الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز
استضاف بيت الرزاز «طبلية مصر» لمواصلة فعاليات اليوم الثالث من الموسم الخامس، برعاية مؤسسة صادكو وبالتعاون مع المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، من خلال حلقة نقاشية عن «الطعام في الأدب المصري»، تناولت حضور الأكل في روايات نجيب محفوظ وغيرها من الأعمال الأدبية، وكيف تحول الطعام إلى أداة سردية تعبر عن التاريخ والذاكرة والهوية.
وشارك في الجلسة كل من: د. ماجدة منصور حسب النبي، أستاذ الأدب الانجليزي بكلية البنات جامعة عين شمس، ود. شيرين الصامت، المدير الإداري للمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، ود. منيرة سليمان، أستاذ الأدب المقارن بجامعة القاهرة، ود. نادية طه عبد الفتاح، المشرف على التراث الإسلامي بمكتب الأمين العام بالمجلس الأعلى للآثار.
شعر فؤاد حداد عن الطعام
أدارت الحلقة النقاشية الدكتورة ماجدة منصور، التي استهلتها بأبيات من شعر فؤاد حداد عن الطعام. ثم تحدثت عن حضور الطعام في الأدب المصري، مطالبة بتناوله زمنيًا من الأقدم للأحدث، بدءًا من السير الشعبية والعصر المملوكي.
الطعام في السيرة الشعبية
تناولت الدكتورة شيرين الصامت الحديث عن الطعام في هذه الحقبة، وقالت: “موضوع الطعام في الأدب، خاصة السير مهم. إذ إن الطعام يعد صانع الحضارة. حيث لا توجد حضارة بدون طعام، كما أنه ما يميز الطبخ تحديدًا والإنسان عامة عن أي مخلوق آخر. وبناء عليه فقد تحول من شيء قائم على الغذاء والإمداد بالطاقة إلى أساس معقد نشأ عنه الحضارة”.
وأضافت: “الحضارة واحدة من روافدها هو التراث بأشكاله المختلفة، والتراث المصري تحديدًا كان واعيًا جدًا. ومن ثم استطاع استخدام كل عناصر الحياة ويصلها معًا بحياته. ولعل ما يؤكد ذلك هي السير الشعبية، التي تعني الخيال الجمعي عن حدث تاريخي ما، بها أشخاص يحتاجون مجموعة من العلاقات.
لذا يستخدم الطعام لرسم الشخصية. وفي الأدب المصري نملك العديد من السير مثل السيرة الهلالية وذات الهمة. لكن ما يستوقفني هي سيرة الظاهر بيبرس، لسببين: أنه حاكم، والناس لا تميل لتمجيد الحكام وتخلق له سيرة. ثانيًا أنه ليس له أصل من مجتمعنا، والحقيقة أن الشعب المصري أحبه”.
وتابعت: “بحث الناس عن سبب يجعل صاحب الربابة يحكي حكايته. ومن ثم تم تحويله من عبد مملوك إلى شخص منهم، فبدأوا يحكوا قصص أسطورية حوله ويخلقون له نسب. ثم أضفى عليه من صفات المصريين، الطعام. هنا أعطانا فكرة عن كيفية معاناة الظاهر بيبرس وهو طفل وتخيل تجويعه حتى أقسم أنه لن يجعل الناس تجوع. بعدها وصل مصر والتقى بنجم الدين، الذي أصبح مثله غير طامعًا. حتى في الطعام وأصبح يأكل العيش والدقة وأحيانًا فول. بعد ذلك صورته السيرة كشخص زاهد غير نهم في الأكل. وهو ما جعل المصريين ينسبون إليه كل الموائد. عكس ذلك حدث مع أيبك الذي وصفه المصريون بالنهم دون شبع”.
