«أدب الاشتباك».. الكلمة التي لا تستطيع المستعمر احتلالها
استحضار روح الشهيد وليد دقة في ندوة «أدب السجون» بالجامعة الأمريكية
استقبلت القاعة الشرقية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مساء الموافق 18 أبريل ندوة بعنوان «أدب السجون»، أدارتها الدكتورة دينا حشمت لفتح نافذة على أدب المقاومة والوجع الإنساني، في توقيت يتقاطع فيه عبق الحرية مع مرارة الفقد.
شهدت الندوة حضوراً لافتاً لنخبة من المثقفين والمتابعين، حيث استضافت الأسير المحرر الشاعر والكاتب ناصر أبو سرور، والروائي الأسير باسم خندقجي عبر منجزه الأدبي، وهو الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية بوكر 2024 عن روايته «قناع بلون السماء»
خيمت روح الشهيد الأسير وليد دقة على أجواء اللقاء، إذ كان الغائب الحاضر الذي استُحضر أثره الأدبي ونضاله الطويل خلف القضبان. رثى الحاضرون بكلمات مخنوقة بالدموع المناضل الذي رحل في سجون الاحتلال، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً كان من المفترض أن يناقشه بنفسه في هذا المحفل.
***
افتتحت الدكتورة دينا حشمت الندوة بالترحيب بالحضور وتسليط الضوء على مناسبة اللقاء، مشيرةً إلى الاحتفاء بإصدارات لكتّاب أسرى ومحررين، منهم الشهيد وليد دقة الذي ظل حاضراً بكلماته وصموده رغم الغياب. وقدّمت حشمت ضيوفها من الكتّاب الذين خاضوا تجربة الاعتقال المريرة، متسائلةً عن التحول من ممارسة الصحافة في مقتبل العمر إلى الخروج من المعتقل بروايات ونصوص إبداعية، وهل كان المعتقل دافعاً لهذه التجربة؟
موجهة الحديث أولًا إلى باسم خندقجي، الذي بدأ مداخلته مرحبًا بالحضور، مؤكدًا أن حضور الجمهور يحمل دلالة إنسانية عميقة بالنسبة للأسرى والكتّاب، وأن كل خطوة تُتخذ للوصول إلى مثل هذه الفعاليات تمثل دعمًا حقيقيًا للكلمة، كما رحّب بالناشرة رنا إدريس معتبرًا دورها أساسيًا في نقل الأدب من داخل العتمة إلى فضاء القراءة، ووجّه التحية إلى رفاقه وأصدقائه داخل وخارج السجن، مستحضرًا اسم وليد دقة بوصفه الشهيد والكاتب والإنسان، ومؤكدًا حضوره الرمزي في كل ما يُكتب.
انتقل إلى الإجابة عن السؤال، موضحًا أنه قبل الاعتقال كان طالبًا في جامعة النجاح وفي طور التكوين كصحفي، لكن واقع الاحتلال فرض عليه مسارًا مختلفًا، حيث وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القهر والاستعمار، مشيرًا إلى أن الفلسطيني لا يستيقظ راغبًا في الموت بل يسعى للحياة، لكنه يضطر لمواجهته يوميًا كي يحيا شعبه.
وأضاف أنه قضى أكثر من واحد وعشرين عامًا داخل السجن، لافتًا إلى أن تجربته مع الكتابة لم تكن حتمية، إذ كان من الممكن أن يعيش حياة عادية كأي شاب آخر، لكنه وجد في السجن مساحة قاسية لاكتشاف ذاته، بل اعتبر أن هذه التجربة، رغم قسوتها، منحته فرصة للكتابة، مؤكدًا أن فعل الكتابة داخل المعتقل لم يكن مجرد ممارسة جمالية بل فعل مقاومة واستعادة للإنسانية، وأن السجان بالنسبة له لم يكن فردًا فقط بل منظومة كاملة تسعى إلى محو إنسانية الأسير، لكنها تخشى الكلمة والخيال، لذلك أدرك أن الكتابة قادرة على خلق مساحة حرة لا يمكن احتلالها.
***
وواصل حديثه مشيرًا إلى أن العلاقة مع الكلمة تحولت إلى علاقة عميقة تتجاوز البلاغة إلى ما يشبه التجربة الصوفية، حيث تتحول الجملة إلى مساحة بديلة للحرية، والنص إلى وطن مؤقت لا تطاله يد السجان، مؤكدًا أن هذه التجربة لم تكن فردية بل جماعية عاشها مع أسرى آخرين، حيث كانت النقاشات داخل السجن تمتد من الواقع إلى الحلم، في محاولة دائمة لإثبات القدرة على الحرية رغم القيد..
تساءلت الدكتورة دينا حشمت في تعقيبها حول الفارق الزمني والنوعي بين دخول السجن في مقتبل الشباب والخروج منه بإنتاج روائي غزير، وكيف ساهمت سنوات العزل في تشكيل هذه الذاكرة الإبداعية.
أشار الكاتب ناصر أبو سرور في رده إلى أن المنطقة التي يعيش فيها الفلسطيني هي منطقة متعبة ومرعبة، مشبهاً الفلسطيني برجل مخضوب بماء التعب. وأوضح أن الكتابة بالنسبة للأسير هي محاولة لترميم الوعي ومواجهة الأهوال التي يمارسها الاحتلال لإلغاء الوجود الفلسطيني. وأضاف أبو سرور أن الأسير حين يكتب، يكتب بهيئة جديدة تتجاوز القيود، ليرسل بطاقات للعالم تخبرهم أن الفلسطيني لا يزال متمسكاً بمكانه وهويته رغم محاولات الإزاحة المستمرة.
استكملت الدكتورة دينا حشمت المداخلة موضحةً أهمية المشروع الإبداعي لهؤلاء الكتّاب، وكيف تحولت النصوص من مجرد توثيق لواقع الزنزانة إلى فضاء رحب للتأمل وإعادة بلورة خطاب إنساني وأخلاقي يعبر عن القضية الفلسطينية بمستويات سردية متعددة.

فسر باسم خندقجي رؤيته للمشروع الإبداعي بأنه سعى للانتقال من “أدب السجون” التقليدي إلى “أدب الاشتباك”، موضحاً أن أدب السجون استنفد أغراضه التوثيقية، بينما يسعى أدب الاشتباك إلى اختراق المنظومة المعرفية للمستعمر ومواجهتها فلسفياً وإنسانياً. وأكد خندقجي أن الخيال كان هو العرّاب والمساهم المباشر في رحلته، فالمستعمر انتصر في الخيال أولاً حين تخيل فلسطين ملكاً له، ولذلك وجب الانتصار عليه في مضمار الخيال أيضاً واستعادة الرواية الفلسطينية عبر نصوص تتأمل التاريخ لتصيغ الحاضر.
***
وضحت الدكتورة دينا حشمت في تعقيبها أن قدرة الأسير على بناء علاقة مع جدار الزنزانة وتجاوزه بالكلمة هي قمة الإرادة الفردية التي تفتح أسئلة وجودية حول إمكانية تجاوز شروط المكان القاسية.
ختم ناصر أبو سرور هذا الجزء من الحوار مبيناً أن التجربة الإنسانية في السجن هي رحلة للبحث عن حق الحركة في عالم ثابت. وأكد أن الأسير يستطيع عبر الخيال والدخول في حالة البرزخ الإبداعي أن يتجاوز جسده المعتقل، ليخاطب كائنات مؤقتة ويستعيد ملامحه الإنسانية المفقودة في صراعه اليومي مع السجان، مؤكداً أن النص يظل هو الفعل الوحيد الذي لا يمكن مصادرته.
طرحت الدكتورة دينا حشمت سؤالاً حول طقوس الكتابة وتحدي الخصوصية في ظل الرقابة والازدحام.
استعاد الروائي باسم خندقجي تلك اللحظات، واصفاً كيف تتحول الأشياء في نظر الأسير عبر فعل التخيل. أوضح خندقجي أنه أعاد تصوير مفردات السجن القاسية صابغاً إياها بما يريد، قائلاً: “الأسير هو من يقرر ما إذا كان الباب الأزرق سيحبسه أم سيكون بوابة للعبور. إذا نظرت للجدار كإسمنت وحديد فسيحبسني، لكنني اخترتُ أن أخبز هذا الجدار بخيالي ليصبح رغيفاً أقتسمه مع الحرية”.
نوه خندقجي إلى أن الكتابة في السجن ليست ترفاً، بل هي طقس حنين صوفي. كشف عن سره الصغير بأنه كان يستيقظ في الرابعة فجراً، حين يهدأ البعد الأمني للسجان وتنام الزنزانة، ليختلي بكلماته. أشار إلى أنه كان يغلق دفتره فور استيقاظ رفاقه احتراماً لقدسية اللحظة، مؤكداً أن العنوان في رواياته يمثل السلطة المرجعية التي تشده دائماً إلى الأصل كلما تاه في عوالم السرد.
***
شرح خندقجي آليات تهريب النصوص إلى الخارج، مبيناً أنها عملية معقدة تشبه العمل الأمني السري. أوضح أنهم استخدموا أكياس الزيارة قبل تشديد الإجراءات في أكتوبر 2023، حيث كانوا يفرغون أكياس الشوكولاتة ويحشونها بصفحات الرواية لتعود مع الأهالي. استطرد في وصف الطريقة الأكثر صموداً وهي الكباسيل، حيث تُطوى الأوراق بدقة متناهية وتُغلف بالبلاستيك ليخرج بها الأسير لحظة حريته. وصف خندقجي شعوره حين تصله أنباء وصول نصوصه للخارج قائلاً: “كنت أشعر بمرارة السجان وهو يرى كلماتي تتحول لرواية يقرأها العالم، بينما هو لا يملك سوى مفاتيحي الجسدية”.
