دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«الصبر جميل».. حبات تسبيح في عقد من الزمن

قبل أكثر من 40 عاما افتتح «أحمد عبد العزيز» متجره بساحة ميدان المساجد أمام مسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية. وعلى باب المتجر كُتبت عبارة «الصبر جميل»، حكمة وموعظة كان يؤمن بها. لم يحتج عبد العزيز إلى لافتة توضح بضاعته، فكميات السبح المعروضة كانت كفيلة بجذب انتباه المارة وزوار ساحة المسجد العتيق بالإسكندرية. ورويدا رويدا أصبحت الحكمة هي عنوان المحل، ولافتة تعبر عنه.

الصبر جميل

يقول علي أحمد عبد العزيز: “لم يقصد أبي أن يكتب لافتة للمحل، بضاعتنا تعبر عن نفسها. وكما ترى عبارة (الصبر جميل) مكتوبة على الزجاج داخل المحل، وليست كلافتة أعلى الباب”.

يدير عبد العزيز متجر بيع السبح بعد وفاة والده قبل عام، ليكمل سيرة العائلة في المنطقة ودور أبيه في مساعدة الزوار اختيار سبحة مناسبة لهم.

السبحة تشبه صاحبها

وقف “علي” يتحدث مع رجل أتى ليختار سبحة جديدة يقضي بها شهر رمضان. كان المشتري يفاضل بين خشب الكوك والأبنوس، ثم أمسك بسبحة من خشب مصنع دون أن ينتبه. فشرح له “علي” الفارق بين الاثنين، وعرض عليه سبحة عتيقة من الأبنوس الأسود، غير أن سعرها أصبح محل تفاوض بينهما.

ويقول: “يأتي إلينا زوار كثر يبحثون عن سبحة من الخشب الطبيعي أو من الأحجار الكريمة، لأنهم يبحثون عن القيمة. وأحيانا يحتفظ الشخص بسبحة واحدة لسنوات طويلة، لأنه يشعر بأنها تناسب روحه وصلواته”.

عبارة الصبر جميل في واجهة المحل.. تصوير: محمد عوض
عبارة الصبر جميل في واجهة المحل.. تصوير: محمد عوض
خامات مختلفة وأسعار متفاوتة

لا يعتبر علي عبد العزيز أن السبح تجارة رائجة طوال العام، إلا أن شهر رمضان يعد موسما دائما. سواء ببيع سبح جديدة، أو بصيانة سبحة فقدت بعض حباتها بسبب قطع العقد. ويرغب صاحبها في الاحتفاظ بها، فيأتي باحثا عن حبات من نوع أو شكل معين.

تختلف أسعار السبح بحسب خاماتها، فيمكن شراء حبات مصنوعة من البلاستيك أو الخشب الصناعي أو حجر الكوك الرخيص. كما توجد سبح عتيقة أعلى سعرا وقيمة، مصنوعة من العقيق واليسر المرجاني  والكهرمان والأبنوس والكوك أو العاج. وهي من الخامات الأكثر انتشارا في صناعة حبات السبح.

كيف ظهرت السبحة؟

بحسب كتاب “حبات منثورة” للكاتبة نادية فضل، لم تكن السبحة معروفة عند العرب في صدر الإسلام. إذ كانوا يستخدمون النوى والحصى أو أصابع اليد والخيوط المعقودة للتسبيح والذكر والحساب. ولم تعرف السبحة بشكلها المتداول في الأيدي إلا في أوائل القرن الثاني الهجري. وقد ذكرها الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه “العين” في باب السين. فقال: “السبحة خرزات يُسبح بعددها”. وتتفق المراجع على أن الخليل تُوفي عام 170هـ. ما يعني أن السبحة كانت معروفة عند العرب في هذا التاريخ.

وعرفت قبل الإسلام في بعض الحضارات القديمة مثل الحضارة الهندية والبوذية. إلا أن السبحة أخذت طابعها الروحي الخاص والمميز في الثقافة الإسلامية. حيث استُخدمت وسيلة لمساعدة المسلمين على الذكر المنتظم والتسبيح بعد الصلوات. وترتبط السبحة بثلاث كلمات يكررها المسلم بعد كل صلاة: “سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر”. وتقال 33 مرة لكل كلمة، وهو ما يفسر عدد حبات السبحة التقليدية: إما 33 حبة أو 99 حبة، مجموع التسبيح بالكلمات الثلاث.

وقبل ظهور السبحة بالشكل المعروف، اتبع الصحابة هدي النبي محمد صل الله عليه وسلم في التسبيح على أطراف الأصابع كسنة نبوية، كنوع من الذكر والتأمل الجسدي. ثم بدأ استخدام الحصى ونوى التمر أو الحبال المعقودة للعد، قبل أن تعقد الحبات في خيط واحد.

