أشجار «الغربية» للبيع في مزاد علني
حالة من الجدل أثارها إعلان رسمي صادر عن الإدارة العامة لري الغربية، التابعة لوزارة الموارد المائية والري، بشأن طرح مزايدة علنية لقطع وبيع عشرات الأشجار على جانبي بعض المجاري المائية، ما أثار تساؤلات حول الأسباب القانونية والبيئية التي تحكم مثل هذه القرارات، خاصة في ظل التوجه نحو التوسع في التشجير وتنفيذ مبادرات بيئية كبرى، من بينها مبادرة «100 مليون شجرة».
إعلان رسمي
أعلنت الإدارة العامة لري الغربية، عن مزايدة علنية لعملية قطع وبيع أشجار الكافور التابعة للإدارة العامة لري الغربية، الواقعة على الجسر المشترك لترعة القاصد والجنابية الأولى والثانية للقاصد. وأقيمت الجلسة الأسبوع الماضي على إجمالي عدد 63 شجرة مختلفة الأطوال والأقطار.
وبحسب الموقع الرسمي لـ“بوابة التعاقدات العامة”، فإن المزايدة علنية ولا تقبل التجزئة، وجاري البت فيها.
رد وزارة الري
تواصل «باب مصر» مع الدكتور محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الري والموارد المائية، لمعرفة أسباب طرح المزايدة، وإذا كانت الأشجار قد شكلت خطرًا على المارة، بالإضافة إلى الوقوف على كواليس المعاينة الفنية للأشجار قبل اتخاذ قرار القطع، وعمر هذه الأشجار، وما إذا كانت مُعمِرة أو ذات قيمة تاريخية، فضلًا عن معرفة ما إذا كانت هناك خطة لزراعة أشجار بديلة.
كما سعى إلى الإطلاع على التقارير الفنية أو الهندسية، إن كانت متاحة للنشر. وأوضح الدكتور محمد غانم أن الإجابة على هذه الأسئلة تستلزم الحصول على تصريح رسمي للمحرر من الوزارة.
اقرأ أيضًا: في أسوان.. توثيق الأشجار النادرة والمعمرة داخل الحدائق العامة

100 مليون شجرة
تأتي هذه المزايدة بالتزامن مع إعلان وزارتي التنمية المحلية والبيئة انتهاء أعمال المرحلة الرابعة من مبادرة “100 مليون شجرة”، والتي شهدت توريد 100 ألف شجرة إلى 16 محافظة، وامتدت أعمالها إلى تشجير الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
وشملت المبادرة توريد وزراعة نحو 75 ألفًا و692 شجرة في 7 محافظات، إضافة إلى توريد 25 ألف شجرة لصالح الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، واستهدفت كذلك تشجير مراكز الشباب ومديريات الصحة والتعليم بالمحافظات.
شكوى رسمية
أثار الإعلان عن قطع وبيع الأشجار تساؤلات لدى أحمد الصعيدي، المؤسس والمدير التنفيذي لمكتب “الصعيدي للمحاماة والاستشارات القانونية” والمتخصص في القضايا البيئية والمناخية، مشيرًا إلى أنه بصفته رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية والممثل القانوني لها، تقدم بشكوى رسمية عبر بوابة الشكاوى الحكومية.
وأضاف الصعيدي، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر» أن الإعلانات المتعلقة بطرح الأشجار للبيع غالبًا ما تكون داخلية، مؤكدًا أنه طالب في شكواه بالكشف عن الأسباب الحقيقية وراء قرارات القطع، وتوضيح مبررات تنفيذها، إلى جانب التساؤل حول ما إذا كانت الجهات المختصة قد درست البدائل المتاحة، وفقا لما ينص عليه القانون.