اقرا أيضا: محو الهوية والتاريخ.. هل يتعمد الاحتلال والولايات المتحدة تدمير الأماكن الأثرية والتراثية خلال الحروب؟
***
من جهته، أكد ناصر أبو سرور أن الكتابة بالنسبة له لم تكن بحاجة لطقوس، بل كانت انفجاراً في وجه القدرات التي تحاول سحقه. أوضح أبو سرور أن السجن هو مكان لقمع الذكورة وتفكيك الهوية، لذا شدد على ضرورة تأنيث النص، قائلاً: “إذا لم أقم بتأنيث النص فلن أقوم بكتابته. ككاتب ومناضل، أنا في حاجة إلى الحاضنة النسوية لمواجهة وحشية السجان”.
حلل أبو سرور شخصية سناء إسماعيل في نصوصه، معتبراً إياها تجسيداً للهوية الفلسطينية في الداخل المحتل. لفت إلى أن فلسطينيي الداخل هم الذين يشتبكون يومياً مع الوعي الصهيوني لا البندقية فحسب، وأن شخصية سناء جاءت لتقطع الطريق أمام الإجابات الجاهزة والهويات الفاشية. أكد أن الخيال كان العراب المباشر لكتاباته، فبينما كان جسده في السجن، كان خياله يتجول في شوارع حيفا ويافا.
أشار ناصر إلى معاناة الفلسطيني في تقديم نفسه وتعريف هويته الممزقة، داعياً من خلال أدب الاشتباك إلى إعادة صياغة الوعي الوطني بأسلوب يشمل الكل الفلسطيني. ختم حديثه في هذا الجزء باستعادة ذكرى الشهيد وليد دقة، مشيراً إلى أن كتابات وليد هي الأصدق في وصف هذا الوجع المكثف الذي يعيشه الفلسطيني في صراعه اليومي من أجل المعنى والوجود.
انتقل الحديث في ختام الندوة إلى مربع الفقد المؤلم، حيث خيمت حالة من التأثر الشديد على الحضور مع استعادة سيرة الشهيد المفكر وليد دقة. أوضح الكاتب باسم خندقجي أن وليد لم يكن مجرد زميل أسر، بل كان بوصلة فكرية ودَيناً كبيراً في عنق كل من كتب خلف القضبان. أشار خندقجي إلى كتاب دقة الأخير “حكاية سر الزيت” وما تلاه من أعمال، معتبراً إياها نصوصاً تتجاوز التوثيق إلى السخرية السوداء التي كان يتميز بها وليد.
***
كشف خندقجي عن تفاصيل قاسية سبقت استشهاد وليد في أبريل 2024، واصفاً كيف يبتكر الاحتلال أدوات قتل بطيئة وممنهجة بحق الأسرى. استطرد في وصف تجربة الكتابة والاشتباك النفسي قائلاً: “كنت أضع بطانية على رأسي في الزنزانة لأتخيل على مدار ساعتين، وحين أتوقف أجدني أتصبب عرقاً من فرط الإجهاد الذهني. كنت أشعر بوليد معي، يحرضني على الكتابة ويشاركني تلك الكوميديا السوداء التي كان يرى بها العالم”.
اقرا أيضا:طارق علي يروي قصة حياة رئيس وزراء بريطانيا: تشرشل وفلسطين واليهود
لفت خندقجي إلى القدرة التنبؤية لدى وليد دقة، الذي كتب مسرحية “الشهداء يعودون إلى رام الله” وتحدث فيها عن الأسرى الشهداء الذين تُحتجز جثامينهم في الثلاجات، وكأنه كان يكتب مصيره بيده. أكد بمرارة: “اليوم، وليد استشهد جسداً لكنه انتصر بالكلمة. الاحتلال يحتجز جثته في الثلاجات ونحن نحتفظ بروحه في نصوصنا”.
تذكر باسم اللحظات التي لمعت فيها عينا وليد دقة خلال أحداث عام 2021، حين رأى جيل الشباب في يافا وحيفا وعكا ينتفض، مشيراً إلى أن وليد كان يرى في هذا الجيل اللحظة التاريخية التي انتظرها طويلاً.
من جهته، تحدث الأسير المحرر ناصر أبو سرور بنبرة باكية عن رفيق دربه، واصفاً وليد دقة بأنه رجل عظيم لا يتكرر، ومفكر استطاع بصلابته أن يحافظ على طفولته وبراءته رغم 38 عاماً من الأسر. أكد أبو سرور أن فقدان وليد هو خسارة فادحة للفكر والمقاومة الفلسطينية، لكن أثره سيبقى خالداً في أدب الاشتباك.



