الإفطار الجماعي في النوبة.. موائد رمضانية تجمع الأهالي وتحيي عادات الأجداد
مع اقتراب أذان المغرب في قرى النوبة بمحافظة أسوان، تتحول الساحات والميادين إلى موائد إفطار جماعية تمتد بطول الشوارع، حيث يجتمع الأهالي حول صوانٍ أعدتها كل أسرة من منزلها. وفي مشهد يعكس الكرم النوبي وروح التكافل، تتحول المائدة الرمضانية إلى تقليد متوارث يجسد الترابط بين أبناء المجتمع ويستقبل الضيوف من مختلف مناطق أسوان، بل وأيضا يجمع أبناء الجالية السودانية في أجواء يملؤها الدفء والمحبة.
وادي كركر.. إفطار أبناء النوبة والأشقاء السودانيين
في قرى وادي كركر جنوب أسوان، تتحول الساحات العامة خلال شهر رمضان إلى نقطة تجمع للأهالي. حيث يتم تنظيم الإفطار الجماعي بشكل أسبوعي بين القرى.
يقول أحمد عبدالحميد، رئيس جمعية تنمية المجتمع بقرى وادي كركر ومدير المدرسة الثانوية: “يحرص أهالي النوبة على تنظيم تقليد سنوي للإفطار الجماعي خلال شهر رمضان. حيث تتولي كل قرية من قرى وادي كركر تنظيم الإفطار بالتناوب خلال الشهر الكريم، ليجتمع أبناء القرى حول مائدة واحدة تعزز مشاعر المحبة والألفة بينهم”.
ويضيف أن هذه الموائد لا تقتصر على أبناء القرية فقط، بل تستقبل أيضا ضيوف وادي كركر من أبناء الجالية السودانية المقيمين بالمنطقة. مؤكداً أن هذه العادة مرتبطة بالنوبة القديمة، وأن هناك قواسم ثقافية مشتركة تجمع أبناء النوبة بالأشقاء السودانيين.
فيما يؤكد الحاج جمعة عبدالماجد، عمدة قرى وادي كركر، أن الإفطار الجماعي يتميز بتقديم أشهر الأكلات والمشروبات النوبية. إلى جانب الأجواء الودية التي تجمع الأهالي للتعارف وتبادل الأحاديث. مشيرا إلى أن أبناء النوبة يحرصون على دعوة أهالي أسوان من مختلف قبائل المحافظة للمشاركة في هذه المائدة الرمضانية. فضلاً عن استقبال الإخوة السودانيين المقيمين بالمنطقة.
الطيّباب.. إفطار على ضفاف النيل
في نجع الطيّباب بمنطقة الكرور بحري بمدينة أسوان، يكتسب الإفطار الجماعي طابعاً مختلفاً. حيث يجتمع الأهالي على ضفاف نهر النيل وسط الطبيعة الخلابة لأسوان. في مشهد يجمع بين جمال المكان والأجواء الروحانية للشهر الكريم.
ويبدأ وليد تاج السر، رئيس مجلس إدارة جمعية تنمية المجتمع بالطيّباب، حديثه بعبارة نوبية شهيرة: “ديرتيج ايي نالوا”، والتي تعني “كل رمضان وأنتم بخير”. موضحا أن الإفطار الجماعي يتم تنظيمه سنوياً خلال شهر رمضان بمشاركة جميع أهالي القرية.
ويضيف أن الإفطار النوبي يتميز بمشاركة جميع الأسر في إعداد الطعام. حيث يقوم كل منزل بإعداد صينية إفطار لتقديمها على المائدة الجماعية. في صورة تعكس روح التكافل والمحبة بين أبناء النوبة. وما يلفت الانتباه في إفطار الطيّباب بشكل خاص صواني الفاكهة المتنوعة التي يتم إعدادها بعناية بواسطة أحد الطهاة من أبناء القرية لتزين المائدة الرمضانية وتكون جزءا أساسيا منها.
“الجاكود” و”السوبد” و”الخمريد” أكلات نوبية بطعم التراث
يقول الحاج نوري دهب، من أهالي نجع الطيّباب، إن الإفطار الجماعي عادة قديمة تعود إلى بلاد النوبة منذ زمن بعيد. وقد انتقلت عبر الأجيال من الأجداد إلى الأبناء، مؤكدا أنهم سيورثونها للأجيال القادمة للحفاظ على هذا التراث الاجتماعي.