الطعام في أدب نجيب محفوظ
من جانبها، تناولت الدكتورة نادية طه عبد الفتاح الطعام في العصر الحديث، وروايات نجيب محفوظ تحديدًا. وقالت: “نجيب محفوظ معروف في رواياته بالأماكن لكن ذلك لم يمنع ظهور الجوانب اللامادية في أعماله. مثل الأكل، الشرب، اللبس، عادات وتقاليد المصريين في رمضان، الذي أطلق عليه شهر الحرية لأن والدته كانت تجعله يلعب في الحارة حتى الصباح”.
وتابعت: “نجيب محفوظ أعطانا انطباع عن تجهيز الأكلات المصرية، وتنظيف البيت قبل رمضان تحديدًا عند الطبقة المتوسطة. وهذا ظهر بوضوح في رواية “بين القصرين”، و”خان الخليلي”. وهذا يدل أن الطعام انعكاس لجو العائلة أو المطعم كذلك ظهر في دخول “سي السيد” لأمينة وسؤالها عن خزين البيت من سكر ولحمة وغيره.
هناك أيضًا عجن أم حنفي الذي كان يعتبر منبهًا. مع ملاحظة أن بيت “سي السيد” هو بيت محفوظ في الحقيقة وصف بيته هو وصف قصر الأمير بشتاك. كما أن الطعام ظهر في رواياته مثل تجهيز أمينة صينية الفطار التي تحوي الفول المدمس، الطعمية، العيش المخبوز صباحًا. الأكثر من ذلك أنه أعطانا أداب الطعام. كما أن الأكل بالنسبة له كان عامل جذب للسيدات.
وفي رواية “زقاق المدق” يظهر الحمام المحشي. من خلال شخصية سليم علوان التاجر الغني، الذي كانت له طقوس للأكل خاصة الحمام بالفريك. الذي يرص جانبه الخضار والبطاطس المحشية. وهناك أيضًا البسبوسة التي وردت في الرواية حيث مع بيع آخر قطعة ينام صاحبها من التعب، وأوضح كذلك طقوس الشركسية”.

أدب الطعام
في هذا السياق اختتمت الدكتورة منيرة سليمان الحلقة النقاشية بالحديث عن “أدب الطعام”. والفرق بين كاتب يستخدم الطعام في أعماله سواء رواية أو شعر أو قصة. ما بين كاتب الطعام يكون محور عمله. لأن ليس كل عمل أدبي وصف أو تناول أكله أو مكونات يصبح أدب طعام. هنا الطعام يسقي معاني عديدة تراثية، مثل أعمال نجيب محفوظ ويحيى حقي.
أما أدب الطعام فهو المبني عليه العمل كامل، وفعل الطبخ والمكونات تعد شخصية من الشخصيات. وهو موجود في الأدب العالمي منذ القدم، لكن في مصر لم ننتبه له سوى من فترة قريبة. مثل “كحل وحبهان” لعمر طاهر، الوصفة الغريبة لمحمد أبو النجا، و”طبيخ الوحدة” لأمنية طلعت.
وإذا أخذنا رواية “كحل وحبهان” مثالًا، نجد الكاتب لا يستهدف أو يشير إلى أكله وطبخة. بل يتتبع حياة شخص وسط عائلته يلتقي بفتاة يحاول دعوتها للطعام. ومن ثم بدأ بالتفكير في أي طعام سيطهوه لها، ليتذكر الأكلات من مكرونة ومسقعة وغيره حتى يستقر على الملوخية، التي من خلالها يوصل رسالة معينة. أنها أصبحت قريبة منه، وتختلف الرسائل من أكلة لأخرى.
وواصلت: “في عمل أمنية طلعت نرى صينية البطاطس كانت تجمع الأسرة. حيث سيدة متزوجة توفى زوجها وتزوج أبناءها واستقروا في حياتهم، وأصبحت وحيدة. فكانت الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أن تجذب ولادها للسؤال عنها أن تطبخ لهم ما يحبونه من يدها، ويذكرهم بذكرياتهم معها وهم أطفال. فنجد الرواية أحداثها طقوس طبخ الأكلة وخطواتها من التسوق والشراء حتى الطبخ، مع تذكر كلمات أبنائها عنها”.
اقرأ أيضا:
«أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام
«أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»





