دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«بتاوة عيش».. مبادرة سيدات قرية «بلنصورة» لدعم الأسر الأكثر احتياجا

في ليالي الشتاء الباردة،  تنبعث رائحة الدفء والخّبز من تلك الأفران البلدية المبنية بالطين. تتجمع مجموعة من السيدات داخل أحد المنازل المبنية المشيدة بالطوب اللبن، تفوح من حولهن رائحة الدقيق والحلبة وصّهد الوقيد لمواجهة لسعة البرد. يجلسن بجوار بعضهن، وقد غطّى الدقيق وجوههن، وإلى جوارهن الفتيات الصغيرات، يشاهدن مراحل إعداد خّبز البتاو ويشاركن في هذا التجمع الكبير لهدف أعظم، وهو خبز العيش المعروف بـ«البتاو»، في قرية بلنصورة بمحافظة المنيا، لتوزيعه على الفقراء ضمن مبادرة «بتاوة عيش».

ورشة عمل تشاركية

في مبادرة هي الأولى من نوعها بمحافظة المنيا، وبمساعدة مجموعة من سيدات قرية بلنصورة التابعة لمركز أبو قرقاص، تقمن السيدات بعملية الخبز. حيث يتحول الدقيق بين أيديهن إلى عجينة لينة، تقسم إلى “شموس” دوّارة صغيرة، ثم تتحول إلى دوائر كبيرة. وبالمطرحة وعصا تكاد تبدو سحرية، تلقي الخبازة رغيفا وتسحب آخر. ليخرج رغيفا ساخنا أحمر الوجه، ويسري الدفء في أوصال المنازل، هازما برد الشتاء القارس. مع رائحة الخبز التي تذكرك بالماضي.

وتتحول البيوت الريفية في القرية إلى ورش عمل تشاركية. تتوزع فيها المهام بدقة بين أفراد الأسر من النساء والجيران. في مشهد يومي يجسد الثقافة الريفية المصرية الأصيلة وذكريات الزمن الجميل.

ووسط هذا الجمع من السيدات، تجلس “أم محمد العيسة”، سيدة خمسينية ريفية بارعة في صناعة عيش البتاو بالقرية. وهي صاحبة مبادرة “بتاوة عيش”، التي تهدف إلى توزيع عيش البتاو على الفقراء قبل حلول شهر رمضان المبارك، من خلال جمع التبرعات من أهل الخير. وتقول أم محمد: “نحن تعودنا كل عام على المشاركة في أفراح البتاو. وهي حفلة خبز البتاو بالأناشيد والأغاني، وجميعنا نغني ونقول:

“بتاوة العيش  الدوارة

بتلف القرية العمرانة

والأجر كبير

والبنت تحني إيديها بعجين الخير

والفرن في عز السهراية بيهد الحيل

ورصوص العيش الملفوفة

بقماشة حرير

صدقات الخير مقبولة

والنية دليل”.

مبادرة خبز عيش البتاو بقرية بلنصورة بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
مبادرة خبز عيش البتاو بقرية بلنصورة بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
بداية الفكرة

حول بداية الفكرة والمبادرة، تقول العيسة: “بداية الفكرة كانت خلال فترة انتشار فيروس كورونا. وكان لدينا عدد كبير من أبناء القرية مغتربين في الأردن، ولم يجدوا في ذلك الوقت الخبز لتناوله. فقام الشباب من أبنائنا هناك ببناء فرن وتعلموا الخّبز، ثم وزعوه على أصدقائهم من المصريين المغتربين”.

وتكمل: “ما فعله أبناؤنا في وقت الأزمة بالخارج جعلنا نفكر فيمن لا يملكون خبز يومهم، خاصة قبل حلول شهر رمضان الكريم. بعدها قررنا استمرار الفكرة وجمع التبرعات كل عام لخبز البتاو في شهر شعبان. وتوزيعه على الفقراء في القرية والقرى المجاورة قبل حلول شهر رمضان المعظم”.