ويضيف أن أهالي النوبة كانوا في الماضي يقيمون موائد الإفطار أمام منازلهم. حتى يتمكن عابرو السبيل أو الغرباء عن قرى النوبة من مشاركتهم الإفطار، في تعبير واضح عن الكرم النوبي. وأشار إلى أن سيدات النوبة يبدأن تجهيز صواني الطعام قبل الإفطار بيوم كامل. حيث تحرص كل سيدة على إعداد أفضل الأطعمة والمشروبات لتقديمها للصائمين من أهالي النوبة والضيوف المدعوين إلى الإفطار.
ويوضح “نوري” أن من أشهر الأكلات التي تتصدر المائدة النوبية طبق “الجاكود” أو “الإتر”. وهو عبارة عن فتة من الملوخية أو السبانخ المطبوخة مع البامية الناشفة والمفروكة بـ”المفراك”. ويقدم معها خبز الخمريد أو السناسن المصنوع على “الدوكة”. ويتم تقطيع الخبز في طبق كبير. ثم إضافة الملوخية إليه ليصبح طبق الجاكود، الذي يؤكل ساخنا باليد دون استخدام الملاعق. كما يعد طبق “السوبد”، وهو من الأكلات المميزة في النوبة، وهو نوع من الفتة التي تعد بالطماطم.
“الأبريه”.. المشروب الرسمي عند النوبيين في رمضان
تقول الحاجة كريمة بكار، إحدى سيدات النوبة، أن عادات وتقاليد النوبة تختلف عن أي قبيلة أخري، لافتة إلى أن الإفطار يبدأ دائماً بالتمر وكوب من المشروب الرسمي عند النوبيين وهو “الأبريه”، قبل أداء صلاة المغرب. ثم استكمال تناول ما لذ وطاب من الأكلات النوبية المميزة.
وأضافت أن تناول مشروب “الأبريه” قبل الطعام يساعد على تهيئة المعدة بعد يوم طويل من الصيام لاستقبال الطعام. حتى لو احتوى على الدهون، مؤكدة أن الإفطار في النوبة له طعم مختلف وطابع خاص يختلف عن أي مكان آخر. ويرتبط بالأجواء العائلية و”اللمة” الجميلة.
“الكود بيه” و”الكود كريد”.. أكلات السيدة النوبية
يشير الحاج ماهر، من أهالي الطيباب، إلى أن من عادات وتقاليد النوبة القديمة التي تظهر في شهر رمضان المائدة النوبية. التي تضم عدداً من المشروبات المميزة مثل العرديب، والكركديه، والحلو مر، إلى جانب عصائر الفواكه التي يتم إعدادها للضيوف .
ويضيف أن من الأكلات الشهيرة أيضا طبق “الكود بيه”، الذي كان يعد قديما من اللحم المجفف. بينما يتم إعداده حاليا من اللحم المفروم مع البامية الناشفة وخبز “الخمريد” الذي يتم تقطيعه لعمل الفتة. إلى جانب طبق “الكود كريد”، الذي يضاف إليه الورق الأخضر للوبيا أو السبانخ أو أوراق الفاصوليا الخضراء. وهي من الأكلات الشهيرة التي تتفنن السيدة النوبية في إعدادها على المائدة الرمضانية.

“البيت الكبير”
فيما يقول خالد أحمد شلبي إن الإفطار الجماعي في نجع الطيّباب يتم تنظيمه داخل جمعية الكرور بحري، التي يطلق عليها الأهالي اسم “البيت الكبير”، مضيفا أن هذه الجمعية تتحول في رمضان إلى مكان يجتمع فيه أبناء القرية لتناول الإفطار وتبادل الأحاديث، في أجواء تعكس روح المحبة والتواصل بين الجميع.
وأكد أن عادات النوبة في رمضان لا تقتصر على الطعام فقط، بل تشمل تجمعات الأهالي و”اللمة” التي تمنح الشهر الكريم طابعا خاصا، وتجعل من المائدة الرمضانية واحدة من أهم مظاهر الشهر الكريم ورمزا للترابط بين أبناء المجتمع النوبي.
اقرأ أيضا
«الأبريه».. مشروب نوبي يتصدر موائد رمضان في أسوان
جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي
حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان




