«أسمنت» المدينة: نقد سياسات إعدام أشجار القاهرة
يشعر سكان القاهرة الكبرى بتغير مناخ الإقليم الحضري العملاق الذي يشمل القاهرة والجيزة وجنوب القليوبية وامتداداتها، فهناك شعور ما بتطرف المناخ مع كثافة الشعور بالتلوث في هذا الإقليم العمراني الضخم وسيطرة الأدخنة والغبار على الصورة العامة للمدينة، وهو شعور زاد حدة في السنوات العشر الأخيرة، بالتوازي مع مجازر الأشجار التي تنفذها الحكومة بكل همة ونشاط، الأمر الذي يمكن وصفه بـ”أسمنت” المدينة بمعنى خلوها من مسطحات خضراء مع نزيف فقدان الأشجار المستمر وغلبة البناء الأسمنتي على عمران القاهرة، خاصة أن المشاريع التي تروج الحكومة كمشاريع تشجير لم تكن على نفس مستوى همة عملية قلعها.
حملة قطع الأشجار طالت كل مكان في القاهرة الكبرى تقريبًا، مع انحياز واضح لمفهوم المواطن السيارة، أي المواطن راكب السيارة والذي لا يتحرك داخل المدينة إلا من خلال سيارته الشخصية، فتم توسعة الشوارع بشكل مبالغ فيه وتحويلها إلى ما يشبه الطرق السريعة داخل المدن! ومن أجل هذه التوسعة تم التضحية بالأشجار التي كانت تزين الشوارع، وإزالة الأشجار التي كانت تميز الجزر المرورية في منتصف الطريق، ولم تسلم الجبانات التاريخية من نفس المصير، فمع عمليات الإزالة لآلاف المقابر تم إزالة الأشجار التي كانت تزين الأحواش والأضرحة.
***
النماذج أكثر من أن تحصى، فتمت إزالة الأشجار الضخمة من شارع عبد العزيز فهمي بمصر الجديدة، والذي كان يعد أحد أهم شوارع المدينة من حيث معدلات التخضير، لكن من يمشي فيه الآن بعد المجزرة الحكومية يصعب على خياله أن يتصور أن هذا الشارع كان يحتوي قبل سنوات قليلة على عشرات الأشجار الضخمة والنادرة، كما تم إزالة العديد من أشجار حديقة اللوتس بمدينة نصر لإقامة جراج متعدد الطوابق.
كذلك تم تقليص مساحات الأشجار في حديقة المريلاند بعد مرور بلدوزر التطوير من عليها. بينما أعلنت رئيسة جمعية محبي الأشجار، أسماء الحلوجي، في تصريح إعلامي يونيو 2024، إنه تم قطع مساحة أشجار تبلغ 311 ألف متر مربع في مدينة نصر، 272 ألف متر مربع في مصر الجديدة.
في الجيزة لم يختلف الأمر كثيرًا، ففي شارع أحمد عرابي بالمهندسين، والذي أزيلت الأشجار منه رغم أنه كان واحة خضراء خصوصا في الجزيرة المرورية، وتم توسعة الشارع وبناء عدد من مطالع الكباري والمحاور المرورية على مساحات كانت خضراء ذات يوم، ما غير بلا شك من طبيعة الشارع ودرجة نقاء الهواء فيه، وهو ما تكرر في شارع جامعة الدول العربية، أحد أشهر شوارع الجيزة، والذي تم نحر الأشجار فيه بدماء باردة،فتحولت الجزيرة المرورية في منتصف الطريق من واحة خضراء إلى صحراء جرداء لا يجد فيها الماشي ظل شجرة يحميه من الشمس الحارقة.
***
مؤخرًا تمت إزالة حديقة أم كلثوم بالمنيل وتجريف مساحتها الخضراء، وسيكون البديل مجموعة من الكافيهات كما هو متوقع وحاصل في العديد من المواقع والأماكن التي أزيلت منها الأشجار، ولم تسعف التصريحات الحكومية في تجميل الواقع على الأرض، فرغم إطلاق المبادرة الرئاسية “100 مليون شجرة” فإن الواقع جاء بالعكس من المبادرة التي تحولت عند الممارسة إلى حملة “إزالة 100 مليون شجرة”، كما أن وزارة البيئة اختفت في ظروف غامضة فلم يعد أحد يسمع صوتها منذ أن أطلقت حملة “اتحضر للأخضر”، والتي توقف الحديث عنها بعد انتهاء استضافة مصر لقمة المناخ العالمية “كوب 27” نوفمبر 2022.
وأجرت منصة صحيح مصر في ديسمبر الماضي، دراسة لتقدير المساحات الخضراء في أحياء القاهرة اعتمادًا على بيانات الأقمار الصناعية، وخلصت إلى نتائج مفزعة، منها أن المساحات الخضراء تقلصت في نحو 95 بالمئة من أحياء المدينة مقارنة بما كانت عليه في أي من الأعوام الثمانية الماضية.
وجاء حي الجمالية في صدارة الأحياء خسارة للمساحات الخضراء بنسبة 69 بالمئة، كما فقدت تسعة أحياء أخرى في القاهرة 50 بالمئة أو أكثر من مساحاتها الخضراء، أما أكثر الأحياء رمادية في القاهرة في 2024، فجاء حي الشرابية في المرتبة الأولى بنصيب 25 سنتيمترًا من المساحات الخضراء لكل مواطن، بعده أحياء المطرية ومنشأة ناصر وباب الشعرية وشبرا وروض الفرج والساحل وعين شمس والزاوية الحمراء، لتخلص الدراسة في النهاية إلى أن 30 بالمئة من سكان القاهرة لا يرون إلا الشوارع والكباري الاسفلتية.
