«الليلة الكبيرة».. مسرح العرائس يحيي التراث المصري في قرى المنيا
في عالم المسرح، حيث تختلط البهجة بالإبداع، تظل العرائس الصغيرة قادرة على سرد حكايات كبيرة، تحمل بين خيوطها تراثا وفنا وروحا مصرية أصيلة. في محافظة المنيا، شهدت قرى أبيوها والمعصرة وأطسا البلد عروض «الليلة الكبيرة» لمسرح العرائس، ضمن مشروع مسرح المواجهة والتجوال والمسارح المتنقلة، لنقل الثقافة والفنون خارج القاهرة. عبر إعادة إحياء العرائس التي حملت على مدار عقود روح الفنانين الكبار مثل صلاح جاهين وسيد مكاوي.
إقبال جماهيري في القرية
استقبل أهالي قرية أبيوها من شباب وأطفال ونساء العرض بتفاعل كبير وإقبال كثيف. إذ تعد هذه العروض أدوات مؤثرة في تطوير المجتمعات الريفية ونقل الثقافة والفنون بعيدا عن مركزية القاهرة الثقافية إلى كافة ربوع مصر.
أعرب أحد الأهالي عن سعادته قائلا: “شوفنا العرض كثيرا على التلفزيون، ودي أول مرة نشوفه على الطبيعة، ونحن سعداء جدا لرؤية العرائس أمامنا”. كما عبر الطفل محمد علي عن فرحته: “أول مرة في قريتنا يجي مسرح عرائس، وإحنا مبسوطين جدا. ونتمنى أن يعود ليشاهده باقي أصحابنا الذين لم يحضروا”.
وعن إعجابه بشخصيات العرض قال: “عجبني الأسد والحصان وشجيع السيما أبوشنب بريما، وبتاع الزمامير والأراجوز. وحسينا أننا شايفين المولد وبياعين المولد في شكل العرايس”.
إحياء ذكرى صلاح جاهين
لم يقتصر العرض على القرى فقط، بل شمل أيضا جامعة أسيوط. حيث أوضحت الدكتورة رحاب سراج، مدرس الإعلام بكلية الآداب جامعة المنيا، أن إحياء ذكرى صلاح جاهين يأتي تقديرًا لمسيرته الاستثنائية في الشعر والزجل والفنون الشعبية، ودوره الكبير في تشكيل وجدان الأجيال بروح مصرية خالصة تجمع بين البساطة والعمق والإبداع.
وشهد العرض حضورًا لافتًا من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، الذين تفاعلوا مع لوحات الأوبريت التي جسدت ملامح التراث الشعبي المصري وروح البهجة التي أراد جاهين وفريق العمل تقديمها للمجتمع.
ردود فعل الطلاب
قالت حبيبة مصطفى، طالبة بكلية الفنون جامعة المنيا: “لم أصدق أني أشاهد الليلة الكبيرة خارج التلفزيون بنفس العرائس، التي كانت تعرض منذ الخمسينات. شعرنا بالفخر بهذا التراث القيم”.
واقترحت الطالبة أروى أحمد، بكلية التربية الرياضية، أن يتم عرض مثل هذه الفنون في كافة الكليات والجامعات الإقليمية. لما تحمله من رسائل مجتمعية هامة.
روح صلاح جاهين والفن الشعبي
أوضح محمد فوزي، أحد المشاركين في العمل المسرحي: “أعمل في مجال العرائس منذ سنوات، وأعشق هذه المهنة التي أبدع فيها كبار الفنانين. فهذا الفن يحمل روح صلاح جاهين والسقا وسيد مكاوي”.
وأضاف أن الإخراج المسرحي للعرائس يعتمد على ثلاثية تتكون من العروسة، والفنان المحرك لها، وممثل الأداء الصوتي التمثيلي. حفاظا على قوام العرض وزمنه، وللتأمين أمام الظروف الطارئة.
مسرح التجوال
أشار فوزي إلى أن إعادة إحياء مسرحية “الليلة الكبيرة” تعتبر كبسولة درامية بروح التراث، تهدف إلى إثراء الفن والثقافة بين الأجيال الحالية. ويعد مشروع مسرح المواجهة والتجوال من المبادرات الثقافية البارزة التي أطلقها البيت الفني للمسرح. ويهدف إلى تقديم عروض مسرحية مجانية في القرى والمناطق النائية، بما يعكس التزام وزارة الثقافة المصرية بتوسيع نطاق وصول الفنون والثقافة.
وأضاف أن القافلة تشمل أيضا ندوات فكرية وثقافية، وتوزيع كتب مجانا على الأطفال والشباب. إلى جانب معرض للفنون التشكيلية، لتقديم تجربة ثقافية متكاملة.
الطموح والخيال في فن تحريك العرائس
حول فن تحريك العرائس يقول محمد سلام، أحد فناني مسرح القاهرة للعرائس ومشارك في عرض “الليلة الكبيرة”: “أعمل في مسرح القاهرة للعرائس منذ عام 2006. وتعلمت الكثير من مبادئ الفنانين الراحلين مثل لطفي السيد وصلاح السقا. ومنها ألا يتنازل لاعب العرائس عن الطموح والخيال في الابتكار. وذلك لتحقيق أفضل تعبير شكلي وحركي للعروسة”.