الإطار القانوني
وصف الصعيدي الإطار القانوني المنظم لعمليات قطع الأشجار ومتابعتها بأنه قديم، وأضاف في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “هذه القوانين بحاجة إلى تطوير شامل يتماشى مع التحديات البيئية الحالية، وأطالب كل المسؤولين، وخاصة البرلمانيين، بتبني هذا الملف من خلال استحداث قانون جديد أو تحديث السياسات التي تتعامل مع ملف قطع الأشجار”.
وأشار إلى أن ملف الأشجار في مصر يعاني من غياب تنظيم قانوني واضح ومخصص، رغم وجود بعض القوانين الحديثة التي تتناول جوانب من القضية، مؤكدًا أن “الأشجار ما زالت بحاجة إلى تشريع خاص ينظم التعامل معها بشكل مباشر”.
وفيما يتعلق بوقائع بيع الأشجار في المزادات العلنية، لفت الصعيدي إلى أن ما يحدث في محافظة الغربية ليس حالة فردية، بل ظاهرة متكررة وصفها بـ”الكارثية”.
وعن الإطار القانوني، أوضح أن قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 يُعد الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم التعامل مع الأشجار الواقعة على جوانب المجاري المائية أو داخل حرمها، سواء كانت ترعًا أو مصارف أو مجاري مائية أخرى، وذلك بخلاف القوانين المنظمة لنهر النيل.
اقرأ أيضًا: الأشجار العتيقة في البحيرة.. اقتلاع التاريخ من جذوره
أضرار محتملة لبعض الأشجار
أوضح المحامي المتخصص في القضايا البيئية أن الأشجار، باعتبارها كائنات حية، قد تمثل في بعض الحالات خطرًا على المواطنين أو الممتلكات، سواء بسبب احتمالات السقوط أو التسبب في أضرار للبنية التحتية أو حركة النقل.
وأشار إلى أن وجود الأشجار ليس نافعًا بشكل مطلق في جميع الظروف، وهو ما دفع القانون إلى وضع إجراءات محددة تسمح للجهات الإدارية بالتعامل مع هذه الحالات وقطع الأشجار عند الضرورة.
وأضاف أن التشريعات الحالية تنص على مجموعة من الضوابط المنظمة لعملية القطع، من بينها إلزام الجهة أو صاحب الشأن بزراعة ثلاث أشجار بديلة مقابل كل شجرة يتم قطعها، وفي الموقع ذاته قدر الإمكان، إلى جانب سداد مقابل مالي وإصدار قرار إداري مُسبب يوضح بشكل صريح أسباب الإزالة أو القطع.
اشتراطات قانونية
تابع الصعيدي: “يحدد قانون 147 لسنة 2021 الجهة صاحبة السلطة في التعامل مع الأشجار، مثل القوانين السابقة التي أُلغيت بصدوره”.
وأوضح أنه، بحسب المادة (12) من اللائحة التنفيذية لهذا القانون، “يجوز للإدارة العامة المختصة أن ترخص بالتصرف بقطع أو قلع الأشجار والنخيل التي زُرعت أو تُزرع داخل الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والري لملاك الأراضي المواجهة لها كل تجاه أرضه، ويقدم طلب الترخيص للإدارة العامة المختصة، على أن يصدر الترخيص خلال شهر من تاريخ استيفاء المستندات الآتية:
1- سند ملكية الأرض لطالب الترخيص، أو بيان حيازة لهذه الأرض معتمد من الإدارة الزراعية يفيد بملكية أو حيازة هذه الأرض.
2- خريطة مساحية بمقياس رسم 2500:1، مبين عليها حدود هذه الأرض وموقع عليها من مهندس نقابي.
3- تعهد بالتزام طالب الترخيص بتنفيذ الشروط الفنية التي تحددها الإدارة العامة المختصة بالترخيص.
4- تعهد بزراعة عدد من الأشجار التي تحددها الإدارة العامة المختصة ورعايتها، بما لا يجاوز ثلاث أشجار مقابل كل شجرة يرخص له بقطعها أو قلعها، وذلك على نفقته الخاصة وفي المسافة المواجهة لأرضه، وبالنظام الذي تحدده الإدارة العامة المختصة.