مقتنيات وسبح بخامات عتيقة.. تصوير: محمد عوض
مقتنيات وسبح بخامات عتيقة.. تصوير: محمد عوض
تراث ثقافي غير مادي

تقول الدكتورة ياسمين الحلو، باحثة أكاديمية في التراث الثقافي ومسؤولة الرصد والحصر بمؤسسة “راقودة” للفن والتراث بالإسكندرية لـ«باب مصر»: “صناعة السبح اليدوية تعد حرفة تقليدية. ومعظم العاملين بها يتوارثون المهنة أبا عن جد. فهي جزء من التراث الثقافي غير المادي. تتضمن العديد من المهارات الخاصة بالحرفي للوصول إلى المنتج النهائي. بدءا من معرفة أنواع الخشب والأحجار والخيوط، مرورا بأساليب التقطيع والخرط، وصولا إلى التشطيب النهائي. فضلا عن الأدوات المستخدمة في الحرفة”.

وتضيف الحلو: “هناك العديد من المعتقدات الشعبية المرتبطة بالسبح، منها دلالات كل خامة مستخدمة. فلكل نوع من الأحجار أو الأخشاب دلالة، كالبركة أو الرزق أو الطمأنينة أو درء الحسد، وغيرها من المعاني المتعارف عليها لدى الحرفيين وبائعي السبح وكذلك لدى الزبائن. إضافة إلى دلالات خاصة بألوان السبح والأحجار المستخدمة فيها”.

وبالتالي، فإن حرفة صناعة السبح اليدوية تعد جزءا من التراث الثقافي غير المادي. لما تعكسه من دلالات دينية ومهارات ومعتقدات متوارثة.

فضاء متسع في ثلاثة أمتار

بمزيج بين رائحة البخور المنبعثة من أضرحة ومساجد البوصيري، المرسي أبو العباس، وياقوت العرش، ورائحة يود البحر المتوسط، يكتمل مشهد السبح المعلقة أمام ميدان المساجد. هنا تبرز عبارة “الصبر جميل” كأيقونة رغم صغر مساحة المحل التي لا تتجاوز مترين مربعين. ويمتد خارجا بأرفف تكمل المشهد أمام المساجد.

يستكمل علي عبد العزيز حديثه ويقول: “المحل الأول كان في مقر قديم خلف مسجد البوصيري. وانتقل إلى مكانه الحالي بعد بدء تطوير وترميم المساجد، ومع الانتقال كتبت عبارة (الصبر جميل)”. وعند دخول ساحة ميدان المساجد أمام المرسي أبو العباس، على اليمين، تبرز لافتة صفراء تعلوها أخرى خضراء مكتوب عليهما: “الصبر جميل” و”اللهم صل على محمد وآل محمد”، لتكون علامة للمحل. خلف هذا الاسم البسيط تقف حكمة أحمد عبد العزيز وإرثه الباقي بعد وفاته.

سبح مختلفة.. تصوير: محمد عوض
سبح مختلفة.. تصوير: محمد عوض
 مقتنيات ملكية وجواهر

يحكي علي عبد العزيز عن سبحة من اليسر المرجاني. اقتناها والده من أحفاد الشيخ مصطفى إسماعيل عند عرضها للبيع. ويعود تاريخها إلى أنها كانت هدية من الملك فاروق لإسماعيل لأنه قارئه المفضل للقرآن. وعلى الرغم من صغر مساحة المحل، إلا أنه يضم مقتنيات تاريخية تجعله مقصدا للهواة والشخصيات العامة، وأحيانا مزارا سياحيا لزوار الإسكندرية الباحثين عن مكان جديد للزيارة بخلاف شاطئ البحر القريب في منطقة بحري.

يقول “علي”: “عُرض علينا كثيرا شراء هذه السبحة، لكنها ليست للبيع، تنفيذا لوصية أبي بأن تبقى بالمحل، ويمكن للزوار مشاهدتها فقط، احتراما لتاريخها الإنساني”. ويشير أيضا إلى سبحة نادرة من الكهرمان الطبيعي، تحتوي حباتها على حشرات حقيقية محبوسة منذ ملايين السنين. والكهرمان مادة تفرزها أشجار الصنوبر المنقرضة، وعندما كانت تتدفق كانت تلتقط الحشرات، ومع مرور العصور الجيولوجية تحولت إلى أحجار كريمة تحمل داخلها شوائب طبيعية ترفع من قيمتها.

صناعة السبح في مصر

تعتبر صناعة السبح في مصر من الحرف التقليدية التي ما زالت تحتفظ بأصالتها اليدوية، خاصة في المناطق المحيطة بالمساجد الكبرى في القاهرة والإسكندرية. وتتنوع الخامات بين المواد العضوية مثل: عظم الجمل، قرون العاج، ثمار الكوك، خشب الأبنوس، اليسر، الأحجار الكريمة ونصف الكريمة مثل العقيق، الفيروز، الياقوت، المرجان، والمواد الصناعية الراقية مثل: البوليستر، الفاتوران، المستكة، الكريستال.

ورغم منافسة السبح الإلكترونية والمنتجات الصينية، إلا أن السبح التقليدية العتيقة ما زالت تحتفظ بمريديها، كما أن تراجع بعض الخامات الطبيعية، مثل العاج، دفع الصناع إلى ابتكار بدائل مستدامة أو الاعتماد على إعادة تدوير القطع القديمة.

اقرأ أيضا:

«حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

«السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.