وأشار سلام إلى السمات الأساسية التي يتوجب أن تتوافر في لاعب العرائس: “حس الممثل الفني بالعروسة، وارتباطه بدورها وانفعالاتها المختلفة هو سر النجاح. وكذلك لا بد أن يكون على دراية بتشريح العروسة وتكوينها”.
فن تحريك العرائس والتدريب
حول الانضمام لفريق مسرح العرائس، يقول سلام: “نلتحق بورش لمدة سنتين نتعلم خلالها كيفية التعامل مع العرائس وتحريكها. ويتم التدريب على أيدي خبراء في مسرح القاهرة للعرائس، ويجب على المتقدم اجتياز الاختبارات والنجاح فيها”.
وأضاف عن عمل فرقة مسرح القاهرة للعرائس: “نعمل في شهور الصيف فقط، والإقبال الكبير من الجماهير على عروضنا يشعرنا بالسعادة. ويكفينا أننا الفرقة الأكثر تحقيقا للإيرادات ضمن فرق هيئة البيت الفني للمسرح”.
فرقة مسرح القاهرة للعرائس وبدايتها
يشير رفعت ريان، أحد فناني الفرقة منذ 20 عاما، إلى أن ظهور العرائس على خشبة المسرح المصري كان عام 1958. عندما قامت وزارة الإرشاد بتكوين فرقة مصرية لفناني العرائس، تتألف من تسعة فنانين نالوا تدريبا متكاملا على أيدي خبراء أجانب.
ويضيف: “الحفاظ على تراث هذا الفن الأصيل من أهم أهدافنا. ومن أجل نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة، نقوم بعروض مسرحية في القرى البعيدة من خلال مسرح التجوال. وننقل المسرح من محافظة لأخرى، ومن قرية لأخرى”.
شعور بالفخر
يعد العرض المسرحي “الليلة الكبيرة” من أشهر عروض مسرح العرائس. إذ ذاع لأول مرة على الراديو عام 1961 كأوبريت من تأليف صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي، وغناء مجموعة من الفنانين. قبل أن يتحول إلى مسرحية للعرائس أخرجها صلاح السقا.
يقول عبدالرحمن أحمد مصطفى، خريج كلية تربية نوعية بجامعة القاهرة: “منذ كنت في الجامعة وأنا مهتم بمسرح العرائس. ونفذت عددا من العرائس في مشروع التخرج الخاص بي. وقررت أن أنمي موهبتي في صناعة وتحريك العرائس”.
ويكمل: “يسعدني المشاركة في عرض “الليلة الكبيرة”، فهو يحظى بمكانة خاصة عند المصريين. والفرقة ما زالت تقدم العرض بكافة تفاصيله كما قدمها المبدع الكبير صلاح السقا. أشعر بالفخر بتحريك العرائس التي كان يقوم بتحريكها هذا الفنان الكبير”.
قانون مسرح العرائس
أما عن تحديد معالم وسمات العروسة، يقول خالد عيسي، صانع ومصمم العرائس في فرقة مسرح القاهرة للعرائس: “العروسة الماريونيت هي مصدر البهجة والسعادة، وهي البطلة في مسرح العرائس. لكن وراءها فنانون بارعون قادرون على تحقيق قانون مسرح العرائس. وهو أنه في لحظة ما تنتهي إمكانيات الممثل البشرية، لتبدأ إمكانيات العروسة”.
وأوضح أن العرائس يجب أن تعبر عن شخصيتها، سواء كانت ماريونيت أو عصا أو قفاز. بعد مرحلة التصميم، يتم الرسم التنفيذي بحجمها الطبيعي. ثم يذهب التصميم إلى ورشة النجارة، حيث تصنع العروسة، ثم تمر بمرحلة الخراطة والتجميع (الميكانيزم) وتوصيل الخيوط. ليظهر الشكل النهائي متقنا من حيث الشكل والكتلة، وعناصر الحركة والملابس. ثم يضاف الصوت والديكور والإضاءة، ليصبح العمل منظومة سحرية تبهر الجمهور.
وأشار عيسى إلى أنواع العرائس: الماريونيت، وخيال الظل، والعصا، والعرائس العملاقة أو الماسكات، وعرائس المائدة أو المنضدة، وعرائس الميكانيكية أو الكهربائية، وأخيرًا عرائس الأصابع. ويؤكد أن العرائس التي تستخدم في التجوال هي نفسها التي عُرضت في أوبريت “الليلة الكبيرة” لأول مرة منذ 55 سنة.
اقرأ أيضا:
مكوجي الرجل في «الفكرية»: قصة «مجدي عياد» مع مهنة لا تنطفئ
من بين الأزرار والكُلف.. حكاية «ويصا» أقدم بائع خردوات في شارع الأفراح بالمنيا