وإذا تسبب أو ترتب على وجود الأشجار أو النخيل إعاقة المياه، أو تعطيل الملاحة، أو إعاقة تطهير أو توسيع المجاري المائية العامة، أو الإضرار بالجسور، أو عرقلة المرور عليها، أو أي أضرار أخرى، أو خُشي من سقوطها، فللإدارة العامة المختصة تكليف حائز الأرض المواجهة بإزالتها أو قطع فروعها في الموعد الذي تحدده، وأخذ ناتج القطع أو الإزالة دون مقابل. وإذا قامت الإدارة العامة المختصة بذلك، بمعرفتها أو بمن تكلفه للقيام بذلك، ويكون للإدارة العامة المختصة في هذه الحالة حق التصرف قانونًا في ناتج القطع أو الإزالة دون الحق للحائز المطالبة بأي تعويض”.
وأفردت المادة (99) من القانون عقوبة لمخالفة الاشتراطات المتعلقة بقطع الأشجار، والتي تنص على أنه: “يعاقب كل من يخالف حكم المادة، من هذا القانون بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه عن الشجرة الواحدة أو النخلة الواحدة”.
الأشجار والمجاري المائية
عن أهمية الأشجار على المجاري المائية، أوضح الصعيدي: “نعتبرها ثروة قومية، لأن جذور الأشجار تلعب دورًا في التبطين الطبيعي للمجاري المائية بسبب جذورها العميقة، وبسبب قوتها تظل ثابتة في الأرض وبالتالي تواجه الأزمات البيئية والتغييرات المناخية”.
ولفت إلى أن أهمية هذه الأشجار مسألة مستمرة في مصر على مدار آلاف السنين، مضيفًا: “لهذا السبب أدرك المصريون أهميتها سابقًا، ونص قانون وُضِع في عام 1937 على عقوبة لقطع الأشجار بشكل عام وعقوبة إلقاء الجيف في النهر وأمور من هذا القبيل”.
وفي حالة التضرر من أشجار بمكان ما، أوضح: “من المفترض إذا أراد صاحب مشروع ما قطع أشجار يتجه إلى إدارة الري والموارد المائية الموجودة في كل وحدة محلية وفقا لاختصاصاتها، وهي إدارة ممثلة من الوزارة لديهم خبرة في التعامل وحماية المورد المائي”.
وعلى حد وصفه، فإنه في مثل هذه الحالات يكون جائزًا قطع الأشجار التي يتم تحديدها من خلال التواصل مع الجهة الإدارية، لوجود خطر مرتقب منها وضرر كبير من الشجرة.
تأثير على المشهد البيئي
أشار الصعيدي إلى أن الإعلانات المتكررة الخاصة بطرح الأشجار للقطع والبيع تثير القلق، لافتًا إلى أنه عند مراجعة صور الأقمار الصناعية عبر «جوجل إيرث» تظهر بعض المجاري المائية في مناطق مختلفة وقد أصبحت خالية من الأشجار، وهو يؤثر على المشهد البيئي ويخل أيضًا بالتوازن البيئي الطبيعي، نظرا للدور الحيوي الذي تقوم به الأشجار في توفير بيئة للطيور والحشرات والكائنات الحية الأخرى.
وأعرب عن استغرابه من عدم إيضاح القرارات المتعلقة بقطع الأشجار، أو نشر الدراسات والأبحاث التي استندت إليها الجهات الإدارية في اتخاذ تلك الإجراءات.
التنسيق بين أكثر من جهة
لكن، «هل يجوز لأي جهة أن تقيم مزادًا لقطع وبيع الأشجار دون الرجوع إلى وزارة البيئة أو جهاز شؤون البيئة؟».