***
أصبح التطوير السلاح المشهر لإزالة الأشجار فالحكومة تقطعها هنا وهناك غير عابئة بتأثير إزالة الشجر على الغطاء البيئي لإقليم القاهرة الكبرى، والذي يعاني من مشاكل جمة أصلًا بسبب زيادة معدلات التلوث إلى مستويات قياسية في ظل فشل حكومي مستمر على مدار عقود في إدارة الغطاء الأخضر لإقليم القاهرة، والذي تراجع بسرعة مع عمليات البناء العشوائي غير المنضبط على الكثير من المناطق الزراعية الي ألحقت في صورة عشوائيات بالإقليم العمراني، بالتوازي مع فشل الحكومة في مشاريع التشجير وأبرزها مشروع الحزام الأخضر الذي حولته آلة الفساد في زمن حسني مبارك إلى أراضي سكنية.
كانت نتيجة السياسات الحكومية ما يشبه تصحر المدينة، إذ خرجت وزيرة البيئة -وقتذاك- الدكتورة ياسمين فؤاد، في مايو 2023، لتعلن أن نصيب المواطن المصري من المساحة الخضراء يبلغ 1.2 متر مربع، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بأن يكون الحد الأدنى لنصيب الفرد من المساحات الخضراء في المناطق الحضرية حوالي 9 أمتار مربعة، واعترفت الوزيرة ضمنيًا أن تراجع المساحة الخضراء أدى إلى تصاعد الأدخنة والغبار وزيادة غاز الاحتباس الحراري ورداءة نوعية الهواء، لكن بعضالتقديراتغير الرسمية ترىأننصيب كل فرد في القاهرة لا يتجاوز بضعة سنتيمترات حاليًا.
***
وهو ما أكدته دراسة شركة آروب للاستشارات العالمية في مجال التنمية المستدامة في العام 2023، حول أكثر المدن الأكثر تضررًا بظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، وهو مصطلح يعني ارتفاع درجة حرارة المدن عن محيطها الزراعي بشكل ملحوظ بسبب زيادة معدلات البناء وقلة المساحات الخضراء.
وقد ذهبت الدراسة إلى أن أكثر المناطق سخونة في المدن تلك التي لا تمتلك غطاء أخضر، ضاربة المثل بمنطقة بولاق الدكرور التي تفتقد لأي غطاء نباتي، إذ سجلت درجات حرارة بزيادة 6 درجات مئوية عن جزيرة القرصاية التي تغطيها مساحة واسعة من الأشجار.
وهي دراسة حاسمة في بيان أثر سياسات الحكومة لإزالة الأشجار على مناخ القاهرة الكبرى بالسلب، فهذا الإقليم الحضاري الضخم يعاني أصلا من البناء العشوائي وزيادة مسببات تلوث الهواء ما يعني حاجته لزيادة المساحة الخضراء لا تقليصها كما هو حاصل حاليًا.
***
السياسات الحكومية المنفذة على الأرض بإزالة الأشجار بشكل عشوائي ومتوسع لا يمكن تبريره، خاصة أن البعض يتحدث عن سبب الإزالة يمكن في قلة موارد مصر المائية، وكأن هذه الحجة لا تخرج إلا عند الحديث عن الأحياء المكتظة بملايين البشر، لكنها تختفي تمامًا عند الحديث عن مساحات خضراء من النجيلة وملاعب الجولف في الكمبوندات التي تستهلك مياه غزيرة بلا أي طائل ولا فائدة.
الأمر الذي يجعل المرء يظن أن السياسة الحكومية ترقى لدرجة المخطط فهل ما يحدث خطة مقصودة بهدف جعل شروط الحياة في أحياء القاهرة والجيزة مستحيلة أو صعبة وغير صحية من أجل إجبار سكانها على الهجرة إلى الضواحي والكمبوندات المسورة خدمة للمطورين العقاريين الذين يواجهون مشاكل حقيقة في بيع عقارات مبالغ في قيمتها؟ هل تسعى الحكومة لإجبارنا على هجرة بيوتنا وأحيائنا عبر قطع الأشجار وزيادة معدلات تلوث الأحياء؟
***
إن إزالة الحكومة للأشجار في إقليم القاهرة الكبرى بصورة غير مسبوقة خلال السنوات القليلة الماضية، قضية تستحق النقاش لمعرفة تأثيرها السلبي على مناخ هذا الإقليم العمراني الأول في البلاد، وصاحب الكثافة الأعلى مصريًا، فضلا عن الحديث عن مفاهيم الحق في المدينة وأنسنة المدينة، وهي أفكار تؤسس لمشاركة المواطن في تحديد مصير المدينة بل الحي الذي لا يعيش فيه.
فلا يعقل أن يستيقظ مواطن ذات صباح فيجد الحديقة أمام منزله وقد تحولت إلى كوبري أو طريق سريع. لذا يجب أن يدخل الجميع في نقاش مجتمعي حقيقي لإقناع الحكومة بعكس سياساتها الأسمنتية وتبني مشروعات تشجير سريعة وواضحة في شوارع إقليم القاهرة قبل أن يختفي اللون الأخضر بالكلية وينسى القاهريون بهجة الألوان ويعيشوا حياة رمادية في مدن الغابات الأسمنتية.
اقرأ أيضا:
في وداع جبانات السيدة والإمام.. مشاهد يوم القيامة



