الطيور المهاجرة تضع «أسوان» على خريطة السياحة البيئية
على ضفاف النيل، وبين الجزر النهرية والمحميات الطبيعية، تتحول أسوان سنويًا إلى محطة رئيسية على خريطة هجرة الطيور العالمية، حيث تستقبل عشرات الأنواع القادمة من أوروبا وآسيا في رحلتها الطويلة بحثًا عن الدفء والغذاء. هذا التنوع البيولوجي الفريد لم يجعل من أسوان مجرد ممر للطيور المهاجرة فحسب، بل فتح آفاقا واسعة لنمط سياحي صديق للبيئة يعرف بـ«سياحة مراقبة الطيور»، يجذب المهتمين بالطبيعة والمصورين والباحثين من مختلف دول العالم، ويعزز مكانة المحافظة كوجهة سياحية تجمع بين سحر الطبيعة والحفاظ على التنوع البيئي.
إحصائيات هامة
تعكس الإحصائيات الحديثة حجم هذه الأهمية البيئية. إذ أعلنت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة تسجيل ما يقرب من 354.5 ألف طائر مهاجر مع بداية موسم الهجرة في مايو من كل عام. حيث تحط الطيور رحالها في عدد من المحميات الطبيعية بمصر، من بينها مناطق بمحافظة أسوان.
وأشارت الجمعية إلى رصد مرور أكثر من 90% من التعداد العالمي لطيور عقاب السهول. ونحو 50%من التعداد العالمي لطائر الباشق الشامي، ضمن 34 نوعًا مختلفًا من الطيور المهاجرة تم توثيقها. ما يؤكد الموقع المحوري لمصر وأسوان على وجه الخصوص، في مسارات الهجرة العالمية. ويعزز فرصها كأحد أهم مقاصد سياحة مراقبة الطيور في المنطقة.
وفي رحلة لمراقبة الطيور بأسوان، التقى «باب مصر» بإسماعيل خليفة، مراقب طيور، للحديث عن أهمية هذه الهواية العالمية. وتنوع الطيور المقيمة والمهاجرة في المحافظة. وأبرز التحديات التي تواجهها، إلى جانب الجهود المبذولة لحمايتها وتشجيع المجتمع على المشاركة في مراقبتها.
هواية عالمية
يقول إسماعيل خليفة، مراقب طيور، إن مشاهدة الطيور تُعد هواية عالمية يمارسها ملايين الأشخاص حول العالم، لافتا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تضم أكثر من 96 مليون شخص يعتبرون أنفسهم مراقبي طيور. وذلك وفقا لأحد استطلاعات الرأي التي نُشرت عام 2022. حيث يمارس هؤلاء هوايتهم سواء داخل حدائق منازلهم أو في أماكن طبيعية مفتوحة.
وأوضح أن مشاهدة الطيور تحمل فوائد عديدة على المستويين النفسي والعلمي. فعلى الصعيد النفسي تسهم هذه الهواية في التأمل والتدبر في خلق الله سبحانه وتعالى، وتحسين الحالة المزاجية وبث الطاقة الإيجابية. بينما تتجلى أهميتها العلمية في الدور الذي يقوم به مراقبو الطيور. ضمن ما يُعرف بـ«علم المواطن» أو العلوم التشاركية (Citizen Science). حيث يمدون العلماء والباحثين حول العالم ببيانات مهمة تساعد في تحليل أوضاع الطيور. وبناء تصور شامل عن أنواعها، ومسارات هجرتها، ومواعيدها، ودورات حياتها.
وأشار خليفة إلى أن شغفه بمشاهدة الطيور والحياة البرية تطور مع الوقت. ما دفعه لتلقي تدريبات متخصصة في مجال التعرف على الطيور والتمييز بين أنواعها. موضحا أنه تبنى مبادرة تحت اسم “مشاهدة الطيور للجميع”، تهدف إلى نشر الوعي بهذه الهواية داخل المجتمع المحلي بمحافظة أسوان. من خلال تنظيم رحلات ميدانية للتعرف على الطيور في بيئاتها الطبيعية. ولفت إلى أن هذه الأنشطة تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في حماية الطيور. وهو الهدف الأسمى لمجتمع مراقبة الطيور، الذي يشهد تزايدا ملحوظا في أعداد المهتمين به.
طيور مقيمة وأخرى مهاجرة
يوضح خليفة أن الطيور في أسوان تنقسم إلى نوعين، قائلا: “هناك طيور مقيمة وطيور مهاجرة. فالطيور المقيمة هي التي تعيش في أسوان طوال العام وتتكاثر بها. ومن أبرزها: الفرخة السلطانية، والأوز المصري، والزقزاق، والوروار الخضيري، والبلبل، إلى جانب أنواع أخرى من الطيور المقيمة”.
أما الطيور المهاجرة، فهي التي تأتي إلى أسوان خلال موسمي الهجرة في الخريف أو الربيع. إضافة إلى الطيور التي تقضي فصل الشتاء بالمحافظة، مثل أنواع البط المختلفة، ومنها: البط البلبوشي الشمالي، والشرشير الشتوي، والصواي. إلى جانب غراب البحر، وأنواع النوارس، وأنواع الخرشنات. وغيرها من الطيور المهاجرة التي تتواجد جنبا إلى جنب مع الطيور المقيمة.