أوضح المحامي أحمد الصعيدي أن جهاز شؤون البيئة يُعد الجهة الرئيسية المسؤولة عن تطبيق قانون حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية، إلا أن دوره في مثل هذه الوقائع يظل محدودًا، ويتدخل غالبًا عند تنفيذ المشروعات من خلال دراسات تقييم الأثر البيئي، ومراعاة عدم هدر الموارد الطبيعية، ومراجعة تأثير المشروعات على الموارد الطبيعية خلال جلسات الاستماع وإجراءات التقييم.
وأضاف أن الأزمة تكمن في أن ملف الأشجار الواقعة على جانبي المجاري المائية يدخل ضمن اختصاصات جهات أخرى، رغم أن القوانين والمذكرات الإيضاحية، سواء القديمة أو الحديثة، تتعامل مع تلك الأشجار باعتبارها جزءًا من النظام البيئي للنهر والمجرى المائي، بما يفرض ضرورة الحفاظ عليها.
حماية حرم النهر والأشجار
أشار الصعيدي إلى أنه يشعر بالدهشة من اختلاف طريقة التعامل مع عناصر البيئة المختلفة، موضحًا أنه كان سعيدًا بمواقف بعض الجهات، مثل وزارة الري، فيما يتعلق بالحفاظ على حرم النهر ومنع التعديات عليه.
وفي الوقت نفسه، قبل ثلاثة أعوام، تقدم الصعيدي ببلاغ للنائب العام بسبب مزاد مُشابه لقطع وبيع أشجار، وأوضح أن النيابة العامة استدعته على خلفية البلاغ، قبل أن يتم في نهاية المطاف وقف المزاد، وهو ما وصفه بأنه «تصرف إيجابي للغاية»، يعكس إمكانية الاستجابة للتحركات القانونية والمجتمعية في مثل هذه القضايا.
مزايدات سابقة
عن وقائع سابقة مشابهة، في 28 يوليو 2021، أعلنت محافظة الغربية في بيان لها، عن طرح 1563 شجرة كافور مختلفة الأقطار والارتفاع بنطاق مركزي طنطا وزفتى للبيع في مزاد علني.
وبحسب موقع “اليوم السابع”، أشار بيان المحافظة أن الأشجار موزعة على النحو الآتي 895 شجرة كافور بنطاق مركز ومدينة طنطا على طريق محلة منوف، و77 شجرة بنطاق حي أول طنطا و591 شجرة بنطاق مركز ومدينة زفتى، منها 541 شجرة بسنباط و50 شجرة بقرية الغريب، طبقًا لأحكام القانون رقم 182لسنة 2018 بشأن تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة.
وفي نوفمبر 2025، نشر موقع “هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة”، عن طرح قطع وبيع الأشجار الخشبية بالمشتل المركزي بمدينة 6 أكتوبر في مزايدة علنية بين الشركات المتخصصة.
ومن بين الشروط شراء كراسة الشروط والمواصفات من مقر الجهاز نظير سداد مبلغ 299 جنيه، وسداد تأمين دخول المزاد بمبلغ 600 جنيه، وتتم معاينة الأصناف على الطبيعة بالموقع، وخضعت المزايدة العلنية لأحكام القانون رقم 182 لسنة 2018، قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة.
وفي فبراير 2023، تم الإعلان عن مزاد علني لبيع الأشجار الخشبية بمدينة حدائق أكتوبر. وبحسب صحيفة “المصري اليوم”، أعلن جهاز مدينة حدائق أكتوبر عن عقد جلسة مزاد علني لبيع الأشجار الخشبية – المرحلة الثانية (أشجار وكازورينا)، بمساحة 42.5 فدان تقريبًا بالغابة الشجرية، طبقاً لمواصفات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
اقرأ أيضًا: ملف| قطع أشجار «الميريلاند».. وخبير: «تدخلات عشوائية» تفقد مصر الجديدة ذاكرتها الخضراء