سيدات القرية يعرضن المساعدة

بدأت الفكرة في الانتشار داخل قرية بلنصورة، وشرعت سيدات القرية في عرض مساعدتهن والمشاركة في مراحل خّبز البتاو. فمنهن من تساعد في عجن العيش، ومنهن من تقمن بتقطيع العجين، وأخريات يتولين فرده وتسويته أمام الفرن البلدي.

وأضافت أم محمد: “خّبز عيش البتاو يحتاج إلى عدد كبير من السيدات. وإحنا عندنا من الحبايب كتير، من الأهل والجيران، كلهم بيساعدوا في اليوم الجميل ده. وعيش البتاو تحديدا مش أي حد يعرف يخبزه، لأنه بييجي بخبرة سنين. وبنحاول نعلم الجيل الجديد من البنات عشان كل واحدة لما يكون عندها بين وأسرة تعرف تتعامل مع الحياة”.

غناء السيدات أثناء خبز عيش البتاو.. تصوير: أسماء منتصر
غناء السيدات أثناء خبز عيش البتاو.. تصوير: أسماء منتصر
تجسيد لروح التعاون والتكافل

يقول الحاج حنفي عباس، أحد أبناء القرية، إن مبادرة توزيع عيش البتاو على الفقراء تجسد روح التعاون والتكافل بين أبناء القرية. ليعيشوا أجواء من الفرحة مع حلول الشهر المبارك، وسط تماسك ومحبة كبيرة. في مبادرة خيرية أكرمنا الله بالقيام بها كل عام”.

وأشار إلى أن المبادرة لا تستهدف القرية فقط، بل تمتد إلى عدد من القرى والتوابع المجاورة. مؤكدا أنها رسمت البهجة على وجوه عشرات الأسر، وتعكس روح المحبة الصادقة الكامنة في النفوس. وهو أقل واجب تجاه الأهالي المحتاجين خلال شهر الكرم.

طريقة صناعة عيش البتاو

أما عن طريقة تحضير البتاو، فتقول أم حسام، إحدى المشاركات في الخّبز: “بعد تحضير الدقيق الشامي من خلال طحن الذرة، يتم عجنه جيدا بالماء الدافئ. مع إضافة الملح والحلبة الحصى. ثم تبدأ عملية الخبز باستخدام المطرحة لتوسيع قطعة العجين حتى تتحول لبتاوة كبيرة الحجم. بعدها تدخل الفرن البلدي، الذي يتم إشعاله بالوقيد باستخدام الجِلة والحطب. وخلال دقيقة واحدة تنتهي عملية التسوية”.

وتوضح أم حسام أن هناك نوعين من عيش البتاو، “البتاو الطري”. ويتم تناوله خلال 3 أيام. و”البتاو الناشف” أو الجاف، ويتم تحميصه جيدا داخل الفرن. ويتم تناوله في السحور خلال شهر رمضان مع اللبن الحليب أو اللبن الرايب والزبادي والجبن القريش. كما يؤكل في الإفطار مع القشطة والجبنة القديمة. ويفضل البعض تناوله مع البيض المقلي أو العدس أو الكشك المطبوخ بالبتاو، لتصبح بيوت القرية جميعها لا تخلو من عيش البتاو خلال شهر رمضان المبارك.

خبز عيش البتاو.. تصوير: أسماء منتصر
خبز عيش البتاو.. تصوير: أسماء منتصر
الخّبز يوم عيد

تقول “أم كريم”، إحدى الخبازات: “يوم خّبز البتاو بيكون يوم عيد لينا، وبنفضل نغني ومش بنحس بالتعب ولا بالبرد. أول ما نشوف رصة البتاو قدام عنينا بيروح التعب، وبعدين البنات ييجوا يوزعوه على البيوت، وبيتاكل طري مع الزبدة والسكر. وإحنا دايما بنعلم البنات الصغيرة خّبز البتاو من سن عشر سنوات. بداية من استخدام المِطرَحة الصغيرة، ثم الكبيرة، وصولا لخبز البتاو في الفرن حتى تمام النضج”.