المخاطر التي تواجه الطيور
عن المخاطر التي تواجه الطيور خلال رحلاتها الطويلة، أشار خليفة إلى أن الصيد الجائر يأتي في مقدمة هذه المخاطر، خاصة في شمال مصر. حيث تتعرض أعداد كبيرة من الطيور للصيد غير القانوني، مؤكدا أن وزارة البيئة تكثف جهودها لرصد هذه المخالفات. فضلًا عن حظر الصيد السياحي في بحيرة ناصر، بعد ملاحظة تأثر بعض أنواع الطيور بالفعل نتيجة الصيد الجائر.
وأضاف أن الطيور المهاجرة تواجه مخاطر أخرى لا تقل خطورة. من بينها فقدان الموائل الطبيعية مثل الجزر الرملية، والمسطحات المائية، والمستنقعات، والأراضي الرطبة. فضلًا عن مخاطر الصعق بالكهرباء، والاصطدام بطواحين الهواء، والتعرض للتسمم خلال رحلات الهجرة.
وأوضح خليفة أن وصول أي طائر إلى أسوان يُعد بمثابة معجزة طبيعية بعد تجاوزه كل هذه المخاطر. مشيرا إلى أن بعض الطيور لا تتوقف في أسوان، بل تواصل رحلتها جنوبا حتى جنوب إفريقيا ومناطق جنوب القارة.
استقرار البط الحديدي المهدد بالانقراض عالميا في أسوان
فيما يتعلق بالأنواع المهددة بالانقراض، أشار إسماعيل خليفة، مراقب طيور، إلى أن البط الحديدي يُعد من أبرز الطيور التي تراجعت أعدادها عالميا نتيجة الصيد الجائر. واصفا قصته في أسوان بأنها قصة نجاح فريدة. وأوضح أن هذا النوع يُصنف كطائر مهاجر وقريب من خطر التهديد بالانقراض عالميا. إلا أنه منذ نحو 15 عاما تم رصد تكاثره في أسوان وتحوله إلى طائر مقيم. مع تسجيل أعداد كبيرة له في نهر النيل بالمحافظة، معتبرا ذلك قصة تنفرد بها محافظة أسوان دون غيرها.
مراقبة الطيور.. سياحة هادئة بمردود اقتصادي
اختتم خليفة تصريحاته متمنيا أن تتكاتف جهود الجهات المعنية والأفراد لحماية الطيور، مؤكدا شعار “دعوها تمر بسلام”. لما لذلك من أثر إيجابي لا يقتصر على حماية الطيور فحسب، بل يمتد إلى دعم السياحة البيئية. حيث يتوافد السائحون خصيصا إلى أسوان لمشاهدة الطيور وأنواعها المختلفة. بما يحقق مردودا اقتصاديا جيدا للمحافظة. وشدد على أن مشاهدة الطيور نشاط مهم يستحق مزيدا من الاهتمام والحماية. حتى تصبح أسوان قبلة حقيقية للسياحة البيئية.
مراقبة الطيور نشاط عالمي منظم
من جانبه، أكد الدكتور عمرو عبد الهادي، الباحث البيئي لـ«باب مصر»، أن أسوان تعد من أبرز المحافظات المصرية الغنية بالمقومات الطبيعية التي تؤهلها لتكون مركزا مهما للسياحة البيئية. لما تمتلكه من مشاهد طبيعية ساحرة وتنوع بيولوجي نادر، خاصة في مجال الطيور. وهو ما يفتح آفاقا واسعة لتنشيط أنماط سياحية مستدامة تعتمد على الطبيعة والحياة البرية.
وأشار إلى أن مراقبة الطيور نشاط عالمي منظم تشارك فيه دول عديدة. حيث يتم خلاله رصد الطيور المهاجرة التي تقضي فصل الشتاء في مناطق مختلفة من العالم، وتسجيل بيانات دقيقة عنها. لافتا إلى أن مواسم هجرة الطيور وتحركات أسرابها تحولت إلى عنصر جذب سياحي رئيسي لهواة هذا النوع من السياحة. وأصبحت تشكل موسما سياحيا قائما بذاته.
وأوضح الباحث البيئي أن محافظة أسوان تشهد تنظيم فعاليات متخصصة لمراقبة الطيور على امتداد نهر النيل. تهدف إلى حصر الأنواع المختلفة ورصد أماكن تجمعها. إلى جانب إرساء مفهوم جديد للسياحة البيئية يعتمد على مشاهدة الطيور عن قرب خلال فصل الشتاء، بمشاركة المهتمين بهذا المجال.
تشجيع سياحة مشاهدة الطيور
أضاف عبد الهادي أن هذه الفعاليات تسهم في تشجيع سياحة مشاهدة الطيور التي تقضي الشتاء في أسوان، وتعزز من ثقافة الحفاظ عليها أثناء رحلات الهجرة. فضلا عن إبراز قيمتها البيئية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب بعدها التعليمي. مؤكدا أن الاهتمام بهذا النوع من السياحة يعزز من مكانة مصر دوليا، ويدعم جهودها في حماية الحياة البرية.
