البحيرة شديدة الملوحة، فضلًا عن ارتباط المنطقة بمسار رحلة العائلة المقدسة وما يحمله من قيمة للسياحة الدينية.
اقرأ أيضا: «دير الأنبا بيشوي» بوادي النطرون.. ذاكرة للرهبنة في مصر