البتاو.. رائحة الخير

وصفت “أم أبو الهدى”، إحدى صانعات البتاو، عملية إعداد الخّبز وصناعته بأنها “مهمة شاقة”، قائلة: “بنبدأ قبل الفجر ونصحى في عز البرد. لكن صَهد وقيد الحطب في الفرن بيدفينا وبيفكرنا بأيام زمان. لما كنا بنقعد وإحنا صغيرين مع أمهاتنا وجداتنا، ونتلم من كل بيت قرايب وجيران، ونفتح البيوت على بعض. والشارع كله يفوح برائحة الخير اللي بتسري في كل بيت مع ريحة العجين لما يختمر، وعيالنا يناموا على ريحة الدفا. حتى الفراخ والكتاكيت والقطط بتتدفى معانا في ليل الشتا”.

البتاو بعد خروجه من الفرن البلدي.. تصوير: أسماء منتصر
البتاو بعد خروجه من الفرن البلدي.. تصوير: أسماء منتصر
محفظة السكر والقدوسية بالبتاو واللبن

تقول “أم جعفر” إن أشهر أكلات البتاو “محفظة السكر”. حيث يتم رش السكر على عجينة البتاو، ثم طيها على شكل محفظة وتسويتها في الفرن، لتصبح وجبة شهية.

كما تعد “القدوسية بالعسل والحليب ساخن” من أشهر أكلات البتاو في فصل الشتاء. وتحضر من خبز البتاو  المحمص، الذي يُكسر إلى قطع صغيرة ويُغمر بالحليب الساخن حتى يتشربه تماما. ثم تُضاف إليه ملعقة من العسل الأبيض أو الأسود، مع رشة قرفة أو مكسرات. وتؤكد أن هذه الوجبة ليست مجرد طعام، بل احتفالية يغمرها الفرح والدفء ولمة العائلة في ليالي الشتاء.

وتقول “أم مصطفى” إحدى المشاركات في خّبز البتاو، إنه بعد الانتهاء من عملية الخّبز يتم رص الأرغفة فوق بعضها وتركها لتجف، وعند الحاجة إليها تبل بالماء. ويقدم البتاو لدى الفلاحين مع الملوخية، وطبيخ الجبن القديم، والعسل الأسود، والسمن الفلاحي في وجبات الإفطار والعشاء.

طواجن الخّبز وحفلة المحشي

تحدثت “أم مصطفى” عن طواجن  الخّبز وحفلة المحشي قائلة: “أثناء الخّبز بنجهز الطواجن المتنوعة على الفرن البلدي وهو قايد. زي طواجن البطاطس والكوسة، والأرز المعمّر، والرقاق، والفطير، والمكرونة، والحلويات زي الكنافة والبسبوسة في الفرن البلدي. وكلها بالسمن البلدي. وبنعمل حفلة المحشي. بنلف أنواع كتير من المحاشي زي الكرنب والفلفل والباذنجان، ويتسوى كله على نار الفرن البلدي”.

وتقول “أم علي”، إحدى الخبازات المسؤولات عن التسوية في الفرن: “القعدة دي ما بتحلاش غير بشاي الراكية على نار الكانون. والبنات تيجي تصب الشاي في الأكواب وتوزعه على الخبازات، وبنشوي أكواز الذرة والبطاطا على نار الفرن البلدي. عشان نحارب البرد في ليالي الشتا بين أحضان البتاو والفرن البلدي وشاي الراكية”.

اقرأ أيضا:

روائح الكستور وأغاني الزمن الجميل.. جولة في شارع القماشين بالمنيا

أفراح البطاطس في «البرجاية».. موسم الحصاد وفرحة الفلاحين

«الليلة الكبيرة».. مسرح العرائس يحيي التراث المصري في قرى المنيا

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.