وأشار إلى أن مصر تضم ما يقرب من 500 نوع من الطيور، تحظى أسوان وحدها بنحو 200 نوع منها. تتنوع بين طيور مستقرة يمكن رصدها على مدار العام، وطيور شتوية. إضافة إلى أنواع مهاجرة تعبر المحافظة خلال مواسم الهجرة، من بينها أنواع نادرة ذات أهمية بيئية خاصة.
أسوان محطة شتوية رئيسية
في سياق متصل أكد عبد الهادي أن أسوان تمثل محطة شتوية رئيسية للعديد من الطيور. لا سيما الطيور الخواضة مثل: البقويقة، والطيطوي، والقطقاط، إلى جانب أنواع متعددة من البط والبلشونات. التي تتخذ من ضفاف نهر النيل وبحيرة ناصر موئلًا شتويًا لها.
وأشار إلى أن هذه الأنواع تنتشر داخل المحافظة في نطاقات بيئية متنوعة، تشمل المناطق الممتدة بين السد العالي وخزان أسوان، والجزر النيلية، والمحميات الطبيعية. مثل محمية سالوجا وغزال ووادي العلاقي، ومحطات الصرف. فضلًا عن مجرى نهر النيل بطوله، ما يعكس تنوع البيئات الداعمة لاستقرار الطيور وتكاثرها.
وشدد على أن الطيور تمثل عنصرا أساسيا في المنظومة البيئية، لما لها من دور مهم في تلقيح النباتات وتحسين خصوبة التربة، إلى جانب قيمتها الاقتصادية والغذائية. موضحا أن سياحة مراقبة الطيور تعد من الأنشطة السياحية الصديقة للبيئة. حيث تعتمد على المشاهدة فقط دون الإضرار بالكائنات الحية أو المساس بتوازنها الطبيعي.
الطيور في مواجهة المناخ المتغير.. خطر يهدد التوازن البيئي
حول المخاطر التي تواجه الطيور، أوضح الخبير البيئي أن التغير المناخي أصبح أحد أخطر التحديات التي تواجه الطيور حول العالم. لما يسببه من اضطراب متسارع في درجات الحرارة وأنماط الطقس، تجاوز قدرة النظم البيئية على التكيف. خاصة مع الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة الناتج عن الأنشطة الصناعية والبشرية.
وأضاف أن حياة الطيور ترتبط ارتباطا وثيقا بمؤشرات وعلامات بيئية دقيقة تحدث في توقيتات محددة. مثل درجات الحرارة وتوافر الغذاء. ومع حدوث أي خلل في هذه العوامل يتأثر سلوك الطيور وتوزيعها الجغرافي وتفاعلها مع بيئتها الطبيعية.
وأشار إلى أن من أبرز تأثيرات التغير المناخي اختلال دورة التكاثر لدى الطيور. حيث تحتاج إلى درجات حرارة مناسبة لوضع البيض، يعقبها توافر كافٍ للغذاء لتغذية الصغار، إلا أن التغيرات المناخية أدت إلى عدم تزامن هذه العوامل. ما دفع بعض الأنواع إلى تغيير أو تقديم مواعيد التكاثر مقارنة بالمعدلات الطبيعية المعروفة. وأوضح أن التغير المناخي أثر كذلك على مسارات وتوقيتات هجرة الطيور. إذ باتت تصل إلى مناطق هجرتها في أوقات لا تتوافر فيها الظروف المثالية من حيث درجات الحرارة أو الغذاء، ما يهدد بقاءها بعد رحلات هجرة طويلة وشاقة.
تبديل البيئات الطبيعية
نوه عبد الهادي بأن تغير المناخ أسهم في تبدل البيئات الطبيعية، الأمر الذي انعكس على توزيع الطيور. حيث بدأت بعض الأنواع في الظهور بمناطق لم تسجل بها من قبل، مقابل هجرتها من مناطقها التقليدية. وهو ما ينذر بتدهور سريع في النظم البيئية وحدوث اختلالات يصعب تعويضها. وأكد أن التغير المناخي أحدث تحولات بيئية عميقة جعلت العديد من الطيور غير قادرة على التكيف مع بيئاتها المتغيرة. ما يزيد من تعرضها لمخاطر التراجع العددي والانقراض، ويستدعي تحركا عاجلا لحماية هذا التنوع الحيوي المهم.
واختتم الباحث البيئي حديثه بالتأكيد على أن مراقبة الطيور في أسوان تمثل فرصة واعدة، معربا عن تطلعه إلى أن تصبح أحد المحاور الرئيسية للسياحة البيئية خلال الفترة المقبلة. بما يسهم في جذب السائحين والمهتمين بالحياة البرية من مختلف دول العالم إلى أسوان.
اقرأ أيضا:
جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي
حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان
«شبابيك للثقافة والفنون».. ملتقى يفتح نوافذ الإبداع على مواهب الجنوب









